الصفحات

hh

hh

تتتت

تتتت
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

بحث

‏إظهار الرسائل ذات التسميات سركون بولص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سركون بولص. إظهار كافة الرسائل

ـــــ ترجمة سركون بولص

حَـفْـر




بين إصبعي وإبهامي
يرتاحُ القلمُ الرّبْعة؛ لابقاً مثل مسدس.

تحت نافذتي، صوتٌ نظيفٌ سافعٌ
عندما يغوصُ الرَّفشُ في الأرض الحَصِبة:
إنه أبي، يحفرُ. أنظرُ الى الأسفل حتى أرى

عجيزته تنحني بين مشاتل الأزهار
وتعتدل عبرَ عشرين عام
عاكفةً بايقاع بين أثلام البطاطس
حيث كان يحفرُ.

جزمتهُ الخشنة، على عُروة الرفش،
والعمودَ تلقاءَ باطن الركبة، مُستكنّة،
ومصوَّبةٌ باحكام.
كان يقتلع الأرؤسَ الطويلة، يدفنُ الحافّة البرّاقة
عميقاً ليبعثر بطاطسَ جديدة اقتطفناها
عاشقين صلابتها الباردة بين أيدينا.

كان العجوزُ، وربّي، ماهراً في الاشتغال بالرفش.
تماما مثل أبيه العجوز.

كان بامكان جدّي أن يجزّ من السَّرخَس في نهار واحد
أكثرَ من أيّ رجل آخر في مستنقع “تونر”.
ذات مرة حملتُ اليه الحليب في قنينة
لها سدّادة غير مُحكمة، من ورق. استقامَ
لكي يشرب، وبعد ذلك انهمكَ لفوره
ينخسُ ويقطّع، بملاسة. يطَّرحُ الأتربة
بحثاً عن الخَثَّ. حافراً.

إن شذى عطَن البطاطس البارد، والتَخافُق النَّسغيّ
للخثّ اللَّزج، والجزَّ القاطع لحافّة الشفرة
خلال الجذور، كلُّ هذا يستيقظُ في رأسي.
لكنني لا أملكُ رفشاً لأتبع رجالا مثلهم.

بين إصبعي وإبهامي
يرتاحُ القلمُ الرّبعة.
سأحفرُ به.



عرّافة



تحرّكَ لساني، مصراعاً مؤرجَحاً، يرتاح.
قلتُ لها، “ماذا سيحدثُ لنا؟”
وكما قد يهتزُّ ماءٌ منسيٌّ في بئر
على وقع انفجارٍ في الصباح
أو يتسلّق صِدْعٌ بُرجاً
بدأت بالكلام.
«أخالُ أن شكلنا بذاته محكومٌ عليه
بالتحوُّل. كلابٌ في حصارٍ. نِمالٌ. انتكاسُ عُظاءات.

ما لم يجد الغفران عَصَبهُ وصوته،
ما لم تخضرّ الشجرة المخوَّذة والنازفة
وتفتح براعمها كقبضات الرُضَّع
ويُفقّس الثُفْلُ المقـذَّر
حوريّات وضيئات… شعبي يفكّرُ بالمال
ويتكلمُ عن المنافع. حفّارات النفط تُهدِّدُ مستقبلهُم
على فروعٍ مُفردةٍ، جشعة. الصمتُ
فاضَ، في لقّاطات الصدى، في قوارب الصيد.

الأرضُ التي ألصقنا بها أُذنَنا لهذا المدى الطويل
مسلوخةٌ ومُشرَّجة، وأحشاؤها
فُسطاطُ نبوءةٍ عاقّة.
جزيرتنا ملأى بضوضاءٍ لا تبعثُ على الراحة”.



