الصفحات

hh

hh

تتتت

تتتت
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

بحث

‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدكتور محمد الحجيري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدكتور محمد الحجيري. إظهار كافة الرسائل





الحلقة الثامنة من مقال الدكتور محمد الحجيري "كان أبي، بين الحنين وصادق القول"

إنّها صبيحة يومٍ من أواخر شهر حزيران سنة 1984،  كنت وحيداً في غرفتي التي تحمل الرقم 8، والواقعة في الطابق  الرابع  من مبنى طلاب كلية الفيزياء والرياضيات. كانت غرفتي معروفةً للجميع كمركز استقطابٍ في المبنى كلِّه للطلبة الذين يواجهون مسائل مستعصية في الرياضيات، وكنت قد كرّست لهذه المهمّة خمس ساعات من يوم الأحد، أعالج فيها مسائلَ الرياضيات المستعصية على أصحابها من الطلاب الراغبين بسؤالي، شريطة أن يتركَ لي الـمَعنيُّ باستشارتي، مُسبقا، ملخّصّاً عن أسئلتِه، يودِعُه صندوقي البريديّ في مدخل المبنى، حيث كنت على أساس هذا الملخّص، أحدّدُ موعداً للراغب في لقائي، بواسطة رسالةٍ أودِعُها باسم صاحبها في مركز الاستعلامات. كان المبنى من الحقبة القيصريّة، عاليَ السقوف، سميكَ الجدران، رحِباً بكل المعايير، وكنت قد رفضت الانتقالَ من غرفتي إلى غرفة أخرى في مبنى جديد. وحصلت على إذنٍ خاصٍّ من رئيس الجامعة مكّنني من الإقامة في الغرفة رقم 8 ثمانيَ سنوات متتالية، وذلك من مجمل 11سنة قضيتُها في موسكو، في تحصيل المعرفة. كنت متريّثا في تأريخ وإنهاء الرسالة التي أكتبها إلى أبي على أمل ألا أنسى شيئاً  ممّا ينبغي كتابته. نظرت إلى الساعة المعلّقة على المكتبة، كانت قرابة السابعة فأخذت سجائري واتجهت إلى المطعم في الطابق السفلي للمبنى، لأحتسي القهوة، كان المطعمُ شبهَ فارغٍ عند وصولي. وكنت نتيجةَ خبرتي أعلم أنّ ذروة الزحمة الصباحيّة في المطعم والكافتيريا تحدث بُعَيْد الساعة السابعة والنصف بقليل، حيث يُريدُ معظمُ الطلاب أن يحظَوا بفطورٍ سريعٍ قبل دخولهم إلى قاعات الدراسة. أستقبلتني بالترحاب السيدة الستّينية زويا التي تعمل في الكافتيريا، وبعد تبادلنا للتحيّة قالت لي بعتبٍ: يا بنيّ أنا بمثابة أمٍّ لك، وزوجي يُحبّك وكأنّك سرج ابننا وفقيدنا الغالي الذي كان صديقك، ونحن معاً نهتمّ بأمرك كثيرا وكما كنّا لا زلنا، أتذكر كم مرّة حاولنا إقناعك بعدم السفر إلى سيبيريا وكازاخستان خوفا عليك؟ وخاصّة بعد فقداننا لوحيدنا. نعرفُك منذ حوالى ثماني سنوات، وقد اعتدْنا عليك وكأنّك "سرج" نفسه، ولا نريد أن نراك مريضاً أو مرهقاً، وغرفتُك في بيتنا، أكان في الريف أو في المدينة، جاهزةٌ تنتظرك على الدوام. ولكنّني أراقبك عن كثبٍ منذ فترة طويلة، فأنت نحيلٌ جدّا وتُكثر من التدخين وشرب القهوة "مُثلّثة التكثيف" ودون أن تفطرَ صباحاً وهذا لا يجوز. احذر يا بني أن تمرض وتسقط طريح الفراش كما حدث معك بسبب نقص الفيتامين منذ سنتين بعد رجوعك من العمل في سيبيريا. عليك أن تهتم قليلا بصحتك، ولا أدري لماذا توقفت عن إحضار ملابسك لي لغسلها. فقلت لها شكراً سيدة زويا لا تهتمي فأنا بخير، وصدقاً، أنا لا أشعر حالي غريباً عنكما أنت والسيد فلاديمير، فأنتما أغلى أصدقائي لأنّ المرحوم سرج كان كأخي، كنتما هكذا وستبقيان على الدوام، ودليل ذلك أنّي مؤخّراً قد أمضيت خمسةَ أيامٍ مع السيد فلاديمير اساعدُه فيها في تصليح البيت الريفيّ وملحقاته، أمّا موضوع العمل في سيبيريا فقد ولّى وانتهى، عملت أربع سنواتٍ في الفصائل الطلابيّة، والآن ليس لدي الوقت الكافي لذلك، وبالنسبة إلى الغسيل فالأمر ليس بذي أهمية لأنّ الجامعة قد حلّت لنا المشكل بشرائها مجموعةً حديثةً من الغسالات.. وإذا ما احتَجت لغسل شيءٍ مهمٍّ فسأستعين بك. فسألتني كم بقي لك من الوقت؟ فأجبت: لقد بقي لي حوالى السنتين لإنهاء رسالتي والوقت يداهمني وأنا لا أحبّ التمديد، علماً أنّه وفق ما ذكره لي أستاذي، أنا  قد ظُلمت في مكانٍ ما، ذلك لأنّ الجامعة تُعطي عادةً منحةَ تحضيرٍ تمهيديّة لمدّة سنة قبل تسجيل الممنوح في الدكتوراه، وهذا لم يحصل معي. ولكنّه قال بالمقابل لا يوجد في الدنيا من يستطيع إنهاء رسالتي بتعقيداتها المعروفة بأقلّ من أربع سنوات ونصف وفق حساباته، وطلب منّي ألا أحرقَ المراحلَ وأن أترك له مهمّة التفاهم مع إدارة الجامعة بشأني، فقالت زويا أستاذُك صادقٌ وأنا أعرفه منذ تأسيس الجامعة، وهو يعرف قيمتَك ولن يفرّطَ بأمكانياتك ولا بمصلحتك، على الأقلّ، لأنّها تتقاطع مع سمعته العلميّة ونفوذه البحثيّ والأكاديميّ، فلا تُشغل فكرَك في موضوع التمديد، لأنّه إذا ما قال أستاذُك أربع سنواتٍ ونصف، فهذا يعني أربعَ سنوات ونصف، وكلمتُه نافذةٌ لا مفرّ. فطلبت كوباً كبيرا من القهوة "المثلّثة"، فبادرتني وهي تضع الكوبَ تحت الآلة، قائلةً: بالله عليك أخبرني هل معك نقود كفاية، وهل تريد السفر إلى لبنان؟ نقود، نعم معي فراتبي قد تضاعف تقريبا منذ انتقالي إلى مرحلة الدكتوراه، ذلك أنّني أساهم بمعيّة أستاذي في إجراء أبحاثٍ في النمذجة الرياضيّة لصالح كليّة الطبّ،

وهذا عمل بحثيّ مدفوع الأجر. كما أنّني أساعد الطلبةَ في معالجة مسائلهم الرياضيّة وقد علم نائبُ رئيس الجامعة للشؤون الاجتماعية بشكلٍ ما بالأمرِ، فصرف لي مكافأةً سنويةً تعادلُ راتبَ طالبٍ وأرسل رسالةَ تنويه. أما بالنسبة إلى السفر إلى لبنان فلا أريد ذلك، لأنّني منشغلٌ جدّاً وليس لدي متسعٌ من الوقت، فتحت السيدةُ زويا درجاً في طاولةٍ أمامها واخذت منه كيساً وناولتني إياه قائلةً ضع هذا في برّاد غرفتك، فهو بعض الكافيار الذي بيع البارحة هنا بغيابك، وقد حصلت لك على القليل منه. فشكرتُها وأردت أن أدفع الثمن فرفضت، وأصرّت أن تكون هذه العلبُ الثلاثُ التي يحتويها الكيسُ هديةً. أخذت كوبَ القهوة بعد أن دفعت ثمنه وشكرت السيدة زويا وخرجت إلى قاعة رواد الكافتيريا، وفوجئت بصديقي الهنديّ فيدجاي الذي سلّم عليّ قائلا انتظرني أستاذ محمد ريثما أُحضر فنجان قهوة، فابتسمت وأومأت إلى الصفّ الطويل من الطلاب والموظفين الذي تكوّن بثوانٍ معدودة طلباً للقهوة. وأشرت عليه أن يُحضرَ كوباً فارغاً  كي نتتقاسمَ  ما لدي من قهوة، فوافق. أحضر الرجل كوباً وجلسنا في ركننا المعهود نتبادل أطراف الحديث. أمّا فيدجاي، فهو طالبٌ موهوب من السنة الرابعة رياضيات بحتة، ولقد قمت بتدريسه بعضَ المواد بناءً على طلب أستاذي، ولكنّه يعاني من مشاكلَ إداريّة خطيرة قد تتسبّب بطرده من الجامعة، ذلك أنّ عدد ساعات تغيّبه مرتفعٌ جدا، وأكثرُ الأساتذة كانوا قد رفضوا استقبالَه في الامتحانات بسبب تغيُّبه الكلّي عن محاضراتهم. وكان قد قدّم عندي امتحاناً في النُظم الجبرية عندما طلب أستاذي منّي مساعدته في إجراء الامتحانات، فاكتشفتُ في هذا الطالب رياضيّا موهوباً. كان هذا الشاب الهنديُّ يؤمن بتوارد الأفكار، وقد قال لي إنّه على تواصل شبه دائم مع والده المريض. فلم أعلّق على الموضوع خشية جرح مشاعره. بادرني فيدجاي بالقول: لقد كنت محقّاً يا أستاذي في المسألة التي ناقشناها الأسبوع المنصرم، فقد بيّنت الحساباتُ الـمُضنية المباشرة التي أجريتُها أنّ منظومةَ المعادلات الناتجة عن خصائص الفضاء الـمُتناظر، ثُمانيِّ الأبعاد وثابتِ الإنحناء، تُفضي إلى سبع معادلات تكعيبيّة، حيث يكون عدد المجاهيل مساوياً لسبعة أيضا، فأخبرته أنّ هذه النتيجة التي كنت قد توقّعتها، تثبت من جديدٍ الميزةَ الجبريّة والهندسيّة والطوبولوجيّة للرقم سبعة، من خلال تعميم مفهوم شبه الكرة سباعية الأبعاد، في الفضاء الإقليدي ثُمانيِّ الأبعاد. فابتسمنا كلانا فرحاً، أما أنا فلأنّ فرضيتي وجدت برهانها الاستنباطيّ الدامغ بواسطة الحسابات المباشرة، أمّا فيدجاي فلأنّه أدرك أهميّة المسألة المطروحة وبعدها الفلسفي-التاريخي الذي تعود جذورُه إلى أعمال أويلر وكارتان وبوانكاري. فسألته ولكن كيف تمكّنت من إجراء الحسابات. لقد عملت بنصيحتك، حيث أثبت استقلاليةَ التعابير الجبريّةِ في الجهة اليسرى من المنظومة عن المتغيرات، فحسبت مشتقّاتها الجُزئيّةَ وأعدمتُها فحصلت على منظومةٍ من المعادلات المحدّدة. فتح فيدجاي حقيبتَه وأخذ منها رزمة ً كبيرةً من الأوراق من القياس الكبير، وأعطاني إيّاها. شكرته وصفنت قليلاً . فسألني بما تفكّر؟ قلت له: هذا جميلٌ ومفرحٌ، وكنت قد توقّعت النتيجة، ولكنني لن أستطيع تناولَ هذه الحسابات الطويلة لا في رسالتي ولا في مقالاتي العلميّة لأنّ حجمها يتعدّى المألوفَ، ينبغي البحثُ عن برهانٍ آخر، والبارحة حصلتُ على بعض النتائج المشجّعة في هذا المعنى... نظرت إلى الساعة فكانت العاشرة، لقد دهمني الوقتُ، لا شكّ أنّ خالد قد وصل! أخذت أشيائي والأوراق واعتذرت من صديقي الهندي وغادرت مسرعاً. وجدت صديقي خالد (وهو شاب من بلدتي) عند باب غرفتي ينظر إلى ساعته. فبادرته القول أهلا أستاذ خالد هل انتظرت كثيرا فقال لا وصلت لتوّي ولكن أنا على عجلةٍ من أمري، فَعَلَيِّ أن أمرّ على شركة الطيران في وسط المدينة. قلت له هل لديك ربع ساعة لي، فقال: كلّ وقتي ملكك فلا تعبأ بقولي سأنتظر قدر ما تشاء فأنت أبْدَى الناس... قاطعتُه شاكراً وأحضرت له قنينةَ مرطبات من البرّاد، وأنهيت تأريخَ رسالتي ووضعتُها في مغلّفٍ وسألتُه أيمتى ستعود؟ فقال في أواخر شهر آب. فقلت لع: إذا كان بمقدورك أن تُحضرَ لي بعضَ الصحون البلاستيكية المزيّنة برسوم أثرية لبنانية سأكون لك من الشاكرين. ناولتُه الرسالةَ والكيسَ الذي أعطتني إياه السيدةُ زويا، فسألني ما هذا؟ فقلت هديّة صغيرة لك. تفحّص الكيس وقال: كيف حصلت على هذا الكافيار. قلت: ليس الأمرُ مهمّا، فهو لك. ودّعت صديقي خالد وبدأت العمل. كان صيفُ موسكو حارّا جدّا وهذا أمرٌ أزعجني وكنت طيلة الوقت أتمنّى تساقطَ المطر لعلّه يحدّ من تأثير الحرارة على أعصابي، وكانت إنتاجيةُ عملي تزداد ليلا ًوتنخفض نهاراً بصورة معاكسة لحرارة الجوّ. كنت ألتقي دوريّا فيدجاي في الكافتيريا حيث نحتسي القهوة معاً ونناقش مستجدات البحوث في الرياضيات، وكان قد عرض عليّ شراءَ بعض كتبه في الرياضيات وهي نادرةُ الوجود في المبيع، وعلمت إثر ذلك أنّ الجامعة قد أوقفت راتبَه وفصلته، فحاولت مساعدتَه من خلال أستاذي الذي كان ردّه: لقد فات الأوان يا محمد. كان هذا الشاب الهنديّ عزيزَ النفس فقد رفض مساعدتي ورفض حتّى أن أدفعَ عنه ثمنَ القهوة، فاشتريت منه الكتبَ التي عرضها للبيع وبعدها بقليل اشترت الجامعةُ له بطاقةَ سفرٍ فعاد إلى بلاده في الخامس عشر من آب، لقد حزنت لفقداني صديقاً موهوبا في الرياضيات. 