قُطاف العُلَّيق



في أواخر آب، كانت ثمارُ العُلّيق تنضجُ
ماتحةَ لأسبوعٍ كاملٍ، من المطر الغزير والشمس.
أولاً، واحدةٌ فقط، كتلةٌ بنفسجية لمّاعة
بين الأُخَر، حمراءُ، خضراء، صلبةٌ مثل عِقْدة.
كنتَ تأكلُ تلك الأولى، وكان لحمها حلوَ المذاق
كخمرةٍ متكثِّفة: كان فيها دمُ الصيف
يتركُ لُطَخاً على اللسان، وشهوةً
للقُطاف. ثم كانت الحمراءُ منها تتحبَّر، وذلك الجوع
يبعثُ بنا حاملين صفائحَ الحليب، عُلَب اللوبياء، والمُربّى
الى حيث تخدّشنا الأشواك، وتغسلُ جزماتنا الأعشابُ
النديّة.
حوالى حقول التَّبْن، والقمح، وأثلام البطاطس
كنّا نسرحُ ونقطفُ حتى تمتلئ العُلَب،
حتى تغطي الثمار الخضراءُ قيعانَها المُرنّة،
وفوقها طُفوحٌ قاتمةٌ كبيرة تتّـقِدُ
مثل صُحفةٍ من عيون. كانت أيدينا مُفَلْفَلةً
بنخسات الشوك، وراحاتنا لزجة “كراحتي” اللحية
الزرقاء

الثمارُ الطازجة كنزناها في الزريبة.
لكن عندما كان المغطسُ قد امتلأ، وجدنا فراءً،
أُشنةً رمادية مثل فأر، تطفحُ فوق ذخيرتنا.
والعصيرُ كان مُنتناً أيضاً. ما إن كانت الفاكهة
تُقطفُ من الشجرة، حتى تتخمّر، حتى يتحمّض اللحم
الحلو.
كنتُ دائماً أشعرُ برغبةٍ في البكاء. لم يكن من العدل
أن يفوحَ كلُّ ما تحتويه العُلبُ، بالنتانة.
في كل سنة، كنتُ آملُ أن تبقى كما هي، وأعرفُ
أن ذلك لن يكون.



شَرْبةُ ماء



كانت في كلّ صباح تأتي لتسحب الماء
كخفّاشة عجوز تترنّح عبر الحقل:
سُعال المضخّة الديكي، قرقعةُ السَّطْل العالية
وتلاشيها البطيء إذ يمتلئ،
كان يُعلن عنها. إنني أذكر
مريلتها البيضاء، المينا البيضاء المجدورة
لِسَطَلها الطافح، والصريف العالي
لصوتها، كمقبض المضخَة.
في الليالي التي يرتفعُ فيها القمر
عبرَ جَمَلونِ بيتها، كان يعودُ لينحدر
خلال شبّاكها، ويرسبُ في الماء الموضوع على المائدة.
حيث غرفتُ منه لأشرب ثانيةً،
لأكون مخلصاً للوصيّة المنقوشة على كأسها،
«تذكّر العاطي”، باهتة على شفة الكأس


لم أستسلم للآلهة وقد دخلتُ غرفة العمليات وأنا جائع لكنني لم أستسلم للشيطان أيضاً.
أنا "سركون بولص" محفز صرخات المواليد ومبعث ألعابهم.
ما أجمل أنفاسي حين توقفت وأنا ببسمة تستعد ودونما حساب في البنك.
كانت الريح مسامرتي واليتامى نجواي ونادلة الحانة ذئبتي الوفية.
لكنني متُ وأنا انتظر حوالة الدولارات القليلة من لا أحد إلى لا أدري أين وكل فجر كنت أتذكر "الحبانية" وأبكي بينما كان القمر أخي إذ يغمرني بالحكايات كل مساء وعن حنيني يدافع.
أنا سركون بولص الذي لم يتأفف من الحياة رغم كل شيء.
نحات العطر واسكافي الجوهر ومبضع المسيرة وذروة الخرائط وهزة الجماع.
كنت أفرح من قمصاني وبناطيلي التي بلا جيوب وكانت كحة الغرباء ضميري وليس لي من ظل الآن بعدما صرت أكثر براءة هكذا وقد اكتشفت ُ بأن الموت لا يخلو من الأغاني.
أنا سركون بولص لطالما عرفتُ أن الشهامة توجد في أبناء الأزقة الضيقة وأن العمل عبودية وان للكسل طعم سكري كما تلمستُ العذوبة بحواسي وضرطتُ على
الايدولوجيا متحدثا مع نفسي في الطرقات حتى حسبوني مجنونا غير متخيلين أنني أترجم قصيدة جديدة أو اكتب قصيدة جديدة كلما مشيت.
كان الزحام وحدتي وقضيت حياتي في مهب الرمز واستطعت أن أحب السومرية والكنعانية
والسبئية والفرعونية والامازيغية والباشتونية والآرية والهندية الحمراء دفعة واحدة.
أنا سركون علانية السر والضجران كأنني الأزل.
ضاجعت الموانئ وعششت النوارس في أعصابي لكن خيط دم ظل يسيل من انفي حين تواءمت
والمجهول ورغم ذلك لم أتحسر.
فقط تمنيت من أصدقائي لو يقبروني وأنا ألبس حذائي لكنهم خونة: خونة ولم يعرفوا بأنني كنت اعرف بسرقتهم لقصائدي التي كانوا يقرؤونها علي ببلاهة بينما لم أحاول أن اجرح واحدا منهم في أي يوم.
أنا سركون البردان من شدة دفئي والذي تمرن على الموت بالكثير من الضحك.
أنا "سر- كون" ووحدي سلالتي وأحفادي وأرجوكم ممنوع الإزعاج الآن.
--------------------------------------------------------------------
فتحي أبو النصر- من مجموعة موسيقى طعنتني من الخلف 2008 م
في الذكرى التاسعة لرحيل سركون بولص، أنشر إحدى الرسائل التي أرسلها إليّ من سان فرانسيسكو سنة 1971:

أخي‮ ‬وديع
لم‮ ‬أنتظر‮ ‬الليل‮ ‬بل‮ ‬تقدمت‮ ‬نحوه‮ ‬وأنا‮ ‬أعرف‮ ‬عدوي‮ ‬وبلا‮ ‬درع‮ ‬أو‮ ‬شهادة‮ ‬أو‮ ‬تردد‮. ‬ولكنني‮ ‬حين‮ ‬دخلتُ‮ ‬كثافته‮ ‬العدوّة‮ ‬كانت‮ ‬يداي‮ ‬ترتجفان‮ ‬وكان‮ ‬عناقي‮ ‬حلماً‮ ‬كهربائياً‮ ‬يعبر‮ ‬على‮ ‬المحيط‮. ‬من‮ ‬حين‮ ‬الى‮ ‬حين،‮ ‬وجهي‮ ‬المعلق‮ ‬في‮ ‬مرآة‮ ‬محاكمة‮. ‬وأنا‮ ‬دائماً‮ ‬قاضي‮ ‬هذا‮ ‬العالم‮. ‬أريد‮ ‬أن‮ ‬أتكلّم‮ ‬مع‮ ‬أصدقائي،‮ ‬لا‮ ‬بل‮ ‬اليهم‮ ‬ولكنني‮ ‬أجدهم‮ ‬في‮ ‬صحراء‮ ‬أخرى‮. ‬أحاول‮ ‬أن‮ ‬أركّز‮ ‬نظري‮ ‬لأرى‮ ‬الملامح‮ ‬ولكنها‮ ‬لا‮ ‬تستطيع‮ ‬أن‮ ‬تقتل‮ ‬قوانين‮ ‬البعد‮. ‬القانون‮ ‬الوحيد‮ ‬الذي‮ ‬قتلته‮ ‬هو‮ ‬قانون‮ ‬الزمان،‮ ‬ولكن‮ ‬الفضاء‮ ‬ما‮ ‬زال‮ ‬عدواً‮. ‬إنني‮ ‬الآن‮ ‬في‮ ‬المركز‮ ‬والأيام‮ ‬تدور‮ ‬من‮ ‬حولي‮ ‬ككواكب‮ ‬نارية‮ ‬من‮ ‬الاحتمالات‮ ‬والعبر‮ ‬والمغامرة‮. ‬وبعد‮ ‬ذلك‮ ‬هذه‮ ‬هي‮ ‬القاعدة‮: ‬الأيام‮ ‬ليست‮ ‬سوى‮ ‬أيام‮.‬