في الثاني والعشرين من آب كنت في ضيافة السيّدة زويا وزوجها في منزلهما في ريف موسكو، ففي هذا اليوم منذ أربعين عاماً عقد صديقاي قرانَهما، إنّها الذكرى الأربعين  لزواجهما. لقد أمضيت عندهما يومين، تجولت خلالهما مع السيّد فلاديمير في الغابة، وتسبّحنا في النهر، واصطدنا الأسماك. وقد أقام فلاديمير وزويا حفلةَ شواء في  المناسبة دعَوا إليها الجيران. وهما طبيب أعصاب وزوجته التي تدرّس اللّغة اليونانية في جامعة موسكو، وطيار مدني شاب على خطوط أيرفلوت مع زوجته وهي راقصة باليه مشهورة. لم أعرف ماذا أصابني، لقد كنت على مدى هذين اليومين  شاردَ الفكر لا أستطيع التركيزَ على ما يدور حولي من أحداث، فكان كلّما بادرني أحدٌ بقولٍ، أبادره بالردّ: "لم أفهم،كرّر القولَ من فضلك". لقد تساءلت يا سادة، ترى هل أحلامُ اليقظة موجودةٌ بالفعل؟ إذ إنّه في اليوم الأوّل من ذينِك اليومين اللذين أمضيتهما في منزل أهل صديقي المتوفّي، سرج، وفي يقظتي الكاملة والأكيدة شهدت في الغابة ما يُشبه أحلام اليقظة: بينما كنت جالساً تحت شجرةٍ ضخمةٍ منتظراً عودةَ فلاديمير من رحلته في الغوص في مجرى النهر. خُيّل إليّ أنّني  رأيت والدي يستفيق في فراشه من نومه العميق، ويجلس جاحظَ العينين حزينَ المحيّا متثاقلاً ويسأل والدتي ما هو هذا اليوم، فتجيبه والدتي إنّه يوم الأربعاء، فيقول لها بقي للرحيل يومان ومن ثم يبادرني القولَ سأمرُّ عليك يا بني قبل الرحيل، باكراً يوم الجمعة فانتظرني، ولا تخف ولا تحزن، ومن ثم  رأيته يستغرق في النوم من جديد. ونظرت من حولي فرأيت فلاديمير يمشي في اتجاهي وفي يده سمكتان كبيرتان... وفي اليوم الثاني تكرّر المشهدُ خلال حفل الشواء، حيث خيّل إلي أنّ والدي يستيقظ من سباته ويسأل والدتي عن اليوم، فتقول له اليوم الخميس، فيقول لها غداً يوم الرحيل، وينظر إلي قائلاً غداً يا بني عند الظهيرة عند الظهيرة.. لا تخف ولا تحزن. استفقت من شرودي على صوت زويا وهي تقول لي الضيوف لا يحبون الشواء المحروق انتبه انتبه ..فسارعت  إلى إبعاد الشواء من فوق الجمر. شعر فلاديمير وزويا بأنّ وضعي غير طبيعيّ، حتى أنّ فلاديمر سألني إذا ما كانت نوبات الغياب عن الوعي تنتابني أحياناً، فطمأنته مؤكّداً له أنّها قد اختفت نهائيا عندما توقفت عن ممارسة لعب الشطرنج. فاهتمّ الجارُ (الطبيب النفسي) بالأمر وسأل زويا عن الموضوع فأخبرته باختصار بأنّني كنت منذ ثلاث سنوات من المشاركين في مباراةٍ للحصول على لقب
"مرشح ماستر" في لعبة الشطرنح وأنّني قد أرهقت نفسي بالتحليل ودراسة الوضعيّات وبأنّني قد نلت في المباريات نقطةً ونصف من أصل ثلاث نقاط (وفسرت زويا: أي أنّه هزم واحدا من حملة لقب "مرشح ماستر" وخسر أمام الثاني وتعادل مع ثالث ) وللأسف هذه النقاط كانت غير كافية للحصول على اللقب المنشود وليس هنا بيت القصيد، واخبرت زويا الدكتور بأنّني بعد ذلك  بدأت أتعرّض لنوبات فجائية من فقدان الوعي. مما استدعى دخولي إلى المستشفى حيث تبين أنّ الأمر سببه الإرهاق الشديد، فمُنعت من لعب الشطرنج ومن قراءة المؤلفات الرياضية لمدة أسبوعين. كما ذكرت له كيف أوضح لي طبيبُ الأعصاب الذي عالجني أنّ عليّ أن أختار ما بين الرياضيات والشطرنج وأنّه لا يجوز لي أن أمارسهما معاً لأنّهما يرهقان جهازي العصبي الذي خلافا للناس العاديين لا يتوقّف للراحة ويستمرّ بالعمل حتى خلال نومي. نظرت إلى ساعتي كان الوقت قد شارف على الرابعة فاستأذنت الحضور وصعدت إلى غرفتي حيث جمعت حاجياتي وبدّلت ملابسي ونزلت فوجدت زويا تنتظرني عند أسفل السلّم، فبادرتني بالسؤال هل أنت على ما يرام؟ فقلت بالتأكيد أنا بينكم دائما على ما يرام؛ قالت البارحة واليوم أنت لم تأكل شئاً البتة والكل قد لاحظوا ذلك، لاحظوا أنّك شربت العصير فقط. فلاديمير والضيوف منشغلو الفكر عليك. أجبتها صدقا أنا بخير ولا أشكو من أي توعّك، ولكنّني منشغل الفكر بمسألةٍ رياضية تمكنت من حلّها بأساليب بدائيّة وأحاول تخطّي هذه الصعوبة عبر ردّ المسألة إلى أصولها الأوّلية. وهذا أمر صعب يشتت عمل الحواس ويرهقها. فقالت جارنا الطيار سيوصلك هو وزوجته إلى محطّة القطار لقد أصرّا على ذلك، يبدو أنّهما يودّان التعرّف عليك عن قرب، قلت لها أشكرك وأشكرهما ولكن لا ضروة لإزعاجهما كان بمقدوري طلب تكسي لتقلني إلى المحطّة. في طريقنا إلى المحطّة سألتني أوكسانا وهي زوجة الطيّار المدعو فاسيلي هل ستسافر إلى بيروت قريباً؟ أجبتها لا أدري ولكن لماذا تسألي؟ أجابتني يحقّ لي ولفاسيلي القيام برحلة مجانية من الأيرفلوت وكنّا نفكّر بالذهاب إلى بيروت. فقلت لها أهلا وسهلا، عليكما أن تخبراني قبل ذلك، فحتّى ولو لم أكن في بيروت سأطلب من أصدقائي أن يهتمّوا بكما وأن يرافقوكما إلى بعلبكّ وباقي المناطق الأثرية. وكتبت لها عنواني البريدي ورقم استعلامات بيت الطلاب، حيث يمكنها أن تترك لي رسالة عبر الهاتف، لأنّ كلّ العاملين هناك من أصدقائي، وسيكونون حريصين على إبلاغي الفوري بمضمون الرسالة للاتصال بكما. فقالت أوكسانا لزوجها هل سمعت فقال نعم  وتابع نحن نحبّ الأصدقاء وبيتنا في موسكو أو هنا في الريف مفتوح لك يا صديقي عندما تشاء. فشكرته. ودعت اوكسانا وفاسيلي على أمل اللقاء في موسكو قريبا. وصلت إلى غرفتي قرابة السابعة مساءً وقد كان الجوّ حارّا بعض الشيء، وضعت أشيائي في غرفتي وأسرعت إلى الكافتيريا فابتعت سجائر ومرطبات وكوباً من القهوة. سألتني السيدة ناديا التي تعمل بالمداورة مع زويا ألم تذهب إلى الريف للاحتفال بعيد زويا وزوجها؟ فأجبتها نعم، ولقد عدت للتوّ. فقالت اسمع لا أريد أن أكذب عليك، فأنا أعرف أنك قد كنت عندهما، بودّي أن أخبرك أنّهما يحبّانك كثيراً وقد اتصلا بي قبل قليل ليطمئنا على وصولك. شكرتها وعدت أدراجي إلى غرفتي وتذكرت حديث والدي لي عن الغربة، حيث قال لي: بني ستكون من المحظوظين في الغربة، وكلما زاد بعدُك عن الوطن زادت حظوظُك بالتعرّف على أخيارٍ يساعدونك ويهتمون بأمرك، وهذا صحيحٌ مئة في المئة. هذا مدهش ولكن لا أجد له تفسيراً شافياً. حاولت القراءة فلم أفلح، حاولت متابعة بعض الحسابات والبراهين التي كنت قد بدأتها ولكن أيضا لم أفلح. شعرت بضغطٍ كبير على روحي، وبتشتّت حواسي وقدرتي على التركيز، فاستلقيت على السرير دون أن ابدّل ثيابي وأغمضت عينيّي، فإذا بالحلم يعاود احتلالَ مخيلتي: أبي يصحو من سباته العميق يفتح عينيه اللتين كانتا هذه المرّة صافيتين كعيون طفل، زرقاوين كقبة السماء في بلدتي في صبيحة أيام الصيف. كانت على وجهه قد ارتسمت ابتسامةٌ مضيئةٌ لم أر مثيلاً لها من قبل، لقد كان أبي ولكنّه كان فتيّاً تشعُّ ملامحُه شباباً ونضارةً  كأنّما خلع رداءَ العجز واستبدله بثوب الشباب والنضارة. نهض من فراشه فإذا هو ببذّته الكحلية الأنيقة وقميصه الأبيض، فقال: لا تخف يا بني لقد أتيت لأودّعك قبل رحيلي، ولا تحزن،  وكن حسنةً جاريةً لنفسك ولي في هذا العالم المنتهي. لقد منّ اللهُ علَيَّ بأنْ سمِعَ دعائي بالمغادرةِ يوم الجمعة، وبأنْ مكّنني من التواصل معك وزيارتك قبل رحيلي. لقد خيّل إلي أنّ ما يجري بيني وبين والدي إنّما يجري في عالمٍ لا تحده الأشياءُ وخارج الأمكنة والأزمنة ولا يمكن وصفه بلغاتنا الكونية المعروفة... استيقظت على صوت عالٍ لتحطم زجاج ففتحت عيوني ونظرت حولي فوجدت المرآة التي أشتريتها منذ ثماني سنوات  عند حلولي في عرفتي قد سقطت وتحطمت إلى قطع صغيرة، لم أفهم كيف حصل هذا حتّى اليوم. لقد أدركت أنّ والدي ربّما يكون قد توفّي. نظرت إلى الساعة فكانت الواحدة ظهرا. هل يُعقل أن أكون فد نمت أكثر من 12 ساعة متواصلة؟


بعد مُضيّ ثلاثة أيام، وعند رجوعي من لقاءٍ مع استاذي وجدت على بابي ورقةً  كتب عليها : لقد رجعت من لبنان ولك أغراص عندي، سأكون في غرفتي طيلة أيام الأسبوع بعد السابعة مساءً. خالد. تركت أشيائي في الغرفة وخرجت قاصدا فرفة خالد. أوقفت تاكسي وأعطيته العنوان ، فقال السائق: هل لديك طريق مفضلة ؟ قلت له نعم ، خذ التحويلة باتجاه جادّة لينين ومن هنالك تابع الطريق القويمة نحو الضاحية الجنوبية الغربية. أوصلني التاكسي إلى بيت الطلاب وبحثت في مفكّرتي فوجدت رقم غرفة خالد الذي استقبلني بالترحاب وأراد تحضير القهوة أو الشاي ولكنني رفضت لضيق الوقت، فأحضر ما كنت قد طلبته منه في كيس من البلاستيك الشفاف، فقلت له هنا لا يوجد رسالة، فأجابني ليس ثمة رسالة. فقلت: بلى الرسالة معك وأنا أعرف أنّ والدي قد مات، فاعطني الرسالة. فقال: العوض بسلامتك، وأخرج من جيب سترته الداخلية رسالة مطويّة ومعلّمة بخط أسود على زاويتها اليمنى. وقال أنا آسف لقد قيل لي أن أحاول عدم إخبارك بالأمر، ولكنّك علمت دون الرسالة فكيف؟ فقلت له والدي أخبرني بوفاته! في اليوم الثاني كنت على متن طائرة الايرفلوت المتجهة إلى بيروت، وأكثر ما استغربته عند وصولي، هي قصة والدتي التي روت لي  كيف كان والدي يستيقظ للحظات فيسألها ما هو هذا اليوم فتقول له، فيقول بقي كذا وكذا، إلى أن أتى يوم الجمعة، فاستيقظ وسألها ما هو هذا اليوم، فقالت اليوم الجمعة، فقال لها اليوم هو يوم الرحيل. فأقام الناس صلاة الجمعة، وصلّوا بعد ذلك على النعش  وآجروا في جنازة يوسف البيضاء الملقب بالنبي يوسف.



(*) باحث في الجامعة اللبنانية، كلية الهندسة الفرع الاول له عدة مؤلفات منشورة وغير منشورة. 