مجرد‮ ‬أن‮ ‬أستلم‮ ‬رسالتك‮ ‬يا‮ ‬وديع،‮ ‬مغامرة،‮ ‬حفلة،‮ ‬عاصفة‮ ‬غجرية‮. ‬لو‮ ‬عرفت‮ ‬ماذا‮ ‬تعني‮ ‬رسالة‮ ‬ما‮ ‬بالنسبة‮ ‬لي‮ ‬في‮ ‬هذه‮ ‬القارة‮ ‬المطفأة،‮ ‬ومن‮ ‬صديق‮ ‬من‮ ‬وطني‮! ‬ولكنك‮ هناك‮ ‬أيضاً‮ ‬كالمنفيّ،‮ ‬كما‮ ‬يبدو‮ ‬لي‮. ‬لا‮ ‬تكن‮. ‬أقول‮ ‬لك‮ ‬بكل‮ ‬صوتي‮: ‬لا‮ ‬تكن‮. ‬أخرج‮. ‬من‮ ‬هذه‮ ‬الطبقة‮ ‬الكثيفة‮ ‬من‮ ‬الجلد‮ ‬التي‮ ‬بنيت‮ ‬حولك‮ ‬دون‮ ‬أن‮ ‬تعرف‮: ‬أخرج‮. ‬لا‮ ‬تكن‮ ‬مثقفاً‮ ‬يجمع‮ ‬أقنعة‮ ‬ويقرأ‮ ‬المشهورين،‮ ‬ويفكر‮ ‬بنماذج‮ ‬كأنسي‮ ‬الحاج‮ ‬أو‮ ‬لست‮ ‬أعرف‮ ‬من،‮ ‬أو‮ ‬كامو‮ ‬أو‮ ‬بودلير‮ ‬أو‮ ‬الله‮ ‬أو‮ ‬بوذا‮ ‬أو‮ ‬الشيطان‮: ‬ولا‮ ‬تكن‮ ‬حتى‮ ‬أنت‮! ‬وابصق‮ ‬على‮ ‬المثقف‮ ‬الغبي‮ ‬الذي ‬يحاضرك‮ ‬عن‮ "‬معرفة‮ ‬النفس‮" ‬والبحث‮ ‬عن‮ ‬الله‮ ‬وباقي‮ ‬الخرق‮ ‬الثقافية‮ ‬الاخرى‮. ‬هل‮ ‬فكرت ‬لحظة‮ ‬بأن‮ ‬من‮ ‬المضحك‮ ‬أن‮ "‬نكون‮" ‬شيئاً؟‮ ‬إننا‮ ‬لا‮ ‬نكون‮ ‬شيئاً‮ ‬أو‮ ‬أحداً‮. ‬لأننا‮ ‬هذا‮ ‬الشيء‮ ‬وهذا‮ ‬الأحد‮. ‬ولأننا‮ ‬كل‮ ‬شيء‮ ‬وكل‮ ‬أحد،‮ ‬من‮ ‬قبل‮. ‬أعتقد‮ ‬انك‮ ‬ستفهمني‮ ‬يا‮ ‬وديع‮ ‬لأنني‮ ‬أعرف‮ ‬ان‮ ‬لك‮ ‬عقلية‮ ‬نظيفة‮ ‬وان‮ ‬دماغك‮ ‬لم "يُغسل" ‬بعد‮ ‬بالرايات‮ ‬الثقافية‮ ‬الشائعة‮ ‬هناك‮ ‬الآن‮. ‬إن‮ ‬ما‮ ‬يجعلني‮ ‬أقول‮ ‬كل‮ ‬هذا‮ ‬هو‮ ‬غضبي‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬أستطيع‮ ‬أن‮ ‬أقاومه‮ ‬حتى‮ ‬هنا‮ ‬حين‮ ‬أفكر‮ ‬بجميع‮ ‬الأفكار‮ ‬الخاطئة‮ ‬التي‮ ‬تتسرب‮ ‬في‮ ‬وطننا‮ ‬وبين‮ ‬مثقفينا‮ ‬عن‮ ‬الفكر ‬الاوربي‮ ‬وعن‮ ‬الثقافة‮ ‬الاوربية،‮ ‬وذلك‮ ‬عن‮ ‬طريق‮ ‬مجموعة‮ ‬معدودة‮ ‬من‮ ‬الكتّاب‮ ‬المسيطرين‮ ‬على‮ ‬المجلات‮ ‬والذين‮ ‬ليس‮ ‬لهم‮ ‬حق‮ ‬في‮ ‬ذلك‮. ‬أما‮ ‬اذا‮ ‬كنت‮ ‬مخطئاً،‮ ‬فقل‮ ‬ذلك‮ ‬في‮ ‬وجهي ومباشرة‮. ‬ولكن‮ ‬من‮ ‬المضحك‮ ‬أن‮ ‬أبذّر‮ ‬هذه‮ ‬الصفحة‮ ‬كلها‮ ‬في‮ ‬الكلام‮ ‬على‮ "الثقافة‮"‬،‮ ‬الحلم‮ ‬الذي‮ ‬يتغذى‮ ‬عليه‮ ‬تلاميذ‮ ‬الجامعة‮ ‬ذوو‮ ‬النظارات‮ ‬الطبية‮ ‬والشعراء‮ ‬الذين‮ ‬يعالجون‮ "‬مسائل‮ ‬العصر‮" ‬بجبين‮ ‬مقطب‮. ‬الشيء‮ ‬الوحيد‮ ‬الذي‮ ‬يستحق‮ ‬المعالجة‮ ‬هو‮ ‬أن‮ ‬تفتح‮ ‬فمك ‬فجأة‮ ‬وأنت‮ ‬في‮ ‬الشارع‮ ‬ومن‮ ‬حولك‮ ‬طنين‮ ‬الخلية‮ ‬الانسانية‮ ‬وتقذف‮ ‬من‮ ‬أحشائك‮ ‬ذلك‮ ‬البركان‮ ‬الذي‮ ‬هو‮ أنت‮. ‬وبعد‮ ‬ذلك‮ ‬تستطيع‮ ‬ان‮ ‬تقف‮ ‬لمدة‮ ‬نصف‮ ‬ساعة‮ ‬مراقباً‮ ‬بدهشة‮ ‬أناك‮ ‬المحترقة‮ ‬وهي‮ ‬تتسلق‮ ‬أكتاف‮ ‬البشر‮ ‬وتدخل‮ ‬أنوفهم‮ ‬الضائعة‮. ‬ربما‮ ‬كنت‮ ‬قد‮ ‬خطوت‮ ‬كثيراً‮ ‬في‮ ‬الليل،‮ ‬ولكن‮ ‬ذلك‮ ‬هو‮ ‬بالضبط‮ ‬وبدون‮ ‬لف‮ ‬أو‮ ‬دوران،‮ ‬واجب ‬الكاتب‮: ‬فإنك‮ ‬لم‮ ‬تولد‮ ‬ولن‮ ‬تولد‮ ‬في‮ ‬نهار‮ ‬العالم‮ ‬بمجرد‮ ‬أن‮ ‬تنتظر‮ ‬واقفاً‮. ‬بل‮ ‬إن‮ ‬الليل‮ ‬هو‮ ‬الذي‮ ‬يخفي‮ ‬نهارنا‮ ‬الحقيقي‮. ‬وعلينا‮ ‬أن‮ ‬نخترق‮ ‬هذا‮ ‬الدرع‮ ‬المميت؛‮ ‬ثقب‮ ‬أو‮ ‬ثقبان‮ ‬ينبثق‮ ‬منهما‮ ‬الضوء‮ ‬ونعرف‮ ‬بيقين‮ ‬أن‮ ‬النهار‮ ‬هناك،‮ ‬إنه‮ ‬هناك‮! ‬هذا‮ ‬ما‮ ‬حدث‮ ‬لي،‮ ‬ويمكنني‮ ‬القول‮ ‬انني‮ ‬قد‮ ‬رأيت‮ ‬عدة‮ ‬ثقوب‮ ‬في‮ ‬ذلك‮ ‬الدرع‮ ‬وعلى‮ ‬النور‮ ‬المتسرب‮ ‬منها‮ ‬أحيا‮ ‬الآن‮.‬