تهدف هذه المقالة:
1ً - إلى استعراض مفهوم الحضارات الجزئية وإبراز جذورها المعرفية وصولا إلى تبيان وهمية هذا المفهوم لا سيما إذا كان المراد منه أن تتجاوز دلالته التحقيب التاريخي الاصطلاحي لتطور البشرية.
2ً – إلى محاولة إعطاء تعريف مبسط للحضارة بوصفها مخزون منجزات المجتمع البشري في التفاعل فيما بينها من جهة ومع الطبيعة من جهة أخرى.
3ً – تناول مثل موجز من تاريخ المعارف الرياضية يُظهر إلى حدّ ما وحدة الحضارة، واستمراريتها، وموضوعيتها من حيث استقلاليتها عن عامل الانتماء البشري وخضوع قوانين تطورها لمبادئ التطور العامة.
1- الحضارات الجزئية
كثيرا ما نصادف في الأدبيات السياسية، والاقتصادية، والتاريخية والعلمية عبارة "حضارة" بالمعنى الجزئي لهذه الكلمة. كأن نقول مثلا الحضارة "الإغريقية" أو الحضارة "الغربية". وفي الفترة الأخيرة جرى الحديث بشكل مكثف عن مفاهيم الحضارات "الإسلامية-العربية" و"الغربية" و"الأمريكية" وسواها، وصولا إلى مغالطة لا يصحّ وصفها من وجهة نظر المنطق العلمي الا بالكارثية. تتحدث هذه المغالطة عن وهم يحمل عنوان "صراع الحضارات" ولهذا الوهم جذوره المعرفية التي ينبغي ألا تخفى على التحليل المنطقي للظاهرة.
من المنطقي أن تكون هذه المفاهيم الجزئية اصطلاحية يُراد بها الدلالة على متغيرات غير ثابتة متعلقة بمنجزات فكرية وعلمية واقتصادية ملموسة في حقبة زمنية معينة وفي مكان معين. ولذلك تبقى هذه المفاهيم، بتعبيرها عن جوهر الأشياء، مجتزأة الجوانب وغير قادرة على عكس مبادئ عامة مما يؤكد محدودية جذورها المعرفية وهشاشة عكسها للحقيقة الموضوعية. من البديهي أنه لا يمكن لهذه الحضارات الجزئية، من حيث المكان والزمان أن تكون مستقلة أو منفصلة عن جوارها في المكان وعن سابقها ولاحقها في الزمن. ومن الصعب بل من المستحيل وضع حدود تحمل صفة الدقة ولو النسبية لمفاهيم الحضارات الجزئية. فهل يستطيع عاقل مثلا أن يحصر اكتشاف رغيف الخبزأو المضاد الحيوي بحضارة جزئية محدّدة ؟ من الأكيد أن أي جواب لا يردّ هذا الإنجاز إلى الحضارة الإنسانية، سيكون بعيداً عن العلمية والموضوعية.
من وجهة النظر المنطقية، يُراد من تجزئة الحضارة، بوصفها كلٌاً غير قابل للتجزئة، الدلالةُ
على حقبة تاريخية معينة بغية تسهيل دراستها ولكنّ الأمر غالبا ما يُحوَّر، فإذا بالحضارات الجزئية متصارعة متقاتلة حيث يجري إلباس هذه الحضارات معتقدات مختلفة لا تمت إلى جوهر الحضارة الحقيقية بصلة وأحيانا قد تُلبس الحضارة الجزئية لباسا دينياً أو مذهبياً لتعبئة الناس ضد بعضهم البعض وذلك بغية طمس الجذور المعرفية ذات البعد الاقتصادي-السياسي. أعتقد أنني لن أسيء إلى أحد إذا أشرت إلى ما هو معروف من التاريخ، إذ انه تحت لواء الحضارة التي يسمونها "عربية إسلامية" قد قتل من العرب والمسلمين أكثر بكثير من غير العرب والمسلمين وكذلك في ظلّ ما يسمّى بالحضارة "المسيحية-الغربية" أبيد من المسيحيين اكثر بكثير ممّا أبيد من غير المسيحيين. حتى ولو تأكدت بالملموس مشاركة المؤسسات الدينية والمذهبية فيما يجري، يبقى الصراع الاقتصادي-السياسي، - لا الديني ولا المذهبي - هو الجوهر والدافع المحرك لكل هذه الصراعات. لا سيما وأن هذه المؤسسات الدينية تمثّل- شئنا أم أبينا- جزءا أساسيا من السلطة السياسية يطمح إلى تحقيق مصالح هذه السلطة والحفاظ على وجودها، وكلامنا هذا لا ينتقص من فضل الأديان في تثبيت مفاهيم إنسانية راسخة كالتعايش، والتآخي والمساواة وغيرها. فمن الضروري هنا التمييز بين المؤسسة الدينية والدين فإذا كان التديّن فعل إيمان فلا يمكن أن تكون معايير هذا الإيمان بشرية أو أرضية، فمعاييره لا يمكن أن تنتمي لغير القدرة الإلهية وبلغة أخرى لا يجوز لأحد ومهما علا شأنه أن يدّعي وصايته على هذا الشأن الإلهي لأن الإيمان كما هو بديهي يعبر عن علاقة مباشرة بين كائن بشري وقدرة قادرة غير ملموسة أو مرئية وغير محتاجة لعون الآخرين فلا وجود لصراع حقيقي بين الأديان، وإن وُجد صراع بهذا المعنى فلا يمكن أن يكون إلا صراع بين المؤسسات الدينية، التي تتباين مصالحها الملموسة الأرضية لا الماورائية.
2-1 الحضارة البشرية
لا نطمح إلى إعطاء تحديد دقيق لمفهوم الحضارة ولكننا سنحاول أن نتوقف عند بعض العناصر الجوهرية لهذا المفهوم الشمولي.
الحضارة هي مقولة فلسفية-تاريخية تُستعمل للدلالة على مخزون المنجزات التي حققتها البشرية على مدى العصور خلال ممارستها الإنتاجية بمعناها الشمولي:
أولا- عبر تأثيرها الفاعل الهادف على الطبيعة وعبر تسخير قوى الكون ونواميسه ومحتوياته بغية تيسير سبل العيش والاستمرار.
ثانيا- عبر تنظيم قوى المجتمع الإنساني وعلاقاته الداخلية وضبط أساليب استغلال خيرات الطبيعة وتوزيعها.
والحضارة بجوهرها الملموس، وكما تبين اكتشافات علم الانتروبولوجيا، ليست مجرد كنـز وقعت عليه بالصدفة مجموعة من الكائنات العاقلة إنما هي نسيج معقد من العلاقات التي تخضع لقوانين موضوعية تتصف بشموليتها، وتكاملها، واستمراريتها وحتميتها وكل هذه القوانين التي تشكّل مجموعة غير منتهية تقوم تحت مظلة مبادئ وحدة الجوهر وكمونيّة التطوّر ببعديه التواصلي والتقاطعي، وجدلية الكمّ والنوع، وتناوبية السبب والنتيجة.
2-2 الجذور المعرفية للحضارات الجزئية
إن البحث الدقيق عن الجذور المعرفية للحضارات الجزئية يبين لنا بوضوح عدمية صراع الحضارات المزعوم. فإن إلباس هذه الحضارات الجزئية – ذوات الصراع المزعوم- ثوبا شعبويا، دينيا أو مناطقيا لن يجعل منها بأي حال من الأحوال أكثر من حجة واهية بعيدة عن العلمية قد تصلح على المستوى السياسي الدولي كشعار دعائي تعبوي لا أكثر، يستخدم في تعبئة الشعوب ضد بعضها البعض، لأهداف مرتبطة بالهيمنة الاقتصادية. فقد أصبح من المعروف منذ زمن بعيد أن الصراعات بين الناس لها جذورها الاقتصادية. ويشير ميرابو إلى ذلك بوضوح حيث يؤكد، بأن كل مشاكل الدول تخلق من حبة القمح. وتتستر الجذور الاقتصادية للصراعات طورا بالشعارات الدينية، وطورا آخر بالشعارات القومية أو العنصرية. وعلى ما يبدو، هناك محاولة لاستنباط شكل جديد لهذه الشعارات تحت اسم صراع الحضارات.
إن تجزئة الحضارة الإنسانية - إذا تعدى الهدف منها المدلول التاريخي الاصطلاحي، إلى التمييز بين الناس- وازى العنصرية بل تعدّاها في ذلك من حيث العداء للجنس البشري وتراثه الحضاري حيث يبين التحليل التاريخي العلمي والانتروبولوجي أن الكائن البشري يختصر بجوهره كل العلاقات الإنسانية والحضارية، وأي تحديد يخالف ذلك للكائن البشري يسيء إلى مفهوم الحضارة الإنسانية وتقود جذوره المعرفية بالضرورة إلى صراعات ذات طابع اقتصادي.
إن دراسة مواضيع الحضارة الإنسانية من حيث وحدتها، وموضوعيتها واستقلاليتها عن أجناس الناس وطوائفهم وقومياتهم، والمبادئ التي يخضع لها تطورها أمور في غاية الصعوبة والضخامة ولذلك فإنني سأكتفي بالتوقف قليلا عند جزء بسيط مما هو معروف من تاريخ تطور العلوم الرياضية لأن المعارف العلمية جزء من الحضارة الإنسانية، ولكن هذا الجزء اليسير كافٍ إلى حد ما للدلالة على خطأ الأفكار القائلة بصراع الحضارات لأنه يبين بشكل لا مجال للشك فيه تواصل وتداخل المعارف العلمية واستمراريتها بشكل مستقل إلى حد كبير عن انتماء الناس ولونهم ولغتهم. فتطور العلم يرتبط بظروف اجتماعية-اقتصادية. فعلى وجه المثال من الجدير بالذكر أن نشأة الخلافة الإسلامية التي امتد نفوذها على رقعة جغرافية كبيرة وفّر ظروفا موضوعية لتطور البحث العلمي الذي كُتب بالعربية. ومع تفكّك الخلافة المذكورة إلى دويلات متناحرة فيما بينها واكتشاف القارات الجديدة انتقل مركز الثقل البحثي إلى أوروبا حيث وفّرت له تلك الاكتشافات بكمونها الاقتصادي أرضية خصبة.
سوف أتناول باختصار شديد بعض الجوانب المعروفة لتطور علم الهندسة عبر التاريخ، وبالتحديد نظرية المتوازيات في التراث العلمي للشعوب المختلفة مع التركيز قدر الإمكان على الدور العربي. وذلك بغية التبيان الحسي الملموس لاستمرارية وتواصل الحضارة الإنسانية. ولا بد هنا من التوقف بعض الشيء عند ما يعنيه بالضبط تاريخ الرياضيات
3-1 تاريخ الرياضيات كعلم
تاريخ الرياضيات هو بالأصل، علم يرمي إلى تلمّس واكتشاف القوانين العامّة والخاصّة التي تحكم تطوّر العلوم الرياضيّة وتبلورها، بمعزل عن ذاتية المبدعين فيها أو جنسيتهم . كأي حقيقة علمية أخرى، إن الحقيقة الرياضيّة موضوعية، أي أنها مستقلة عن آراء الناس فيها، وذلك لأنّها انعكاس تاريخي لحقيقة القوانين الطبيعية، المستقلة بشكل مطلق عن إدراكنا لها.
ومن الجدير بالذكر أن الرياضيات عدا عن أنها علم، فإنها لغةٌ شموليّة صالحة للتعبير عن القوانين العلميّة ونمذجتها. ولذلك يقع تاريخها في تقاطع كبير مع شتى فروع العلوم الأخرى مما قد يعطي إمكانيّة حقيقية لتعميم النتائج المترتبة على دراسة تاريخ الرياضيات في مجالات علمية متعددة.
إن الوصول إلى الحقيقة العلميّة مشروطٌ قبل كل شيء بحاجة الناس (بالمعنى الشمولي للكلمة) إلى هذه الحقيقة وذلك قد يكون مع فارقٍ ملحوظ بالزمن أحيانا، ولهذا الفارق أسبابه الذاتية البحتة وهو غير كافٍ لدحض مقولة العلاقة الشرطية الجدلية القائمة بين الضرورة والاكتشاف، والتي تثبتها تجربة البشرية المستمرة يوماً بعد يوم حيث تدخل الممارسة العملية كمحك لصدقيّة هذه المقولة.
3-2 الاكتشافات المتعلقة بتاريخ العلوم
على عكس ما كان سائداً منذ فترة قصيرة، لا تتعدى عشرات السنين، تشير غالبية نتائج تحقيق المخطوطات العلميّة العربية ودراستها على يد عدد كبير من العلماء العرب والمستشرقين (من وبكيه "Woepcke F." إلى يوشكيفيتش "Youschkevitch" ورشدي راشد وعادل أنبوبا و ر. موريلون Regis Morelon"" وجورج صليبا وغيرهم) وتؤكد أن لعلماء الحقبة العربية دورهم الذاتي الكبير، ليس في تطوير العلم وتثبيت بناه النظريّة فحسب، بل أيضاً في تسريع عملية التطوّر العلمي؛ فبغض النظر عن ظروف الضرورة الموضوعية والاستمراريّة التاريخيّة الحتميّة للتطوّر العلمي في الحقبة العربية، التي استمرت ستة قرون (من القرن التاسع حتى القرن الخامس عشر) على رقعة جغرافية، امتدت من حدود الصين إلى إسبانيا، فقد توفرت ظروف ذاتية ملائمة، مرتبطةٌ بأرضية خصبة لها أبعادُها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، المؤثّرة في تسريع عجلة البحث العلمي. يقول رشدي راشد [2] في مقالته "العلم في الحضارة الإسلامية والحداثة الكلاسيكية" منتقدا التعاطي مع مفهوم "الحداثة الكلاسيكية" بمعزلٍ عمّا سبقَها من معارفَ علمية، ومشيراً بذلك بشكلٍ غيرِ مباشر إلى حتميّة الاستمراريّة التاريخيّة لتطوّر المعرفة العلميّة: "وهذه العقلانية الجديدة، والتي يمكن على سبيل الإيجاز أن نسميها عقلانية تعتمد على علم الجبر وعلى التجريب، هي التي تميز الحداثة الكلاسيكية. وهذه العقلانية، كما ذكرنا، قد تأسّست فيما بين القرن التاسع والقرن الثاني عشر على أيدي علماء تتباعد الشقّة بينهم من إسبانيا الإسلامية إلى بلاد الصين، وكانوا جميعهم يكتبون باللّغة العربية. وقد بدأ العلماء في تبنّي العقلانية الجديدة في مطلع القرن الثاني عشر. وسوف يخرج إلى الوجود مع بداية القرن السادس عشر تنقيحٌ جديد لهذه العقلانية يُعطي لها أسباب الكمال. لذلك لا غنى لكل من يرغب في أن يفهمَ الحداثة الكلاسيكية عن ألا يعوّلَ كثيرا على فكرة المؤرخين في تقسيم تاريخ البشرية إلى فترات أو عصور. ذلك أن تلك الفترات أو العصور تقوم على روابط عارضة بين أحداث التاريخ الأدبي والديني والسياسي لعصر النهضة والأحداث التي وقعت في مجال العلم، بل عليه بدلاً من ذلك أن يتلمّس طريق الحقيقة، ويترك جانبا الخرافات والأساطير التي أضلّت معها مفكراً عظيماً مثل هسرل (1859 – 1938 E. Husserl)".
3-3 المنحى التاريخي لتطوّر نظرية المتوازيات
سنتناول هنا باختصار المسار "النظري - المعرفي" الذي يمثل تطوّر نظريّة المتوازيات وهي ركيزة أساسية في علم الهندسة. وسوف نرتكز –بشكل أساسي- بما نورده من معلومات على موسوعة تاريخ العلوم العربية [1].
3-3-1 المفهوم الرياضي المجرد ومؤلف إقليدس (300 ق.م) – الأصول