ساعد‮ ‬الشعر‮ ‬على‮ ‬إنقاذي‮ ‬كثيراً‮. ‬منذ‮ ‬ان‮ ‬وطأت‮ ‬هذه‮ ‬الأرض‮ ‬الأجنبية‮ ‬والشعر‮ ‬يلتهب‮ ‬في ‬باطني‮ ‬ليوازن‮ ‬بين‮ ‬البرد‮ ‬المسموم‮ ‬في‮ ‬الخارج‮ ‬واليقظة‮ ‬العنيفة‮ ‬في‮ ‬الداخل‮. ‬أحياناً ‬يدخل‮ ‬البرد‮ ‬رغم‮ ‬كل‮ ‬شيء،‮ ‬كما‮ ‬يحدث‮ ‬في‮ ‬قرية‮ ‬ما‮ ‬في‮ ‬شبطين‮ ‬مثلاً‮ ‬حين‮ ‬يحاول‮ ‬فلاح‮ ‬ذو عائلة‮ ‬من‮ ‬الأطفال‮ ‬أن‮ ‬يغلق‮ ‬النوافذ‮ ‬جيداً‮ ‬في‮ ‬وجه‮ ‬عاصفة‮ ‬من‮ ‬الثلج،‮ ‬وقبل‮ ‬أن‮ ‬ينجح‮ ‬يدخل‮ ‬بعض‮ ‬البرَد‮ ‬ولكنه‮ ‬ينجح‮ ‬دائماً‮. ‬على‮ ‬انني‮ ‬حافظت‮ ‬على‮ ‬تلك‮ ‬العائلة‮ ‬من‮ ‬الأطفال‮ ‬التي‮ ‬تعيش‮ ‬فيّ‮. ‬وسأفعل‮ ‬دائماً‮. ‬وطيلة‮ ‬هذه‮ ‬المدة‮ ‬أيضاً‮ ‬لم‮ ‬أتوقف‮ ‬عن‮ ‬الكتابة‮. ‬أحياناً‮ ‬فعلت،‮ ‬ولكنني‮ ‬لم‮ ‬أتوقف‮ ‬عن‮ "‬الكتابة‮" ‬في‮ ‬داخلي‮ ‬لحظة‮ ‬واحدة‮. ‬وكل‮ ‬ما‮ ‬هناك،‮ ‬انني‮ ‬فعلت‮ ‬ما‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يفعله‮ ‬كل‮ ‬كاتب‮ ‬حقيقي‮: ‬القدرة‮ ‬على‮ ‬الصمت‮. ‬قريباً‮ ‬جداً‮ ‬سأبعث ‬الى‮ ‬لبنان‮ ‬بكتاب‮ ‬ليُنشر‮. ‬لديّ‮ ‬الآن‮ ‬عدة‮ ‬كتب‮ ‬حاضرة‮ ‬للنشر‮. ‬وأعمل‮ ‬على‮ ‬رواية‮ ‬إسمها‮ "صحراء‮ ‬العالم‮" ‬وهي‮ ‬كل‮ ‬ما‮ ‬أعيش‮ ‬من‮ ‬أجله‮ ‬الآن‮ ‬لانها‮ ‬ستكون‮ ‬معادلاً‮ ‬كاملاً‮ ‬لحياتي‮ ‬الداخلية‮. ‬ولا‮ ‬يمكنني‮ ‬أن‮ ‬أقول‮ ‬لك‮ ‬أي‮ ‬شيء‮ ‬عنها‮. ‬كما‮ ‬انني‮ ‬أعددت‮ ‬كتاباً‮ ‬آخر‮ ‬باسلوب‮ ‬ليس‮ ‬شعراً‮ ‬أو‮ ‬قصة‮ ‬أو‮ ‬أي‮ ‬شيء،‮ ‬بل‮ ‬هو‮ ‬كل‮ ‬هذه‮ ‬العناصر‮ ‬التي‮ ‬تقف‮ ‬في‮ ‬مواجهتنا‮ ‬من‮ ‬الداخل‮ ‬والخارج،‮ ‬أو‮ ‬الوجود‮ ‬في‮ ‬أشعة‮ ‬نظرة‮ ‬واحدة‮. ‬والكتاب‮ ‬الذي‮ ‬أعده‮ ‬منذ‮ ‬مدة‮ ‬طويلة‮ ‬وأقرأ‮ ‬من‮ ‬أجله‮ ‬كل‮ ‬يوم‮ ‬منذ‮ ‬سنتين،‮ ‬هو‮ ‬دراسة‮ ‬في‮ ‬الرواية‮ ‬الحديثة،‮ ‬وأعني‮ ‬الحديثة‮! ‬سأعطيك‮ ‬فكرة‮: ‬عناوين‮ ‬بعض‮ ‬الفصول‮:‬
هيرمان‮ ‬هيسه‮: ‬العين‮ ‬الثالثة‮.‬
سيزار‮ ‬بافيس‮: ‬الجدار‮ ‬الخامس‮ ‬للسجن‮.‬
لو‮ ‬كليزيو‮: ‬هالة‮ ‬حول‮ ‬العالم‮/ ‬الرواية‮ ‬الكوسمولوجية‮.‬
كورتازار‮: ‬تركيب‮ ‬المتاهة‮.‬
بيكيت‮: ‬جلود‮ ‬العزلة‮ ‬السبعة‮.‬