يُعتبر تشكّل المفهوم الرياضي المجرّد قفزةً نوعية تاريخية فاصلة بين المستوى الحدسي الملموس والمستوى النظري المجرّد، فإدراك "قيمةٍ فعلية معيّنة" يختلف نوعياً عن إدراك مفهومِ "متغيّرٍ في مجموعة القيم". وحلُُّ "معادلةٍ جبرية معيّنة" من الدرجة الثانية يختلف نوعيّاً أيضاً عن مسألة البحث عن حلّ "المعادلةِ الجبريّة من الدرجة الثانية بشكلها المجرّد العام"، وإعطاءُ برهان لـ"موضوعةٍ هندسيّة معيّنة" يتباين نوعيّا مع بناء نظريّة شموليّة قادرة على حلِّ جملةٍ من المسائل الهندسيّة في الوقت نفسه. إنّ تكوّن مفهومِ "الأصابع الخمسة" قد سبق بزمن طويل – وهذا لاشكّ فيه - تكوّنَ مفهوم العدد "خمسة" وكذلك الأمر فإن تكوّنَ مفهومِ "شجرة التين" قد سبق بزمن طويل تكوّنَ مفهومِ "الشجرة" بالمعنى الشمولي للكلمة. ومن البديهي أن تمثّلَ ظاهرةُ الانتقال من "المفهوم الحسّي الملموس" إلى "المفهوم المجرّد" - من حيث الأبعاد المعرفية – قفزة نوعيّة في مسيرة التطوّر العلمي، ولكن تبلور هذه القفزة النوعية قد يستغرق مئات وألوف السنين. إن المفاهيم المجرّدة هي اللبنات الأساسية التي تُبنى منها الاستدلالات وأشكال التفكير في مستواها النظري، وذلك بواسطة لغة نظريّة خاصّة، تلعب دور الجسد الذي يحمل هذه المفاهيم. أما تكوّن النظريات الرياضيّة (النماذج النظريّة) فهو أمر اكثر تعقيداً بكثير من تكوّن المفاهيم الرياضيّة المجرّدة، وهو يتطلّب أسوةً بالمفاهيم المجرّدة لغةً خاصة موسّعة (ما وراء اللّغة) قادرة ليس على حمل الاستدلالات فحسب بل على جعل التعاطي معها و"تحريكها" أمراً سهلاً وممكنا. ولما كانت الرياضيات علماً يتناول دراسة الأشكال الفضائيّة والعلاقات الكميّة في الواقع الموضوعي فقد تجسّدت ملامح الشقّ الأول من هذا التحديد المعرفي بظهورٍ تاريخي للهندسة الإقليديّة كنموذج رياضي للأشكال الفضائيّة، حيث تكوّنت المفاهيم المجرّدة في هذا العلم تباعاً وفي فترة تاريخيّة مديدة ساهمت فيها التقاليد المختلفة. وتبلورت بشكل نظريّة مكتملة - وذلك بكل ما لكلمة نظريّة على المستوى النظري من معنى - عند إقليدس في كتاب الأصول. أما الشق الثاني للتحديد أي الشقّ المتعلّق بالعلاقات الكميّة، فقد لقي تطوّراً نوعيّاً في تبلوره، وعلى المستوى النظري الأكيد، لدى الخوارزمي الذي أرسى أسس علمٍ جديد بمفاهيمه ومنهجيته وأهدافه وقدرته الشموليّة الكامنة على نمذجة مجموعة ضخمة من العلاقات الكميّة لظواهر وأشياء الواقع المحسوس. ومن الطبيعي أن تتفاوت المفاهيم المجرّدة فيما بينها، من حيث صعوبة أو سهولة إدراكها والوصول أليها. مفهوما الدائرة والمستقيم، مثلا،ً أبسط نسبياً من مفهوم "الجذر" (بالمعنى الذي ورد فيه في جبر الخوارزمي وتطوّره اللاحق)، وذلك لارتباطهما المباشر بالواقع الملموس، فالدائرة تجريد مباشر لقرص الشمس والقمر، والخطّ المستقيم تجريد لاستقامة الخيط المشدود من طرفيه، وهذا الأمر يترك، لا ريب في ذلك، تأثيره في مجال أسبقيّة تكوّن النظريات العلميّة وهذا بالفعل ما نراه: فلقد تبلورت نظريّة الهندسة الإقليديّة قبل ظهور علم الجبر بعدّة قرون.
إن الإشكاليات ذات الطابع المعرفي - المنطقي التي تواكب بناء النظريّة الرياضيّة لا تنتهي في مرحلة معيّنة من تطوّر هذه النظريّة، فمسائل الاكتمال وعدم التناقض وأساليب التأويل تشكّل أموراً ملازمة لكلّ نظريّة رياضية. وبغضّ النظر عن الضرورات التي تفرض علينا الاستعانة بأساليب من خارج النظريّة، نستطيع الجزم بأنه يوجد:
1- ميل موضوعي (مستقل عن المسائل المنفصلة وعن إرادة الباحث) إلى تطوير النظريّة الرياضيّة، وهذا الأمر يأتي كردٍ لا مفرّ منه على مسألة الاكتمال المنطقي. وفي هذه الحالة تضاف إلى النظريّة الرياضيّة موضوعات جديدة مأخوذة من مكان آخر (نظريّة ثانية). تُوسّع هذه الموضوعات النظريّة القديمة فيظهر عندنا بناءٌ نظري جديد أغنى من البناء الذي امتلكته النظريّة الأولى.
2- ميل موضوعي لاستبعاد "التناقض المنطقي"، الأمر الذي يدفعنا بالضرورة للتثبّت من خلوّ النظريّة الرياضيّة من التناقض وذلك عبر تأويلها بواسطة نظريّة رياضية أخرى "غيرِ مشكوكٍ فيها".وتكتسب تقنيّة التأويل هذه أهميةً بالغة لأنّها تُفسح المجال أمام الانتقال من نموذج رياضي إلى نموذج آخر بحجّة التطابق الناتج عن علاقة التأويل. يقول أحد الرياضيين في هذا الشأن: "الرياضيات فنّ يقتصر على إعطاء اسم واحد لشيئين مختلفين".
نرى أن "دمج" النظريات الرياضيّة وتداخلها فيما بينها أمور موضوعية تفرضها دوافع كامنة لها صلة مباشرة بمقولتي الاكتمال النظري وعدم التناقض. وهذا ما حدث بالفعل بين الهندسة الإقليديّة وجبر الخوارزمي، بين طرق الاستنفاد – أي بذور الطرق التحليليّة - (أودوكس - أرخميدس) والهندسة الإقليديّة.
3-3-2 نظرية المتوازيات والمصادرة الخامسة
يقول بوريس روزنفيلد وادولف يوشكيقيتش [1]: " إن الأبحاث حول نظرية المتوازيات، التي سعت لبرهنة مصادرة إقليدس المتعلقة بالموضوع، لعبت دورًا هاما واستثنائيا في تاريخ الهندسة. إن التعقيد الذي رافق صياغة هذه المصادرة بالمقارنة مع غيرها ربما يدل على أنها أضيفت إلى الأخريات في وقت لاحق، ومهما يكن، فان هذه المصادرة أو أي نصٍ مكافئ، ضروريان لبرهان عدد من المبرهنات التي تتعلق بالمثلثات الموجودة في الكتاب الأول من الأصول، وكذلك مبرهنة فيثاغورس التي تتوج الكتاب الاول؛ ولهذا السبب تبدو تلك المبرهنة إلزامية لكل نظرية التشابه المشروحة في الكتاب السادس من الأصول. وأسلاف إقليدس أنفسهم فتشوا ظاهريا، في القرن الرابع قبل الميلاد، عن مصادرة اكثر بديهية واكثر إقناعا لكي تشكل القاعدة لنظرية المتوازيات.
يمكننا الاعتقاد، وحسب ما قال أرسطو (384 ق.م.-322 ق.م)، أنه في أيامه، وحتى قبل ذلك، سعى علماء لبرهنة هذه، أو تلك، من القضايا المكافئة للمصادرة الخامسة. وليس مستحيلا أن يكون أرسطو نفسه قد قدم عرضاً خاصاً لإحدى هذه القضايا. "
كما نرى تملك المصادرة الخامسة تاريخاً حافلاً ، فلقد حاول الرياضيون على مدى اكثر من 2200 سنة تقريباً برهانها استناداً إلى المصادرات الأربع الأُوَل . وقد أدّى اكتشاف الهندسة اللاإقليدية وبرهان استقلالية مصادرة الخطوط المستقيمة المتوازية إلى تطور كبير في هذا المجال على يد رياضيي القرنين التاسع عشر والعشرين، الذين تمكنوا من حل هذه المسألة التي شغلت علماء الرياضيات طويلاً. وقد ساهم في حل هذه المسألة مجموعة كبيرة من العلماء عملوا عبر العصور: كبوسيدون (القرن الأول قبل الميلاد) وبروكلس (410-485).ومن بين هؤلاء العلماء مجموعة كبيرة عاشت في الحقبة العربية كابن الهيثم (950-1040)، نصير الدين الطوسي (1201-1274) وعمر الخيام (1048-1131 ) وغيرهم. أما بلورة الاكتشاف الذي أخرج العلماء والباحثين من دوامة المصادرة الخامسة فقد تمّت مع نيكولاي ايفانوفيتش لوباتشوفسكي (N Lobotchevsky, 1792-1856) الذي اكتشف أول هندسة لاإقليدية (هندسة لوباتشوفسكي)، وتسمى أيضا الهندسة زائدية القطع او الهندسة ثنائية الأبعاد ذات الانحناء السلبي الثابت. وقد توصل إلى نفس النتائج وبشكل مستقل عالمان آخران هما كارل غوس (K..Gauss,1777-1855 ) ويانوش بولاي.(Y. Bolyai, 1802-1860). وقد تمكّن هيلبرت (D. Hilbert, 1862-1943) من الحل المنطقي التشكيلي (formalisation logique)لمنظومة الهندسة الإقليدية.
3-3-3 نظرية المتوازيات في الحقبة "العربية" (ما بين القرنين الثامن والخامس عشر)
لقد لعب علماء الحقبة العربية دورا هاماً في بلورة ودراسة مجالات عديدة من علم الهندسة، يقول بوريس روزنفيلد وادولف يوشكيقيتش [1] في هذا المجال: "تعود الآثار الهندسية الأولى المكتوبة بالعربية إلى أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع؛ واللغة العربية التي اعتمدها، بشكل عام، علماء البلاد الإسلامية منذ انطلاق نشاطهم، كانت أداة التعبير في علم الهندسة. وهذه الكتابات تؤكد بشكل واضح أن التقاليد القديمة: التقليد الإغريقي والهلينستي والتقليد الهندي – الذي اتبع أيضا وجزئيا التقليد الإغريقي – أثرت بشكل هام في الهندسة وفي فروع رياضية أخرى كما في العلوم الدقيقة بشكل عام. وعلى الرغم من أهمية هذا التأثير فان الهندسة العربية اكتسبت، ومنذ المراحل الأولى لنموها، خصائصها المميزة التي تتعلق بموقعها في منظومة العلوم الرياضية، وبترابطها مع سائر فروع الرياضيات – على الأخص مع الجبر – وبتفسيرها للمسائل المعروفة وبطرحها للمسائل الجديدة كليا. فبدمجهم لعناصر الإرث الإغريقي وباستيعابهم لمعارف أمم أخرى أرسى العلماء العرب أسس توجهات جديدة للأفكار الهندسية واغنوا، بفكرهم الخاص، المفاهيم التي اعتمدوا، فإذا بهم يخلقون نوعا جديدا من الهندسة ومن الرياضيات عامة".
تناولت نشاطات الرياضيين العرب في علم الهندسة جميع مجالات هذا العلم، التي يمكن تقسيمها إلى الفصول التالية : أسس الهندسة؛ نظرية المتوازيات؛ الطرق الجبرية في علم الهندسة (الهندسة الجبرية) ؛ الحسابات الهندسية؛ البناءات الهندسية؛ التحويلات الهندسية؛ الإسقاطات الهندسية؛ الهندسة الكروية…وذلك عدا عن مجالي علم المثلثات وحساب اللامتناهية في الصغر، حيث تُستعمل الطرق الهندسية أيضا. وقد شهد هذان العلمان تطورًا كبيرا في الفترة العربية.
بغض النظر عمّا يحتويه كتاب الأصول من حلول للمسائل الهندسية وبراهين مبتكرة، تتمحور أهميته الكبرى حول منهجيته النظريّة الموحدة والهادفة إلى حلّ مجموعة ضخمة من المسائل باستخدام هذه المنهجية النظريّة. (وهذه السمة الأساسية للنظريات العلميّة، حيث يُفترض بالنظريّة العلميّة أن تفسّر مجموعة ضخمة من الظواهر استناداً إلى مجموعة من القوانين النظريّة المترابطة). ولقد ترافق وضع كتاب الأصول مع بروز إشكالية نظرية المتوازيات، التي على الأرجح قد سبقت وضع المؤلف نفسه.
لقد مهد العلماء العرب في مجال نظرية المتوازيات، وفي طليعتهم ثابت بن قرة (836-901) وابن الهيثم (950-1040)، وعمر الخيام (1048-1123)، ونصير الدين الطوسي (1201-1274)، الطريق أمام العلماء الأوروبيين: (ساكيري (Saccheri,1667-1733) ، لامبرت (Lambert,1736-1813)، ليجاندر ((Legendre,1794-1823.(لوباتشوفسكي…) لاكتشاف الهندسات اللاإقليدية وتعود صياغة بعض المبرهنات البسيطة في الهندسات اللاإقليدية لابن الهيثم والخيام والطوسي وقد استعمل الرياضيون الأوروبيون النماذج العربية في براهينهم المتعلقة بالهندسات اللاإقليدية ومنها رباعي أضلاع الخيام، ورباعي أضلاع ابن الهيثم. هذا ما تشير إليه النتائج التي توصل إليها الباحثون في تاريخ الرياضيات، وفي طليعتهم البحاثة المعروف يوشكيفتش.
يقول بوريس روزنفيلد وادولف يوشكيقيتش [1]:" وفي الشرق العربي، يبدو أن عباس الجوهري، وهو معاصر للخوارزمي، كان أول من سجل مأخذا على المصادرة الخامسة. ففي كتابه : " إصلاح لكتاب الأصول " افترض عباس الجوهري أنه بالإمكان، وعبر نقطة ما داخل الزاوية، رسم خط يتقاطع مع ضلعيها. وفيما بعد، استعان عدة هندسيين (ومنهم ليجاندر) بهذا الإعلان لبرهنة المصادرة الخامسة. والواقع أن هذا الإعلان متكافئ مع المصادرة، ولا يمكن برهنته بواسطة موضوعات إقليدس الأخرى."
يزخر تاريخ العلم العربي بمجموعة كبيرة من العلماء الذين تعاطوا مع مصادرة إقليدس وحاولوا برهانها، " فبعد الجوهري ببضع عشرات من السنين اقترح ثابت بن قرة برهانين مختلفين للمصادرة الخامسة. نجد أحد البرهانين في مؤلفه : "كتاب في أنه إذا وقع خط مستقيم على خطين مستقيمين فسيرى الزاويتين اللتين في جهة واحدة اقل من قائمتين فإن الخطين إذا اخرجا في تلك الجهة التقيا". ونجد البرهان الآخر في كتابه: "مقالة في أن الخطين إذا اخرجا إلى زاويتين اقل من القائمتين التقيا"." (الكلام لروزنفيلد و يوشكيقيتش [1])
تبنى ابن الهيثم في مؤلفه " شرح مصادرات إقليدس" مفهوم "الحركة البسيطة" الذي ارتكزت عليه دراسة ثابت بن قرة. ويبرهن أن"المكان الهندسي - باللغة المعاصرة" لطرف الخط العمودي الذي يبقى طرفه الآخر على نفس الخط، يمثل خطا مستقيما.
و"لكن تجديد ابن الهيثم الفعلي مرتبط بإدخاله لرباعي أضلاع فيه ثلاث زوايا قائمة وقد استخدم لامبرت مثل هذا المضلع الرباعي فيما بعد في محاولة لبرهان المصادرة الخامسة" (الكلام لروزنفيلد و يوشكيفيتش [1]) .
وقد اقترح ابن الهيثم في مؤلفه: "كتاب حل شكوك إقليدس في الأصول" "مصادرة" مكافئة للمصادرة الخامسة واكثر بساطة منها: " لا يمكن لمستقيمين متقاطعين أن يكونا موازيين لنفس المستقيم".
لقد برهن خليل جاويش [3] أن أحكام ساكيري الأربعة الأولى مطابقة للأحكام التي وردت عند الخيام في مؤلفه " شرح ما أشكل من مصادرات كتاب إقليدس"وان الحجج المستعملة في الحكم الثالث تعود للخيام قبل ساكيري. "
تجدر الإشارة إلى أن مجموعة كبيرة من العلماء العرب غير الخيام وابن الهيثم قد عملوا على حل إشكالية المصادرة الخامسة ومنهم البيروني (توفي حوالي سنة 1048) والكندي (توفي حوالي سنة 873) وحسام الدين السالار (1262 م) وغيرهم ولكن أشهرهم هو نصير الدين الطوسي "الذي اعمل فكره في الخطوط المتوازية وذلك من خلال عملين، الأول : "الرسالة الشافية عن شك في الخطوط المتوازية" المكرس خصيصا لهذه النظرية، والثاني: شرح إقليدس، وهذا الأخير هو في الحقيقة عرض لِ أصول إقليدس مع زيادات مهمة عائدة للمؤلف. وفي كل من المؤلفين استخدم الطوسي، كالخيام، رباعي أضلاع ساكيري ودرس الفرضيات الثلاثة المتعلقة بزواياه العليا". (الكلام لروزنفيلد و يوشكيقيتش [1])
يقول روزنفيلد و يوشكيقيتش [1]: " من خلال أعمالهم في نظرية المتوازيات، مارس علماء الرياضيات العرب تأثيرا مباشرا على أعمال نظرائهم الأوروبيين في الميدان نفسه. فبمراجعتهم كتاب المناظر لابن الهيثم، قام العالم البولوني ويتلو (Witelo) في القرن الثالث عشر بالمحاولة الأوروبية الأولى لبرهنة مصادرة المتوازيات، وهذه المحاولة مستوحاة من دون شك من مصادر عربية. وفي القرن الرابع عشر، أعطى العالمان ، ليفي بن جرسون والفونسو الاسباني، براهين تصب مباشرة في سياق براهين ابن الهيثم، وقد سبق أن أشرنا إلى أن شرح إقليدس المنسوب زعما إلى الطوسي قد نشط دراسات ج. واليس (Wallis, 1616-1703) وج. ساكيري المتعلقة بنظرية المتوازيات. ولا شك في أن التطابق في طرح الفرضيات المتعلقة بزوايا رباعي الأضلاع التي طرحها العلماء الشرقيون في القرون الوسطى من جهة، وكما طرحها ساكيري ولامبرت من جهة أخرى، هو تطابق له دلالته كما إن له أهميته البالغة.".
المراجع
[1] "موسوعة تاريخ العلوم العربية" 3 مجلدات: إشراف ر. راشد. مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت 1998. نقلها إلى العربية فريق الدراسة والبحث في التراث العلمي العربي.
[2] رشدي. راشد: " العلم في الحضارة الإسلامية والحداثة الكلاسيكية"، أعمال اللقاء السوري اللبناني حول البحث في التراث العلمي العربي"
[3] محمد يوسف الحجيري: "الإسهام العربي في علم الهندسة". السفير 20 و21 حزيران 2000
[4] Jaouche Khalhil. La théorie des parallèles en pays d’Islam – VRIM – 1986

باحث في العلوم الرياضية،
وفي فلسفة وتاريخ العلوم الدقيقة والتقنيات
مُختصرٌ حَوْلَ تاريخِ عِلْمِ الجَبْرِ في التُراثِ العِلْميِّ العربِيِّ ما بين الخوارزمي وشرف الدين الطوسي

أهدي هذه المقالة إلى طلابي بمناسبة إنهاء العام الدراسي
1- مُقدِّمة
تاريخُ الرِياضيّات علمٌ حديثُ العَهْدِ، ويَرمي هذا العلمُ إلى تلمُّسِ، واكتِشافِ، وتقصّي، ودراسةِ القوانينِ المعرفيّةِ العامّةِ والخاصّةِ الّتي تحكمُ تكوُّنَ وتطوُّرَ مفاهيمِ ومقولات العلومِ الرياضيّةِ البنيويّة وتبلورَها عَبْرَ الزمانِ والمكان، وذلك بِمَعزِلٍ عن ذاتيّة الـمُبدعين فيها أو جنسيّتهم، وذلك أنّ الحقيقةَ الرياضيّةَ - كَسِواها من المعارفِ العلميّة الأُخْرَى - موضوعيّةٌ، أي أنّها مُستقلةٌ عن آراءِ الناس فيها لأنّها انعكاسٌ تاريخيٌّ لا رَيْبَ فيه لحقيقةِ القوانينِ الطبيعيّة الّتي تسودُ الوجودَ باستقلاليّةٍ مُطلقةٍ عن إدراكِنا إيّاها. ووَفْقَ نتائجِ البحوثِ الابيستيمولوجيّة المتوفّرة، تُمثّل المعارفُ الرياضيّةُ - على غرارِ ما تُمَثّلُهُ المعارفُ العلميّةُ الأُخْرَى - تراثاً إنسانيّاً شموليّاً يتعدّى حدودَ اللّونِ والجنسِ والقوميّةِ والدينِ والزمانِ والمكان. ويكادُ تاريخُ التراثِ العلميّ يختصِر الحضارةَ الإنسانيّةَ بِرُمّتِها، لأنّ قوانينَ العلم (أي نِتاج الفكرِ العلميِّ) هي الصورةُ التاريخيّةُ الـمُجسِّدةُ للقوانينِ الطبيعيّةِ الملموسة الّتي يفرضُ الواقعُ الملموسُ على الكائنات العاقلةِ ضرورةَ التعايُشِ معها، ولزومَ فهمِها وتفسيرِها بُغْيَةَ تيسيرِ سُبُلِ العيش والاستمرارِ في الحياة بِحُرِيّة، أي بانسجامٍ مع مُقتضيات نواميسِ الطبيعة. ومن الجديرِ بالذكر أنّ الرِياضيّات، فضلاً عن كونها عِلماً، فإنّها لُغةٌ شموليّةٌ صالحةٌ للتعبيرِ عن القوانينِ العلميّة ونَمْذَجَتِها. و لذلك يقعُ تاريخُها في تقاطعٍ كبيرٍ مع شَتّى فروعِ العلوم الأُخْرَى، ويوفّر هذا الأمرُ إمكانيّةً حقيقيّةً لتعميمِ نتائجِ دراسةِ تاريخِ الرِياضيّات على مجالاتٍ علميّةٍ متعدّدة.
إنّ الوصولَ إلى الحقيقةِ العلميّة مَشروطٌ قبلَ كلِّ شيءٍ بحاجةِ الناسِ (بالمعنى الشُموليِّ للكلمةِ) إلى هذه الحقيقة، وقد يحصُل ذلك "الوصولُ" بفارقٍ ملحوظٍ في الزمن، ولا ريب أنّ لهذا الفارقِ أسبابُه الذاتيّةُ البحتة، ووجودُ هذا الفارقِ غيرُ كافٍ لدحض علاقةِ العِلّةِ الشرطيّة القائمةِ بين الضرورة والاكتشاف الّتي تُثبتُها تجربةُ البشريّةِ المستمرّةُ تراكُميّاً يوماً بعد يوم، حيث تَتَبدّى الممارسةُ العمليّةُ كمِحكٍّ لصدقيّة هذه العلاقة. ولكن، قد تتوفّرُ أحياناً ظروفٌ ذاتيّةٌ ملائمةٌ لتسريعِ عَجَلَةِ التطوّر العلميّ الّذي يبقى على الرّغم من هذا أمراً موضوعيّاً في المقام الأوّل، مرتبطاً بشكلٍ أكيد بالبُنية الاقتصاديّة-الإنتاجيّة-الاجتماعيّة لكلِّ أمّة، وخاضعاً لمبدأ الاستمراريّة المعرفيّة التاريخيّة.
على عكس ما كان سائداً منذ فترةٍ قصيرةٍ لا تتعدّى عشرات السنين، تُشير غالبيّةُ نتائجِ تحقيقِ المخطوطات العلميّةِ العربيّة ودراستِها، على يد عددٍ كبير من الباحثين العرب والـمُستشرقين، لتُؤكّدَ أنّ لِعلماء الحقبةِ العربيّة دورهم الذاتيّ الكبير، ليس في تطوير العلم وتثبيت بُناه النظريّة فحسب، بل أيضاً في تسريعِ عمليّةِ التطوّر العلميّ. فبغضّ النظرِ عن ظروف الضرورة الموضوعيّة، والاستمراريّة التاريخيّة للتطوّر العلميّ في الحقبة العربيّة الّتي استمرّت ستةَ قرونٍ (من القرن التاسع حتى القرن الخامس عشر)، على رقعةٍ جغرافيّة امتدّت من حدود الصين إلى إسبانيا، فقد توفّرت ظروفٌ ذاتيّةٌ ملائمةٌ، مرتبطةٌ بأرضيّةٍ خصبةٍ لها أبعادُها الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة المؤثّرة في تسريع عجلة البحث العلميّ. ونُشير هنا إلى أنّ ما انتَهَجَهُ بعضُ الفلاسفة والمؤرخين من تسليمٍ بحقيقةِ "الحداثة الكلاسيكيّة" بِمَعْزِلٍ عمّا سبقَ هذه الحداثةَ المزعومةَ من معارفَ علميّةٍ في الحقبة العربيّة، قد ثَبُتَ بطلانُه بالملموسِ من خلال النصوص المخطوطيّة العربيّة تحديداً. وتؤكّد نتائج النصوص العلميّة المخطوطيّة المحقّقة التي تعود إلى الحقبة العربية أنّ "الحداثة الكلاسيكيّة" قد بدأت في الحقيقة مع علماء التقليد العربيّ، وارتبطت بعَقْلانيّة يُسَمّيها رشدي راشد "عَقْلانيّةَ الجبر والتجريب"، ويكتب بهذا المعنى: "وهذه العَقْلانيّةُ الجديدة الّتي يُمكن على سبيل الإيجاز أن نسمّيَها عَقْلانيّةً تعتمدُ على علم الجبر وعلى التجريب، هي الّتي تُمَيِّزُ الحداثةَ الكلاسيكيّة. وهذه العَقْلانيّة، كما ذكرنا، قد تأسّست فيما بين القرن التاسع والقرن الثاني عشر على أيدي علماءَ تمتدُّ المسافات بينهم من إسبانيا الإسلامية إلى بلاد الصين، وكانوا جميعهم يكتبون باللّغة العربيّة. وقد بدأ العلماءُ في تبنّي العَقْلانيّةَ الجديدةَ في مطلع القرن الثاني عشر. وسوف يخرجُ إلى الوجود مع بداية القرن السادس عشر تنقيحٌ جديدٌ لهذه العَقْلانيّة يُضفي عليها أسبابَ الكمال. ولذلك فلا بدّ لكلّ من يرمي إلى تَلَمّسِ حقيقة الحداثة الكلاسيكيّة أن يصرفَ النظرَ عن فكرةِ المؤرخين في تقسيمهم تاريخَ البشرية إلى فتراتٍ أو حِقَبٍ منعزلة. ذلك أنّ تلك الفتراتِ أو الحِقبَ تقومُ على روابطَ عارضةٍ بين أحداثِ التاريخ الأدبيّ والدينيّ والسياسيّ لعصر النهضة والأحداثِ الّتي وقعت في مجال العلم، وعليه عِوَضاً عن ذلك أن يتلمّسَ طريقَ الحقيقةِ، ويتركَ جانباً الخرافاتِ والأساطيرَ.."
2- المَنْحَى التاريخيّ لتطوّر علم الجبر في الشرق العربيّ
يهدف بحثُنا هذا إلى استعراضٍ جُزئيٍّ مبسّطٍ وسريعٍ للمسار "النظريّ - المعرفيّ" الّذي يُمثّلُهُ تطوّرُ علم الجبر - وتحديداً في نظريّة المعادلات - في الحقبة العربيّةِ وإلى رصدِ فروعه وتشعّباتِه.
كتب نقولا. فارس في كلمةِ الـمُترجم المكرّسةِ لكتاب الجبر والهندسة في القرن الثاني عشر، مؤلفات شرف الدين الطوسيّ: "يقدِّمُ الكاتبُ (أي رُشْدي راشِد) رسماً للمنحى الهندسيّ لتطوّر الجبر بَدءاً بالخوارزميّ (787-850) والماهانيّ (..-880) والخازن (…- 961)، والبيرونيّ (973-1050) وأبي نصرٍ بن عراق…، ويتوقفُ عند القِمّة في تطوّر هذا المنحى الّتي تشكّلُها الأعمالُ الجبريّةُ لعمر الخيّام (1048-1131) الّتي سبق وأن خصّص لها كتاباً نجد فيه تحقيقاً لنصوصها مع دراسةٍ وتعليق. ثم يعرض لوسائل الطوسيّ الهندسيّة الّتي يرتكز فيها إلى ما بدأه الخيّام والّتي تتميّز عن وسائلِ الخيّامِ بكونها تستخدمُ مفاهيمَ تحليليّةً استدعتها عند الطوسيِّ مسألةُ وجودِ الجذور لبعضِ المعادلات المدروسة".
ومن الجدير بالذكر أنّه قد سبق لرُشْدي راشِد أن قدّمَ المنحى الحسابيّ لتطوّر الجبر في مؤلَّفِه تاريخ الرِياضيّات العربية: بين الجبر والحساب. ويكتبُ في مقدِّمة هذا الكتاب: "إنّ فهمَ الرِياضيّات الكلاسيكيّة وبخاصةٍ تلك المكتوبة بالعربيّة، هو قبل كلّ شيءٍ تحديدُ موقِعنا بين الجبر والحساب من جهة، وبين الجبر والهندسة من جهةٍ أُخْرَى. إنّ هذا المنظورَ وحده هو الّذي مكّننا في الواقع من وَعْيِ الدور الأساسيِّ والجذريِّ الجدّةِ للجبر في تكوين عَقْلانية الرِياضيّات. ولكن، بفضل هذا الموقعِ أصبحنا أيضاً بوضعٍ يسمحُ لنا أن نتلمّس حركةَ إعادةِ ترتيب هذه النُظُمِ وبنائها أحدها بالآخرِ أو بعبارةٍ أُخْرَى أن نرى جدليّةً تقومُ بين الحساب والجبر وبين الهندسة والجبر". نرى أنّ تطوّرَ الجبر في الشرق العربيّ قد تحرّك في اتجاهين رئيسيّين وهما: الجبر الحسابيّ والجبر الهندسيّ، ولكننّا لن نخوضَ في تفاصيل هذا الأمرِ، وسنكتفي بتناولِ التطوّر المتعلّق بنظريّة المعادلات.
2-1 ظهورُ علم الجبر ومُؤلَّفُ الخوارزميّ (787 - 850) – الكتاب الـمُختصَر في حساب الجبر والمقابلة
يُعتبرُ تشكُّلُ المفهومِ الرياضيِّ المجرّدِ قفزةً نوعيّةً تاريخيّةً فاصلةً بين المستوى الحدسيّ التجريبيّ والمستوى النظريّ المجرّد، فإدراكُ "مقدارٍ فعليٍّ معيّنٍ" يختلفُ نوعياً عن إدراكِ مفهومِ "مُتَغَيِّرٍ ما في مجموعةِ المقادير". وحلُّ "معادلةٍ جبريّةٍ مُعيّنةٍ" من الدرجة الثانية يختلفُ نوعيّاً أيضاً عن مسألةِ البحث عن حلِّ "المعادلةِ الجبريّة من الدرجة الثانية بشكلها المجرّد العامّ"، وإعطاءُ برهانٍ لِ‍ "مسألةٍ هندسيّةٍ معيّنةٍ" يتباينُ نوعيّاً مع بناء نظريّةٍ شموليّةٍ قادرةٍ على حلِّ جملةٍ من المسائل الهندسيّة دفعةً واحدةً. إنّ تَكَوُّنَ مفهومِ "الأصابع الخمس" قد سبق بزمنٍ طويلٍ – وهذا لاشكّ فيه - تكوّنَ مفهومِ العدد "خمسة"، وكذلك الأمرُ، فإنّ تَكَوُّنَ مفهومِ "شجرة الّتين" قد سبق بزمنٍ طويلٍ تَكَوُّنَ مفهومِ "الشجرة" بالمعنى الشموليّ للكلمة. ومن البديهيّ أن تُمَثِّلَ ظاهرةُ الانتقال من "المفهوم الحسيِّ الملموس" إلى "المفهوم المجرّد" - من حيثُ الأبعاد المعرفيّة – قفزةً نوعيّةً في مسيرة التطوّر العلميّ، ولكنّ تبلورَ هذه القفزة النوعيّة قد يستغرقُ ألوف السنين. إنّ المفاهيمَ المجرّدة هي اللّبناتُ الأساسيّةُ الّتي تُبنى منها الاستدلالاتُ وأشكالُ التفكير في مستواها النظريّ، وذلك بواسطة لغةٍ نظريّةٍ خاصّةٍ تلعب دور الجسد الّذي يحمل هذه المفاهيم. أما تَكَوُّنُ النظريّات الرياضيّة (أي النماذج النظريّة) فهو أمرٌ اكثرُ تعقيداً بكثير من تَكَوُّنِ المفاهيم الرياضيّة المجرّدة، وهو يتطلّب أُسْوَةً بالمفاهيم المجرّدة لغةً خاصّةً موسّعةً (ما وراء اللّغة) قادرةً، ليس على حملِ الاستدلالات فحسب، بل على جعل التعاطي معها و"تحريكها" أمراً سهلاً ومُمكناً. ولـمّا كانت الرِياضيّاتُ علماً يتناولُ دراسةَ الأشكال الفضائيّة والعلاقات الكميّة في الواقع الموضوعيّ، فقد تجسّدت ملامحُ الشقّ الأوّل من هذا التحديد المعرفيّ بظهورٍ تاريخيٍّ للهندسة الإقليديّة كنموذجٍ رياضيٍّ للأشكال الفضائيّة، حيث تكوّنت المفاهيمُ المجرّدة في هذا العلم تباعاً وفي فترةٍ تاريخيّةٍ مديدةٍ ساهمت فيها التقاليدُ المختلفة. وتبلورت بشكل نظريّةٍ مكتملةٍ - وذلك بكلّ ما لكلمة نظريّة على المستوى النظريّ من معنى - عند إقليدس في كتاب الأصول. أما الشقُّ الثاني للتحديد، أي الشقّ المتعلّق بالعلاقات الكميّة، فقد لَقِيَ تطوّراً نوعيّاً في تبلوره، وعلى المستوى النظريّ الأكيد، لدى الخوارزميّ الّذي أرسى أُسُس علمٍ جديدٍ بمفاهيمه ومنهجيّتِهِ وأهدافه، وقدرته الشموليّة الكامنة على نَمْذَجة مجموعةٍ ضخمةٍ من العلاقات الكميّة لظواهر وأشياء الواقع المحسوس. ومن الطبيعيّ أن تتفاوتَ المفاهيمُ المجرّدةُ فيما بينها، من حيث صعوبةِ أو سهولةِ إدراكِها ومن حيث الوصول إليها. فمفهوما الدائرةِ والمستقيم، مثلا،ً أبسطُ نسبيّاً من مفهومِ "الجذر" (بالمعنى الّذي ورد فيه في جبر الخوارزميّ وتطوّرِه اللاّحق)، وذلك لارتباطهما المباشر بالواقع الملموس، فالدائرةُ تجريدٌ مباشرٌ لقرص الشمس والقمر، والخطُّ المستقيمُ تجريدٌ لاستقامةِ الخيط المشدودِ من طرفَيْه، ويترك هذا الأمرُ - لا ريب في ذلك - تأثيرَه في مجال أسبقيّةِ تَكَوُّنِ النظريّات العلميّة، وهذا بالفعل ما نراه: فلقد تبلورت نظريّةُ الهندسة الإقليديّة قبل ظهور علم الجبر بعدّة قرون.
إن الإشكاليات ذات الطابع المعرفيّ - المنطقيّ الّتي تواكبُ بناءَ النظريّة الرياضيّة لا تنتهي في مرحلة معيّنة من تطوّر هذه النظريّة، فمسائلُ الاكتمالِ وعدم التناقض وأساليبُ التأويل تُشكّلُ أموراً مُلازمةً لكلّ نظريّةٍ رياضيّة. وبغضّ النظر عن الضرورات الّتي تفرض علينا الاستعانةَ بأساليب من خارج النظريّة، نستطيع الجزمَ بأنّه يُوجد: 
1- ميلٌ موضوعيٌّ (مستقلٌّ عن المسائل الـمُنفصلة وعن إرادة الباحث) إلى تطوير النظريّة الرياضيّة، وهذا الأمر يأتي كردٍ لا مفرّ منه على مسألة الاكتمال المنطقيّ. وفي هذه الحالة تُضافُ إلى النظريّة الرياضيّة موضوعاتٌ جديدةٌ مأخوذةٌ من مكانٍ آخر (من نظريّةٍ ثانية). تُوسّعُ هذه الموضوعاتُ النظريّةَ القديمةَ، فيظهرُ عندنا بناءٌ نظريٌّ جديدٌ أغْنَى من البناءِ الّذي امتلكته النظريّةُ الأُولى.
2- ميلٌ موضوعيٌّ لاستبعادِ "التناقض المنطقيّ"، الأمرُ الّذي يدفعنا بالضرورة للتثبُّت من خُلُوِّ النظريّة الرياضيّة من التناقض وذلك عَبْرَ تأويلها بواسطة نظريّةٍ رياضيّةٍ أُخْرَى "غيرِ مشكوكٍ فيها".وتكتسب تقنيّةُ التأويل هذه أهميةً بالغةً لأنّها تُفسح المجالَ أمام الانتقالِ من نموذجٍ رياضيٍّ إلى نموذجٍ آخر، بحُجّة التطابقِ الناتجِ عن علاقة التأويل. ويقول أحدُ الرياضيّين في هذا الشأن: "الرِياضيّات فنٌّ يقتصرُ على إعطاء اسمٍ واحدٍ لشيئين مختلفين".
نرى أنّ "دمجَ" النظريّات الرياضيّة وتداخلَها فيما بينها أمورٌ موضوعيّةٌ، تفرِضُها دوافعُ كامنةٌ لها صِلةٌ مباشرةٌ بمقولَتَي الاكتِمالِ النظريّ وعدمِ التناقض. وهذا ما حدث بالفعل بين الهندسة الإقليديّة وجبر الخوارزميّ، وبين طُرُق الاستنفاد – أي بذور الطُرُق التحليليّة – (أودوكس - أرشميدس) والهندسة الإقليديّة، وبين هذه النظريّات كلِّها مُجتمِعةً (في أعمال شرف الدين الطوسيّ).
بين عامَي 813 و 833 أي في عهد المأمون كتب محمّدٌ بنُ موسى الخوارزميّ (787 - 850) في بغداد، مؤلَّفَه الشهير الكتاب المختصر في الجبر والمقابلة. ولأوّل مرةٍ في التاريخ صيغت الكلمةُ "جبر" وظهرت تحت عنوانٍ يُدَلُّ به على علمٍ لم تتأكّد استقلاليتُه بالإسم الّذي خُصّ به فحسب، بل ترسّخ كذلك مع تصوّرٍ لمفرداتٍ تقنيّةٍ جديدةٍ مُعدّةٍ للدلالةِ على الأشياءِ والعمليّات. كان الحدثُ بالغَ الأهميّةِ، وقد اعترف بأهميّته هذه المؤرخون القدماء والمحدثون على السواء، كما لم تخفَ أهميّتُه على رياضيّي تلك الحقبة، إذ لم يتأخّرِ الرياضيّون حتّى أثناء حياة الخوارزميّ، فضلاً عمّن جاء بعده، في شرحِ وتفسير كتابه. وسنكتفي بذكر أسماء بعض من أتوا مباشرةً بعده، ومنهم: عبد الحميد بن ترك، ثابت بن قرّة، الصيداني، سنان بن الفتح، أبو كامل (850-933م.)، أبو الوفاء البوزجاني. ونفهمُ دون عناء أن بين هؤلاء الشارحين من كان ذا مُساهماتٍ أساسيّة في تأسيس علم الجبر. 
إن أهمّ ما يميّز كتاب الخوارزميّ من وجهة النظر المعرفيّة - المنطقيّة يُختصرُ بما يلي:
1- إدخال الخوارزميّ لمفاهيم مجرّدةٍ جديدةٍ: "الجذر" أو "الشيء"؛ المال (مربع الشيء)...
2- إخضاع المفاهيم المجرّدة الّتي أُدخلت لعملياتٍ جبريّة تُعمّم العمليّاتِ الحسابيّةَ المعروفة على المقادير والأعداد.
3- الطرح الشموليُّ لأهداف هذا العلم بشكلٍ عمليّ، عَبْرَ تصنيّف المعادلات الجبريّة من الدرجة الثانية والأولى إلى ستّة أصنافٍ، وإعطاء خوارزميّات الحلول لهذه المعادلات. وبذلك يكون الخوارزميّ قد أعطى نموذجاً رِياضيّا مُبتكراً، لم يذكرْه أحدٌ من سابقيه، ويمتلكُ كلَّ مواصفات النظريّة الرياضيّة من حيث اللّغة الخاصّة وقواعد العلاقات الّتي تربط كائنات هذا النموذج فيما بينها.
ملاحظات عن كتاب الخوارزميّ:
أ‌- بغضِّ النظر عمّا يحتويه كتاب الخوارزميّ من حلولٍ للمعادلات وحساباتٍ وبراهينَ مبتكرةٍ، تتمحور أهميّتُه الكُبرى حول منهجيّته النظريّة الموحّدة، والهادفة إلى حلّ مجموعةٍ ضخمةٍ من المسائل باستخدام هذه المنهجيّة النظريّة. (وهذه هي السِمة الأساسيّة للنظريّات العلميّة، حيث يُفترض بالنظريّة العلميّة أن تفسّر مجموعةً ضخمةً من الظواهر استناداً إلى مجموعةٍ من القوانين النظريّة المترابطة). يقول الخوارزميّ بهذا الصدد: "...توفير كتابٍ موجزٍ للناس يعالجون فيه مسائلهم الحسابيّة ومبادلاتهم التجاريّة، وميراثهم، ومسحَ أراضيهم". فهدفُ الخوارزميّ واضحٌ إذن لم يتصوّرْه أحدٌ من قبله، وهو بناءُ نظريّةٍ للمعادلات الّتي تُحَلُّ بالجذور والّتي يُمكن أن تُرَدَّ إليها مسائلُ الحسابِ والهندسةِ على السواء 
ب‌- أعطى الخوارزميُّ تعليلاتٍ هندسيّةً لحلوله الجبريّة "الخوارزميّة" المتعلّقة بالمعادلات من الدرجة الثانية ثلاثيّة الحدود، تُذَكِّرُنا بالكتاب الثاني لإقليدس. وتمتلك هذه "التعليلات الهندسيّة" أسبابَها ودوافعها المنطقيّة، وهي بالطبع ليست وليدة عفويّةٍ لدى الخوارزميّ في عرض بنائه الرياضيّ. ونستطيع أن نورد الفرضيّات التالية الّتي تصلُح أن تشكّل أسباباً ودوافعَ معقولةً لهذا الأمر:
1- من الـمُمكن أن يكون الخوارزميّ قد رمى من وراء ذلك إلى إظهار واختبار "شرعيّة" تطبيقه العمليّاتِ الحسابيّةَ على الكائناتِ الجبريّةِ المجرّدةِ الـمُدخَلة، مستعيناً بالأساليب الهندسيّةِ الّتي توفّرُ إمكانيّةً جيدةً للتصوّر الملموس. إضافةً إلى احتمالِ قيامه بذلك بُغْيَةَ المقارنة بين الأسلوبَيْن الجبريّ والهندسيّ، وصولاً إلى إظهار أفضليّة الأسلوب الأوّل. 
2- من الـمُمكن أن يكونَ الخوارزميُّ قد أراد "شَرْعَنَةَ" نظريّتِه (أي بلغةٍ حديثةٍ: برهان عدم تناقضها) وذلك عَبْرَ تأويلها هندسيّاً، أي بواسطة نظريّةٍ معروفةٍ آنذاك "لا يُشَكّ بها". وهذا الأمرُ مهمٌّ أيضا لأنّ تعميم العمليّات الجبريّة على مفاهيمَ نظريّةٍ مجرّدةٍ مُدخَلةٍ قد يبدو غيرَ اعتياديٍّ ويُثيرُ الشكوكَ حول خَرْقِ مبادئ المنطق، وفي طليعتها مبدأ الهويّة ومتطلباته.
3- من الـمُمكن أن يكون الخوارزميُّ قد هدف إلى "إظهار" استقلاليّةِ العمليات الجبريّةِ والنتائجِ المترتّبة عليها عن طبيعة الأشياء الّتي ترمز إليها (من أعدادٍ وأطوالٍ ومِساحاتٍ وحجوم)، وبِلُغةٍ أُخْرَى لربّما أراد الخوارزميُّ من خلال ذلك "تجريدَ المفاهيم الجبريّة" عن أصولها الملموسة، الهندسيّة وغيرها. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ عمل عمر الخيّام (1048-1131) نحا في الاتجاه نفسه، عند معالجته لوَحْدَة القياس، ولكنّه ذهب أبعد من ذلك.
ج- من الـمُلفت للنظر، أنّ الخوارزميّ يُدخلُ في لُغَةِ "جبره" مفهومَ "الشيء" و"المال"، علماً بأنّ هذا الأخير يَنْتُجُ عن "الشيء" بتطبيقِ العمليّات الجبريّة (الضرب)؛ ولا يَتَعَدّى الخوارزميُّ بتحديده ذلك، لإدخالِ مفهوم "الكعب" وما يليه من قِوَى أُخرى للمجهول. لا مكان هنا لمناقشة هذه التساؤلات ، ولكن، مهما كان التفسيرُ فإنّه أقلُّ من كافٍ لاعتبار "جبر" الخوارزميّ مجرّد نظريّةٍ على المستوى الحدسيّ، وذلك أن مواصفات هذا الجبر تبقيه، على الرّغم من كلّ شيءٍ، أقربَ بكثير إلى النظريّةِ على المستوى النظريّ الأوّليّ.
2-2 تطوّر الجبر في الشرق العربيّ حتّى الخيّام
جرى هذا التطوُّرُ كما سبق وأشرنا، على محورَيْن رئيسيّيْن: الجبر الحسابيّ و الجبر الهندسيّ. ومن الصعب هنا التوقّفُ عند كلِّ الرياضيّين الّذين اشتغلوا في هذا العلم، ولكنّنا سنحاول التوقّفَ قليلاً عند بعضهم:
نجد عند ابن ترك (القرن التاسع) نوعاً جديداً من البراهين الهندسيّة، وتحليلاً أشملَ لخوارزميّات حلِّ المعادلات من الدرجة الثانية. كما أنّنا نجد عند ثابتٍ بن قرّة (836-901) براهينَ لقواعدِ حلِّ المعادلات الرابعة والخامسة والسادسة، وَفْقَ تصنيف الخوارزميّ، وذلك استناداً إلى قضيّتَي إقليدس الخامسة والسادسة اللّتين وردتا في كتابه الثاني من الأصول. كما أعطى أبو بكرٍ الكرجيُّ (1010) حلولاً لمعادلات من درجات عُليا عَبْرَ ردّها إلى معادلاتٍ من الدرجة الثانية. وقد نال جبرُ المعادلات من الدرجة الثانية تطوّراً ملحوظاً في كتاب أبي كامل (850-930)، كتاب الجبر والمقابلة، حيث يُجري أبو كامل بسهولةٍ وبتقنيّةٍ عاليةٍ تحويلاتٍ مختلفةً على العبارات الجبريّة غيرِ الـمُنْطَقَةِ، وقد خلا كتابُه المذكور من التطبيقات الهندسيّة. وكان أبو كامل قد كرّس لهذه التطبيقات مؤلفاً خاصّاً، تُستعملُ فيه المعادلات الجبريّة من الدرجة الثانية، لحلِّ مسائلَ مختلفةٍ تتعلّقُ بحساب عناصرِ مُخمّس ومُعشّر الأضلاع الـمُنْتَظِمَيْن الـمُحاطَيْن أو الـمُحيطَيْن بدائرة. ونجدُ عند هذا الرياضيّ مثلاً مثيراً للاهتمام، حيث يُخْرَقُ مبدأُ التجانس الكلاسيكيّ، وحيث نرى بوضوحٍ أنّ المفاهيمَ الجبريّة مستمرةٌ بالتحرّر شيئاً فشيئاً من أصولها الهندسيّة، لتصِلَ إلى القمّةِ في ذلك عند الخيّام. ويتمحورُ المَثلُ المذكورُ حولَ حساب ارتفاع مثلّثٍ متساوي الأضلاع، بحيث يكون مجموعُ مساحتِه مع ارتفاعِه مساوياً لعشرة.
المعادلات من الدرجة الثالثة وما فوق
يقول عمر الخيّام في رسالتِه في الجبر والمقابلة: "إنّ أحدَ المعاني التعليميّة الـمُحتاج إليها في جُزءِ الحكمةِ المعروفِ بالرياضيّ هو صناعةُ الجبر والمقابلة، الموضوعةُ لاستخراج المجهولات العدديّةِ والمِساحيَّة، وإنّ فيها أصنافاً يُحتاجُ فيها إلى أصنافٍ من المقدّمات مُعتاصةً جداً، مُتعذِّرٌ حلُّها على اكثر الناظرين فيها. أمّا المتقدّمون فلم يصل إلينا منهم كلامٌ فيها، لَعَلَّهم لم يتفطنّوا لها بعدَ الطلب والنظر أو لم يَضْطََرَّ البحثُ إيّاهم إلى النظر فيها، أو لم يُنقل إلى لساننا كلامُهُم فيها. وأمّا المتأخرّون فقد عَنَّ للماهانيّ منهم تحليلُ المقدمِّةِ الّتي استعملها أرشميدسُ مسلّمةً في الشكل الرابع من المقالة الثانية من كتابه في الكرة والأسطوانةِ – بالجبر، فتأدّى إلى كِعابٍ وأموالٍ وأعدادٍ مُتَعَادلةٍ، فلم يتّفقْ له حلُّها بعدَ أن أفكر فيها مَليّا. فجزم القضاءَ بأنّه مُمتنعٌ، حتّى نَبَغَ أبو جعفر الخازن وحلّها بالقُطوع المخروطيّة، ثم افتقر بعده جماعةٌ من المهندسين إلى عِدّة أصنافٍ منها، فبعضهُم حلَّ البعضَ، وليس لواحدٍ منهم في تعديد أصنافها وتحصيل أنواع كلّ صنفٍ منها والبرهان عليه كلامٌ يُعتَدُّ به، إلا على صنفين سأذكرُهما. وإنّي، لم أزل، كنتُ شديدَ الحرص على تحقيق جميع أصنافها وتمييزِ الـمُمكن من الـمُمْتنع في أنواع كلّ صنفٍ ببراهينَ، لمعرفتي بأنّ الحاجة إليها في مشكلات المسائل ماسّةٌ جدّاً.."
نرى من كلام الخيّام، أن دراسة الماهانيّ (حوالى 880 م.) الجبريّة لمسألة أرشميدس حول قِسمةِ الكُرَة بواسطة مُسْتَوٍ إلى قسمَين مُتناسبَين بالحجوم بقدرٍ معلوم، قد شكّلت نقطةَ انطلاقٍ لدراسة المعادلات التكعيبيّة. ومن المعروف أنّ العلماء العرب لم يكونوا على اطّلاع على حلول هذه المسألة الّتي وردت عند أرشميدس ومن لحِقَه من علماء اليونان. لقد عبّر الماهانيّ عن المسألة (بلغةٍ جديدة، هي لغة الجبر: المعادلات) بمعادلةٍ جبريّة. تمكّن لاحقاً عدّةُ رياضيّين من القرن العاشر، ومنهم الخازن (القرن العاشر) وابن الهيثم ( 965- 1039) من إعطاء تركيبٍ هندسيٍّ للمجهول عَبْرَ تمثيله (بلغة اليوم) كإحداثيّةٍ سينيّةٍ لنقطة التقاء قَطعَيْن مخروطيَّيْن مُنتقَيَيْن بشكلٍ ملائم. ومعروفٌ الآن، أنّ هذه الطريقة تعودُ إلى التقليد اليونانيّ (لقد استُعملت على وجه المثل من قِبل أدوكس في مسألة إضعاف المكعّب). وفي القرن العاشر، ووفق ما ورد عند الخيّام، قد جرى التعبيرُ بمعادلاتٍ من درجاتٍ مرتفعةٍ عن عددٍ من مسائل الهندسة، والفيزياء، وعلم المثلّثات. ومن هذه المسائل مثلا: ً(1) مسألة تركيب قِطعةٍ كُرويّةٍ حيث يكون حجمُها أو مِساحتُها الكرويّةُ معلومين؛ (2) مسألة إثلاث الزاوية؛ (3) مسائل تركيب أضلاع مُخمّس ومُسبّع الأضلاع المنتظمَيْن… وتؤدّي كلُّ هذه المسائل، عند استعمالنا "لغةَ الخوارزميّ الجبريّة"، إلى ظهور معادلاتٍ من الدرجةِ الثالثة. وقد ظهرت معادلاتُ الدرجة الرابعة لأوّل مرةٍ في التاريخ في كتاب المناظر لابن الهيثم، فقد أدّت إلى ذلك محاولةُ ابنِ الهيثم تحديدَ مكانِ انعكاس نقطةٍ مضيئةٍ على مرآة أسطوانيّةِ الشكل، بحيث يكون موضِعا العينِ والنقطةِ المضيئةِ معلومَيْن. وقد حلّ ابنُ الهيثم هذه المعادلةَ بتقاطعِ قَطْعٍ زائدٍ ودائرة.
لقد بلغت النجاحاتُ الـمُحقّقةُ في مجال المعادلات التكعيبيّة حدّاً كبيراً. وقد فتحت هذه التراكماتُ من المعلوماتِ البابَ أمام إمكانيّة بناء نظريّةٍ مُعمِّمةٍ للنتائج الملموسة. وهذا ما قام به بالفعل عمر الخيّام.
2-3 المعادلات عند الخيّام (1048-1131) وخلفائه
لقد ظهر "الجبر" كعلمٍ مستقلٍ لأوّل مرّة عند الخيّام في رسالته الجبر والمقابلة، حيث يستعملُ الخيّامُ تعبيرَي "جبر" و"جبريّون" وكان قد سبقه إلى ذلك ثابتٌ بنُ قرّة (836-901). يُعْلِنُ الخيّامُ أنّ الجبر علمٌ يرمي إلى إيجاد القيمة المجهولة أو العدد المجهول المتعلّق بأعداد أو قِيم معلومة. وهو يكتب بهذا الصدد: "إنّ صناعة الجبر والمقابلة صناعةٌ علميّةٌ، موضوعُها العددُ الـمُطلقُ والمقاديرُ الممسوحةُ من حيثُ هي مجهولةٌ ومضافةٌ إلى شيءٍ معلومٍ به يُمكنُ استخراجُها، وذلك الشيءُ إما كميّةٌ وإما نسبةٌ، على وجهٍ لا يشاركُها فيه غيرُها ويَدُلُّك عليه تصفُّحُها". وتتمثّل العلاقةُ القائمةُ هنا بمعادلةٍ، أي بمساواةٍ بين مختلف قِوى المجهول. يَعتبرُ الخيّامُ وَفْقَ ذلك إذن الجبرَ عِلْمَ المعادلات الّذي نسمّيه اليوم "المعادلات الجبريّة". لم تُؤدّ بحوثُ الخيّام حول إيجاد الحلول العدديّة لمعادلات الدرجة الثالثة إلى نتيجة، ولكنّه أمِلَ أن يتحقّقَ ذلك بعده، فقد كتب: "أما البرهان على هذه الأصناف – إذا كان موضوعُ المسألة عدداً مطلقاً – فلا يُمكننا ولا لواحدٍ من أصحاب الصناعة، ولعلَّ غيرَنا ممّن يأتي بعدنا يعرفه، إلا في الثلاث المراتب الأولى وهي العدد والشيء والمال". وهذا ما تحقّق بالفعل على يد الرياضيين الإيطالييّن في بداية القرن السادس عشر. يُعلن الخيّامُ في الجبر والمقابلة عن طريقةٍ عامّة لتركيب الجذور، ترتكز على تقاطع القطوع المخروطيّة، حيث تُعطي الإحداثيّةُ الأفقيّةُ لِنقاط الالتقاء جذورَ المعادلات. ويُعطي الخيّامُ تصنيفاً لمعادلات الدرجة الثالثة مُكَوَّناً من أربعة عشر صنفاً، فضلاً عن الأصناف الّتي هي دون الدرجة الثالثة أو القابلة للردّ إلى معادلاتِ ما دون الدرجة الثالثة. يرتكزُ تصنيفُ الخيّام على معاملات المعادلات وتوزيع القِوى الجبريّة للمجهول في طرَفَي المعادلة. ويعيّن الخيّامُ في رسالته، لكلِّ صنفٍ من الأصناف المذكورة نوعَ القطوعِ المخروطيّة الملائمة والـمُكوَّنة من: القُطوع المخروطيّة الناقصة؛ القُطوع المخروطيّة الزائدة المتساوية الأضلاع؛ والدوائر. ومن ثَمّ يحدّدُ عددَ الجذور المعقولة وحدودَ الجذور الإيجابيّة الـمُمكنة.
لقد أدخل الخيّامُ مفهومَ وَحْدَةِ القياس بهدف حلِّ مسألة التجانس الّذي تفرضُه الأصولُ الهندسيّة للمقادير الهندسيّة. ويمثّلُ هذا الأمرُ خُطوةً مهمّةً على طريق تحرير المفاهيم الجبريّة من أصولها المحسوسة. فوفق ما يذكرُه كريستيان هوزيل، لقد استعان شرف الدين الطوسيّ بفكرةٍ مهمّةٍ من أفكار الخيّام: فقد أدخل الخيّامُ وَحْدَةَ قياسٍ خطيّةً (للأطوال) ووَحْدَةً ثانيةً للمساحات وأُخْرَى للحجوم، بحيث نستطيع تمثيلَ أيَّ عددٍ كطولٍ أو مساحةٍ (عَبْرَ مستطيلٍ قائمِ الزاوية، طوله مساوٍ للطول السابق الذكر وارتفاعُه مساوٍ للوَحْدَة الخطيّة) أو كحجمٍ (عَبْرَ متوازي سطوحٍ قائمِ الزوايا، طولُه مساوٍ للطول السابق وقاعدتُه مساويةٌ لوَحْدَة المساحة). وهكذا تصبحُ المعادلاتُ الّتي تحتوي على عددٍ ومجهولٍ ومُربّعِ ومُكعّبِ هذا المجهولِ مُتَجانِسَةً، معبِّرةً عن علاقةٍ بين حجومٍ. ومن الواضح أنّ هذا التجانسَ ضروريٌّ في هذا السياق الهندسيّ الرياضيّ…، ولقد قام بالخطوة اللاّحقة ديكارت (1596 – 1650)، حيث اكتفى بإدخاله وَحْدَةَ قياسٍ خطيّةً، مُعلّلاً ذلك بتأويله نتيجةَ الضربِ كطولٍ وليس كبناءٍ لمستطيلٍ قائمِ الزوايا.
وبذلك فقد انتهى الخيّامُ في رسالته إلى فئتين من النتائج الهامّة في تاريخ الجبر، غالباً ما تُنسب إجحافاً إلى ديكارت؛ أما الفئةُ الأولى فتتعلّق بالحلّ العام لكلّ معادلات الدرجة الثالثة، عَبْرَ تقاطُع قطعَيْن مخروطييّن؛ وأما الفئةُ الثانية فتتعلّقُ بالتأويل الهندسيّ الّذي أصبح مُمكناً نتيجةَ إدخال "وَحْدَة" قياسٍ في كلّ بُعدٍ من الأبعاد الثلاثة: الطول والسطح والجسم. ويقول رُشْدي راشِد، مختصراً ما قام به الخيّامُ في هذا المجال: "لم يتصوّر الخيّامُ أو يقترح مشروعاً جديداً فحسب، إنّما قام بإنشاء نموذجٍ للكتابة يلائم هذا المشروع. إنّه يبدأ بمناقشة مفهوم العِظَمِ وصولاً إلى تعريف وَحْدَةِ القياس؛ ومن ثمّ يقدّمُ تصنيفَه الخاصَّ للمعادلات ويطرح المقدِّمات الضروريّة، لكي يعالجَ أخيراً بالترتيب، وبحسب تصاعُدِ درجات الصعوبة: معادلات الدرجة الثانية ذوات الحدّين، ومعادلات الدرجة الثانية ثلاثيّةَ الحدود، ومعادلات الدرجة الثالثة ثلاثيّةَ الحدود، ومعادلات الدرجة الثالثة رباعيّةَ الحدود، والمعادلات المتعلّقة بعكس المجهول. في رسالته هذه، توصّل الخيّام إلى نتيجتين ملحوظتين:
- حلّ عامّ لـمُجمل معادلات الدرجة الثالثة بواسطة تقاطع قطعَيْن مخروطيَّيْن.
- حسابات هندسيّة أصبحت مُمكنة عن طريق انتقاء وَحْدَة قياسٍ للأطوال.
ويجدر أن نسجّل أنّ الخيّام لم يتوقّفْ عند هذا الحدّ، بل حاول إعطاءَ حلٍّ عدديٍّ تقريـبيٍّ للمعادلة التكعيبيّة. ففي رسالته حول قسمة ربع الدائرة مثلاً، حيث أعلن عن مشروعه للمرّة الأولى، توصّل إلى حلٍّ عدديّ تقريـبيّ عن طريق جداول علم المثلّثات. هكذا إذن، في القرن الحادي عشر، بدأت العلاقات بين الجبر والهندسة، وبدأ تشكّلُ فصلٍ جديد كُرّس حتى القرن الثامن عشر لبناء المعادلات، كما بدأت أولى الكتابات الّتي خُصِّصت، وبشكل كليٍّ، لنظريّة المعادلات الجبريّة".
لقد نُشرت رسالة الخيّام حول المعادلات، لأوّل مرّةٍ بواسطة المؤرِّخ المعروف ويبكيه سنة 1851، وبقيت دراسةُ ويبكيه المصدرَ الوحيدَ حول هذا التيّار الرياضيّ الّذي دمجَ ما بين علمَيْ الجبر والهندسة. وذلك حتّى فترةٍ قصيرة، حيث صدرت دراساتُ رُشْدي راشِد عن أعمال شرف الدين الطوسيّ الرياضيّة ومؤلَّفاته. وقد اعتبر أغلبُ المؤرخين، قبل ذلك، أنّ إسهامَ العلماءِ العربِ في مجال نظريّة المعادلات لم يتعدَّ نتائجَ رسالةِ الخيّام بكثير، وبالتالي فهذه النتائج لا تملك بُعداً تاريخيّا في التقليد العربيّ. ولا ريب في أنّ هذا الأمر مناقضٌ لمبدأ الاستمراريّة التاريخيّة. ويُشير رُشْدي راشِد بهذا الإطار إلى ما يعني، أنّه عند هذا الحدّ قد توقّفت ومنذ القرن الماضي المعلوماتُ التاريخيّة بهذا الخصوص؛ ففي نظر المؤرّخين شكّلت مساهمةُ الخيّامِ آخرَ ما قدّمه الرياضيّون العرب في هذا الموضوع. وأخذاً بهذه الاعتبارات، لا بدّ من أن يبدوَ عَمَلُ الخيّامِ مثيراً للاستغراب: فهو بدايةٌ ونهايةٌ في الوقت نفسه. فهذا التعبير النظريّ الأوّل عن مسألة البناء الهندسيّ للمعادلات الجبريّة يظهرُ وكأنّه لم يُتابَع جديّاً، على الأقلّ من جانبِ الرياضيّين العرب. وعلى هذا الأساس، يظهرُ الخيّامُ عبقريّاً معزولاً في الزمان، ذلك لأنّ عملَه يبدو بغيرِ بُعدٍ تاريخيّ أو أفقٍ مستفبليّ. وتشير الشهادات التاريخيّة إلى أنّ شرف الدين المسعوديّ وهو تلميذٌ للخيّام قد وضع كتاباً يتناول فيه نظريّة المعادلات وحلول المعادلات التكعيبيّة. ولكنّ هذا الكتاب لم يصل إلينا ولا يُمكن الجزم بوجوده . لقد أدّت دراساتُ رُشْدي راشِد حول أعمال شرف الدين الطوسيّ الجبريّة إلى دحض الآراء القائلة بأنّ إسهام العلماء العرب في مجال نظريّة المعادلات لم يتعدَّ نتائجَ رسالةِ الخيّام بكثير. فقد بيّن رُشْدي راشِد بالملموس أنّ شرف الدين الطوسيّ كان خَلَفاً للخيّام في نظريّة المعادلات، تابَعَ تحليلاتِه وطوَّر نظريّتَه وأدخل عليها تعديلاتٍ تقنيّةً ونظريّةً عميقة، جعلت ما توصّل إليه – على المدى التاريخيّ المعروف حاليّاً – أهمَّ أعمالٍ جبريّةٍ أبصرت النورَ بين الخيّام وديكارت (رسالة حول المعادلات).
2-4 المعادلات عند الطوسيّ (تقريباً: 1135-1213) وخلفائه
بعد وفاة الخيّامِ بأربعين عاماً تقريباً (حوالى عام 1171)، وضع شرفُ الدين الطوسيُّ رسالتَه حول "المعادلات"، وقد أتت هذه الرسالةُ بتجديداتٍ هامّةٍ على عمل الخيّام في هذا المجال. فقد اختلفت تقنيّةُ الطوسيِّ في معالجته للمسألة عن تلك الّتي استخدمها الخيّامُ والّتي كانت ذات سِمةٍ شموليّة (d’aspect global)، فأصبحت التقنيّةُ عند شرف الدين الطوسيِّ محليّةً (d’aspect local). وقد تخطّت التقنيّات الرياضيّةُ التي يستخدمها الطوسيِّ في "معادلاته" الأُطرَ الجبريّةَ-الهندسيّةَ، عبر إدخالِه وسائلَ تحليليّة لم تُعتَمَد سابقاً. وقد كان لتبنّي هذه الطُرُقِ التحليليّةِ عِلاقةٌ مباشرةٌ بالمنحى المحليِّ الّذي اتّبعه الطوسيُّ والّذي فرضته مسألةُ وجودِ جذورٍ للمعادلات. جعلَ هذا الاتجاهُ الطوسيَّ يربطُ بين الجبر والهندسة من جهة والتحليل الرياضيّ من جهة أُخْرَى، وصولاً إلى استعماله خصائصَ استمراريّة الدالّة والتَحَدُّبِ والتَقَعُّرِ ومفهومَيِ النقطةِ الداخليّة والنقطة الخارجيّة. وقد دفعت مسألةُ الجذورُ المستحيلةُ (أي حيث لا توجدُ جذورٌ موجِبةٌ للمعادلة) الطوسيَّ إلى تطويرِ منهجِه التحليليِّ ودراسةِ النهايات القُصوى للعبارات الجبريّة، مستعملاً في ذلك أساليبَ مشابهةً لتلك الّتي استعملها لاحقاً بيير فيرما (1601-1665) في القرن السابع عشر، والمرتكزةَ على شَقِّ العبارات الجبريّة. وقد ارتكز الطوسيُّ على طريقةٍ معروفةٍ من القرنِ الحادي عشر لحساب الجذور الميمية، وعمّمها في حساباتِه التقريـبيّة لجذورِ المعادلات التكعيبيّة؛ وتمثّلُ هذه الطريقةُ نوعاً من الطُرُق الحسابيّة العدديّة المنسوبة لهورنير-روفيني (روفيني: 1765-1822). وقد أشار كريستيان هوزيل الى استعمال الطوسيِّ في مقارباته العدديّة طريقةً، نُسِبَت لاحقا إلى نيوتن (1643-1727) في الحساب التقريـبيّ لجذور المعادلات. ونرى إذن أنّ نظريّةَ المعادلات الّتي وُضعت بذورُها في جبر الخوارزميّ، واستقلّت في رسائل الخيّام الجبريّة، لم تعُدْ تقتصر على بابٍ من أبواب الجبر، بل أضحت مجالاً أوسعَ من ذلك بكثير. فقد أصبحت عند الطوسيِّ علماً يتناول الدراسةَ الهندسيّةَ للمعادلات بواسطةِ القطوع المخروطيّة، وحلَّها العدديَّ، مروراً بالدراسة المحليّة للمنحنيات المترتّبة على ذلك، والنهايات القصوى لدوالّ حدوديّة من الدرجة الثالثة، حيث تُشقُّ العباراتُ الجبريّة، ويُحسمُ أمرُ وجود النهايات القصوى استناداً إلى تعبير الـمُشتق. 
لقد أرسى الخوارزميُّ أسُسَ المدرسة الّتي انتمى إليها الجبريّون العرب، وكانت الأساسَ التاريخيَّ النظريَّ الأوّلَ الّذي تفرّعت منه - بحكم الاستمراريّة التاريخيّة - مدارسُ لاحقةٌ في علم الجبر، ومنها مدرسةُ الخيّام في المعادلات الجبريّة الّتي بلغت ذروةَ تطوّرها – كما تؤكّدُه المخطوطات المتوفّرة المعروفة - عند شرف الدين الطوسيِّ الّذي مهّد الطريقَ لمن أتى من بعده، وقام بعمل يُمكن بحقٍّ وصفُه بالعمل الجبّار حيث أنّه تمكّن، في ظلّ غياب لغةٍ رمزيّةٍ مُلائمةٍ أن يَحُلَّ مسائلَ غايةً في التعقيد والأهميّة. وبالفعل، تؤكّد أعمال الطوسيِّ في مجال المعادلات أنّ اللُّغةَ الطبيعيّةَ الـمُستعملةَ في هذه المسائل، قد أصبحت عائقاً أمام التطوّر اللاّحق للرِياضيّات عموماً، وكذلك أمام إمكانيّة انتشار هذه المعارف. وهذا الأمر سيؤدّي حتماً إلى نقضٍ لهذه اللّغة في مجال الرِياضيّات، وإلى استبدالها بلغةٍ أكثرَ ملاءمةً. وجديرٌ بالذكر أنّنا نستطيع أن نجد في عمل الطوسيِّ هذا الكثيرَ من النتائج الّتي تُنسب حتى الآن إلى رياضيّي القرن السابع عشر، ومنها بعض فصول الهندسة التحليليّة، ومنهج هورنر-روفيني، ومشتقّ كثيرات الحدود واستعماله في إيجاد النهاية القصوى.

(فريق الدراسة والبحث في التراث العلميّ العربيّ، 
الجامعة اللبنانيّة والمجلس الوطنيّ للبحوث العلميّة-لبنان)
لبنان – طرابلس، القبّة، شارع الأرز، كليّة الهندسة

houjairi@hotmail.com
الحزء السابع من مقالة الدكتور محمد الحجيري "كان أبي، بين الحنين وصادق القول"

قبيل نزوحها إلى حزام البؤس الذي يلفّ العاصمة بيروت، وتحديدا في بدايات العقد السابع من القرن الماضي، كانت عائلة يوسف تقيم في وسط البلدة في بيت ترابيّ مكونٍ من أربع غرف واسعة فضلا عن غرفة "مونة"، كما  كانت إحدى الغرف الأربع منفصلةً، وقد أضيفت إلى المنزل سنة 1959، وهي تتاخم غرفة "المونة" وتُفضي عبر بابٍ إلى زقاق للراجلين يسمّى "زقاق بكر" أو "زقاق السبعة أكواع"، وكانت هذه الغرفة واسعة وتُستخدم لتخزين الحطب والشيح والوقود عموماً، فضلا عن عدّة الفلاحة: الصند والنير والسكة والخوابير والمسّاس الخ. وكانت تستخدم أيضا لإيواء الأخضر (هكذا كانت عائلة يوسف تسمّي حمارَها الصبور الهادئ)، والخروفين الموسميّين اللذين اعتادت العائلة على شرائهما وإعلافهما جيدا عدة أشهر ليتحولا أولاً إلى كبشين ولاحقا إلى قوارمة تملأ أربع خوابٍ فخارية ضخمة، تكفي العائلة على مدار السنة، وتغنيها عن شراء اللحوم إلا إذا كانت الغاية من ذلك إعداد شواء، وهذا غالبا ما يحدث في الأعياد أو لدى استقبال الضيوف. كان يوسف قد أسس لنفسه تجارة متواضعة يعتاش منها، فمردود زراعة الغلال لا يمكن أن يفي بحاجات العائلة لسببين: أولاً لا يمتلك يوسف ما يكفي من أرض لزراعة الحبوب، فالأرض التي يمتلكها متواضعة ولا تكفي حتى لتأمين مؤونة العائلة من دقيق وبرغل وسوى ذلك، ثانيا، إن اجتياح سوق الغلال المحلية بالقمح التجاري الرخيص المستورد من أميركا وأسترالية وغيرهما قد شلّ حركة إنتاج الغلال المحلية، ذلك أن كلفة إنتاج هذه الغلال قد قارب مردودها بسبب تدنّي الأسعار فجنحت عملية الإنتاج تلك نحو التوقف النهائي ممثِّلةً بذلك ضربةً مميتة لهذا القطاع الأنتاجي المحلي ولمن يعتاش منه.
كانت تجارة يوسف تُختصر بمجرّد دكان تباع فيها حاجيات وأشياء الفلاحين والرعاة من أغذية محفوظة وزيوت ومواد تنظيف وألبسةٍ وعِدَد وتبغٍ وتنباك. ومُختصراَ أفضلُ ما يمكن أن نصف به تجارة يوسف هو أن نسميها "دكان لبيع كل السلع التي قد تخطر على بال المشتري العرسالي حينذاك".  وقد كان يوسف يحبّ القانون فسعى رغم الكلفة الباهظة إلى قوننة كل ما له علاقة بعمله.
لنعد بالزمن إلى ما قبل ذلك، إنّه العام 1949 في صبيحة يوم بارد ولكن مشمس من كانون الأصم يدخل يوسف بلَوعةٍ وحزنٍ واضحين إلى الغرفة الكبيرة من البيت ومعه صديق له، فيحمل جثمان طفله الذي كفنه ووضعه على السرير منذ قليل، ويخرج من البيت الذي علا فيه النحيب، وينطلق بهدوء باتجاه  مقبرة البلدة ليواري طفله محمود في الثرى بالقرب من جدته فاطمة وأخويه اللذين سبقاه، لقد أبكر محمود الفراق خلافا لأخويه السابقين فهو لم ينهِ الشهر السادس. غصّة الأهل عند فقدانهم أولادهم مؤلمة لا يعرف مدى ألمها إلا من خاض التجربة. لدى مرور الجنازة، وعلى مدى الطريق الممتدة من منزل يوسف حتى المقبرة، أقفلت المحال أبوابها لدقائق احتراما للموت، وتوافد الناس من كل الجهات للمؤاجرة في جنازة الطفل محمود. كان أهل الخير قد أعدّوا اللّحدَ فوُضع الجثمان قرب القبر وبدأ يوسفُ بالصلاة على طفله فتنادى الناس الذين كانوا ينتظرون حضور الشيخ إلى مشاركته الصلاة على الطفل محمود، وأنهى الأب المكلوم الصلاة على جثمان طفله وقال:"يا بني، أنا والدك والله هو خالقك ومبدعك، وليس لي أن أحتج على قضائه وقدره ولكنني أودّ أن أقول لك إنّي وأمّك نحبك كثيرا يا طفلي ويصعب علينا ويؤلمنا فراقك كما آلمنا فراق أخويك من قبلك، فحسبنا الله ونعم الوكيل". أنزلوا جثمان الطفل في اللّحد الصغير ووضعوا فوقه بلاطة لتفصل بينه وبين التراب الذي سيضعونه على القبر. نثر يوسف قبضة تراب فوق قبر ولده ودموعه تغلبه، ومن ثم عاد أدراجه إلى منزله حزينا مكسور القلب على أطفاله الذكور الذين كان محمود ثالثهما. واكب الأبَ المسكين بعضُ أقربائه وأصدقائه، حيث بدأوا يعدّون العدّة لاستقبال المعزين.


انتهى اليوم الثالث للعزاء وتغلب يوسف على عواطفه ففتح دكانه وأمضى يوم عملٍ في غاية الصعوبة فما كان ليغيب عن باله كيف كان طفله يمسك باصبعه ولا يتركها وكيف كان يتشبث بشعره عندما يقترب برأسه منه.. كان الطقس مثلجا عاصفا وباردا جدا فأغلق دكانه وعاد باكرا الى البيت، كان يشعر أن عليه أن يواسي قليلا زوجته وطفلتيه. كان الثلج يتساقط والعاصفة مستمرة عندما جلس يوسف وزوجته وابنتاه الصغيرتان قرب الموقد، وفجأة سأل الأب: هل تسمعن طرقا على باب الدار؟ فقالت الطفلة الكبرى: لعله الضبع، فاسكتتها أمها وقالت: لا أسمع طرقا ربما هذا صوت العاصفة. خرج الأب بعد أن وضع معطفه على كتفيه ليعود بعد ثوانٍ بصحبة صديقه "أبو علي" وزوجته أم علي. وبادر أبو علي سيدة البيت بالقول: أعذرونا يا جماعة، المصاب مشتركٌ، لقد كنا خارج البلدة وقد تأثرنا كثيرا لوفاة الملاك الصغير محمود  فصبرّكم الله وألهمكم السلوان. جلس أبو علي قرب الموقد متربعا وأخرج علبة التبغ وبدأ بلف سيجارة، في هذه الأثناء اصطحبت الأم الفتاتين إلى غرفة النوم وقالت للكبرى ألم أقل لك إنه لا وجود للضبع هيا ناما. ثمّ عادت لتجلس مع صديقتها أم علي، التي بادرتها بالقول الناس لا تؤمن، إنّها التابعة لا أحد سواها فنظر إليها زوجها بملامة وقال كفانا خرافات هذا كلام بعيد عن العقل، لا وجود للغيلان ولا للتابعة. وأخرج من كيس قماشي كان يتأبطه كتابا وناوله ليوسف وقال له هذه هدية اشتريتها لك من دمشق. فتصفح يوسف الكتاب وقال كتاب الأبشيهي "المستطرف في كل فن مستظرف" كتاب رائع كان لدي نسخة منه استعارها احدهم مني ولم يرجعها اشكرك أخ ابو علي، ما هي أخبار الدنيا فنحن هنا مبعدون ومنقطعون عن أخبار العالم.

فقال ابو علي لقد انتهت الحرب الكونية منذ أربع سنوات ولكن بذور الحروب المستقبلية قد بُذرت فور انتهاء الحرب المشؤومة وربّما قبل ذلك، ويبدو أن الحرب بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والصين والاتحاد السوفييتي والشعب الكوري من جهة ثانية على وشك النشوب في كوريا. ويبدو أن هذه الحرب ستكون مدمرة وتهدد الوجود البشري لأنها ستكون حرب نووية تستعمل فيها أسلحة دمار شامل كتلك التي استعملت تعسفا وانتقاماً وبلا لزومٍ ضد مدنيي الشعب الياباني على الرغم من هزيمة الطغمة العسكرية اليابانية آنذاك. فقتلت مئات الألوف ولا زالت تقتل. فقال يوسف وهل ستُعَبّأ أعدادٌ كبيرة من الجنود؟ فقال أبو علي بالطبع، عشرات الملايين وربما أكثر ممّا عُبّئ في الحربين الكونيتين مأخوذتين معاً. صفن يوسف وذهب بخياله بعيدا.

تداول الرجلان والسيدتان الأحاديث المختلفة  حتى ساعة متأخرة من الليل قبل أن يغادر أبو علي وزوجته إلى منزلهما.

وفي صبيحة اليوم الثاني كانت النبوءة، حيث عمد يوسف إلى نصح الغنّامة  والرعاة بألا يبيعوا مواسمهم من الصوف لأنّ الأسعار سستتضاعف، وانتشر الخبر كالنار في الهشيم. والذي حدث، للعجب العجاب، هو أنّ من استسخف الكلام وباع صوفه ندم، ومن التزم بالنصيحة أفلح وربح، ذلك أنّ نشوب الحرب الكورية ترافق مع أزمة عُرفت ب‍ "أزمة الصوف" ازداد خلالها الطلب على الصوف ممّا أدّى إلى ارتفاع جنوني في اسعاره.


(*) باحث في الجامعة اللبنانية، كلية الهندسة الفرع الاول له عدة مؤلفات منشورة وغير منشورة.
الحلقة السادسة من مقالة الدكتور محمد الحجيري "كان أبي، بين الحنين وصادق القول"



من عرف وسط بيروت قبل أن تدمر الحرب المجنونة ملامحها، يشدّه الحنين إلى أمكنةٍ مختلفةٍ في هذا الوسطِ الذي لا يرى عاشق الذكرى الصادقة فيه، على الرغم من كلّ الجراحة التجميلية، غير جرحٍ عميقٍ سينزف أبد الدهر في قلب تاريخ هذه المدينة المظلومة. وثمة بقعة من تلك الأمكنة تحتل في ذاكرتي مكانا خاصاً. سادتي القراء، فلنعد بالزمن قليلا، ها أنا وأبي نصل إلى ساحة مبنى العازارية في وسط بيروت الساعة السادسة والنصف صباحا من ذلك اليوم الذي كان أوّل خميس من شهر تشرين سنة 1966. لقد قرر والدي لأسباب أجهلها  أن يدعني أهتم بشراء كتبي وكتب أخي عمر بنفسي. ولذلك استيقظنا باكرا جدا فألبستني والدتي البذة الكحلية وأطعمتني  ومشطت شعري. خرجنا ووالدي سريعا وذلك كسبا للوقت وليتسنّى لأبي الوصولُ إلى عمله في الوقت المحدد، بعد إيصالي إلى حيث أستطيع القيام بالمهمة المطلوبة، أي إلى منطقة المكتبات والكتب: العازارية. لقد سرنا مسافة طويلة من منزلنا إلى موقف الحافلات حيث نقلتنا إحداها إلى محلة تمثال بشارة الخوري ومن هنالك تابعنا الرحلة مشياً حتى مبنى العازارية، عند وصولنا قال لي أبي: كن حريصا يا بني ولا تبتعد، ابق هنا وإذا حدث أي شيء أذهب إلى الحارس محمود الذي كان أبي يعرفه، فقد ساعد والده في الدخول إلى المستشفى. وتابع أبي: ها هي لائحة الكتب، والأسعار، وهذا قلم وهذه حقيبة الكتب، وإذا كان ثمة إمكانية للتبادل فهو أفضل من البيع والشراء، فقلت: حسنا يا أبي. تابع والدي: سأطلب إذنا من المدير وسأكون هنا حوالى الحادية عشرة لأصطحبك معي إلى عملي. كان الوقت باكرا ولم يكن التلامذة وذووهم من الساعين إلى مقايضة الكتب قد بدأوا بالتوافد بعد. جلست على حقيبتي وبدأت استعرض الأحداث الماضية تمريرا للوقت. تُرى هل ما زالت معلمتي الآنسة أندريه تعمل في مدرسة الأستاذ شهوان، أنا مشتاق لها كثيرا لقد كانت لطيفة معي كثيرا ولن أنسى كيف اصطحبتني في رحلات المدرسة كلها مجانا على حسابها الشخصي دون علم والدي الذي اعتقد أن المدرسة تتولى
موضوع تلك الكلفة، ومن ثم تذكرت الرسالة التي حمّلتني اياها إلى والدي تسأله فيها إذا ما كان يسمح لي بمرافقة زملائي إلى الكنيسة، كما تذكرت الكلام الذي  لقنني اياه ابي: "الكنيسة والجامع هما من بيوت الله ولا يجوز لمؤمن أن يمنع ابنه من الذهاب إلى بيت الله. ربما اختلفت الأديان ولكن الخالق واحد". كانت الرحلة الى الكنيسة شيقة ولكن حتى الآن لا أفهم لماذا وضعوا لنا على جُبُنِنا إشارة تشبه الزائد من الرماد، وماذا تعني كلمة ترميد. يجب أن أسـأل أبي. ولكنه غضب في المرة السابقة عندما سألته إذا كان الله واحدا فلماذا الإكثار من الاديان. ولكن الأكيد عندما أكبر سوف أجد معلمتي أندريه وأرد لها ما دفعته عني في رحلات جعيتا والأرز وبعلبك. اعتقد أنّ أبي قد أخطأ عندما تسرع بتغيير المدرسة بسبب الأقساط. لا أدري لماذا هو عنيد ولماذا لم يعاود ملاقاة المدير بعد أن استلم الرسالة عن طريق أم أحمد التي أكّدت لوالدتي أنني في حال رجوعي  سوف يعفيني الأستاذ جوزيف من كل الأقساط ...  وكانت الساحة قد بدأت تعج بالتلامذة وأهاليهم وعدت إلى نفسي وواقعي، إلى موسم شراء ومبيع الكتب والتبادل الحر الذي  يوفّر على العائلات الفقيرة مبالغ طائلة. فكرت للحظة ماذا سأفعل، وفق ما علمني أبي ينبغي البدء بترتيب الأشياء، فلنفعل إذن ولنستعرض ما لدينا وما هو المطلوب منا: النقطة الأولى: لقد تركني والدي في ساحة العازارية لأقوم بمهمة بيع كتبي
وكتب أخي القديمة وهي للصفين الأول والثالث ومن ثم شراء بدائل عنها للصفين الثاتي والرابع. النقطة الثانية: وهذه هي المرة الأولى التي أتولى فيها هكذا مهمة. النقطة الثالثة: الشنطة ثقيلة ولا يمكنني عرض الكتب على الأرض فهذا ممنوع كما أخبرنا محمود الحارس. فما العمل؟ لم أطلِ التفكير كثيرا، أخذت ورقة من دفتر وجدته لحسن الحظ في الحقيبة وكتبت بخط كبير: عندي كتب الصف الأول والثالث وأبحث عن كتب الصف الثاني والرابع. وضعت حقيبتي في مكان مرئي ولا يعيق حركة المارة وجلست عليها رافعا الإعلان الذي كتبته. كان أغلب المارة يبتسمون عند مرورهم بقربي لا أدري لماذا ولكنني لم أهتم بذلك كثيرا وقلت في بالي عندما يبتسمون يكون الوضع بالطبع أفضل مما قد يكون في حال عبوسهم. بعد حوالى  نصف ساعة من رفعي للإعلان اقترب مني رجل مفتول العضلات كهرقل، أسمر اللون من الواضح أنّه يعمل في فضاء مكشوف تحت الشمس، وقال لي: مرحبا أيها الشاب الصغير، لقد قيل لي إنّ معك كتب للصف الأول فأجبته، مرحبا أيها السيّد، نعم لقد صدق من قال لك ذلك، فسألني هل تحسن القراءة فأجبته ببلى، فأعطاني لائحة وقال هل هذه هي الكتب التي معك؟ تأملتها فوجدت اللائحة ناقصة، فأخبرته، أنّ ثمة كتاب غير مذكور فيها، فابتسم وقال صحيح، لقد قيل لي، هو كتاب اللغة الفرنسية الذي لم تتخذ الإدارة قرارا بشأنه. فسألني هل تريد بيع كتب الصف الأول فأجبته: نعم، ولكنني أفضل المقايضة على كتب الصف الثاتي أو الرابع إذا توفرت لديك مع الاستعداد لدفع الفارق المترتب على ذلك. فسألني الرجل أيها الشاب الصغير كم لك من العمر
فقلت له عشر سنوات. ماذا تعني المقايضة مع الاستعداد لدفع الفارق المترتب وكيف يجري الحساب. كنت قد استنتجت أنّ الرجل أمّي لا يقرأ، فأجبته أمّا المقايضة فتعني تبادل ما بحوزتينا من كتب أمّا دفع الفارق فيتطلب احتسابه أولاً، وهذا يعني حساب ثمن المجموعتين من الكتب على اساس أنّ قيمة الكتاب القديم تعدل نصفَ قيمته جديداً، ويصار بعد ذلك إلى حساب الفرق بين ثمني المجموعتين ويقسم الفارق المذكور على اثنين فيكون الحاصل هو ما يترتّب على صاحب المجموعة الأرخص ثمنا لصاحب المجموعة الآخرى. نظر الرجل إلي بغرابة وقال لي من علمك الحساب فقلت أي حساب تعني فقال الحساب الذي سردته عليّ الآن فقلت لا أحد، وفي هذه القضية لا يُحتاج لدراسة ولا لتعلّم فالأمور واضحة. فقال الرجل، سبحان الحي الذي لا يموت، حفظك العليم الخبير لوالديك يا فتى. صمت الرجل قليلا وقال هل باستطاعتي أن اعاين الكتب فبدأت بإخراجها كتابا وتأكد من حسن حالها، وسألني بكم ستبيعها؟ فقلت مستفسرا هل ستأخذها كلها أم ستستثني كتاب اللغة الأجنبية منها فصفن قليلا وقال: لا بل كلها. فقلت له السعر سبعٌ وعشرون ليرة وخمسةٌ وستون قرشا. فقال وما ضِعف هذا الرقم قلت خمسٌ وخمسون ليرة وثلاثون قرشا. فسحب ورقةَ من جيبه وقال ولماذا في المكتبة قالوا لي إن المجموع هو سبعٌ واربعون ليرة وثلاثون قرشا. قلت له: أيها السيد في المكتبة لم يحسبوا ثمنَ كتاب اللّغة الفرنسية، لأنّه غيرُ وارد في لائحتك فإذا أضفت سعرَه جديداً، أي ثماني ليرات إلى قيمة فاتورة المكتبة، أي إلى سبعٍ واربعين ليرة وثلاثين قرشا ستحصل على مبلغ خمسٍ وخمسين ليرة وثلاثون قرشا أي ضعفي المبلغ الذي يترتب لي عليك أي سبعٌ وعشرون ليرة وخمسةٌ وستون فرشاً. ابتسم الرجل وسحب محفظته من جيبة وأعطاني ثماني وعشرين ليرة فبدأت بجمع ما لدي من نقود صغيرة للرداد له، فقال لا بأس فليكن الباقي وهو لا يُذكر هدية صغيرة لك، فاستوقفته وقلت نحن لسنا أغنياء يا سيدي ولكننا ما قبلنا الحسنة قط ولن نقبل بها أبدا زد على ذلك إني أراك من ففراء الله الكادحين تعمل في مقلع... فقاطعني  وقال أيها الفتى لقد أذهلتني هل أنت نبي لا يا سيدي أنا أسمي محمد أما والدي فيسميه البعض النبي يوسف...


أخذ الرجل كتب الصف الأوّل واختفى بين الجموع فخبأت النقود التي قبضتها وتابعت رفع الإعلان بعد أن شطبت منه عرض كتب الصف الأوّل. وقفت قربي سيدة كبيرة في السن ترافقها فتاة في مثل عمري تقريبا وكان معهما حقيبة كبيرة يحملانها معا فيما بينهما فقالت السيدة لقد عرضنا هذه الكتب على المكتبة المجاورة فقالوا إنهم سيدفعون لنا عشرين ليرة لا غير ونحن منهمكتان وبين هذه الكتب قد تجد ما تطلبه وسنبيع الكل بثلاثين ليرة فقلت سيدتي هل لي ان أعاين الكتب فقالت نعم. تبين لي عند تفحص الكتب أنّ غالبية ما أريده  لي ولعمر موجود في حقيبة السيدة فضلا عن مجموعتين من الكتب لصفي الخامس والاول والكتب بحالة جيدة. فقلت لها كل ما أملك يا سيدتي هو مبلغ ثمانية وعشرين ليرة ويجب ان أبقي لنفسي ليرة على الأقل فنظرت السيدة والفتاة إلى بعضهما البعض ثم أومأت لي السيدة بالقبول فأخرجت النقود وأعطيتها للسيدة فهمّتا بالذهاب فاستوقفتهما وسألت وماذا بشأن الحقيبة فقالت الفتاة إنها بالية وإنها بصدد شراء حقيبة جديدة عوضا عنها تكون صالحة للسفر، فسألتها إلى أين فقالت عائلتي تنتظرنا أنا وجدتي في البرازيل وغدا سننطلق ولذلك قد بعت كتبي وكتب أخوتي فلا حاجة لنا إلى هذه الكتب بعد اليوم. فقلت وداعا. كانت الساعة قد قاربت التاسعة والنصف عملت لائحة بالكتب التي استطيع بيعها تاركا موضوع الشراء جانبيا. وحالفني الحظ فبعت ثلاث مجموعات: الصف الخامس والثالث والأول بمئة وست ليرات واشتريت الكتب الناقصة لي ولاخي بخمس ليرات ونصف. فكان مردود مغامرتي الأولى في تجارة الكتب ربح ما يزيد عن مئة ليرة مبلغ لم تعرفه يدي سابقا.



(*) باحث في الجامعة اللبنانية، كلية الهندسة الفرع الاول له عدة مؤلفات منشورة وغير منشورة.