وقد‮ ‬قرأت‮ ‬كل‮ ‬ما‮ ‬يمكن‮ ‬من‮ ‬مواضيع‮ ‬الدراسة،‮ ‬بالاضافة‮ ‬الى‮ ‬التآليف‮ ‬الاصلية‮. ‬واخيراً،‮ ‬مجموعة‮ ‬جديدة‮ ‬من‮ ‬القصص‮. ‬والآن‮ ‬لنتحدث‮ ‬عن‮ ‬شيء‮ ‬آخر‮.‬

جان‮ ‬دمو‮ ‬هناك،‮ ‬وهو‮ ‬في‮ ‬دير‮! ‬لا‮ ‬استغرب‮ ‬ذلك‮ ‬من‮ ‬جان‮. ‬ولكن‮ ‬يا‮ ‬عزيزي‮ ‬حاول‮ ‬بشدّة‮ ‬أن‮ ‬تتصل‮ ‬به‮ ‬وقل‮ ‬له‮ ‬أن‮ ‬يكتب‮ ‬لي‮ ‬واعطه‮ ‬عنواني‮. ‬أحياناً‮ ‬هنا،‮ ‬أكلّم‮ ‬جان‮ ‬وكأنه‮ ‬معي‮ ‬حين‮ ‬أرى‮ ‬شيئاً‮ ‬او‮ ‬شخصاً‮ ‬معيناً‮ ‬أعرف‮ ‬اننا‮ ‬كنا‮ ‬سنعلّق‮ ‬عليه‮ ‬ونسبره‮ ‬حتى‮ ‬المركز‮. ‬في‮ ‬كثير‮ ‬من‮ ‬الاحيان‮ ‬وحين‮ ‬أكون‮ ‬يائساً،‮ ‬مجرد‮ ‬محاورة‮ ‬من‮ ‬هذا‮ ‬النوع‮ ‬تعيدني‮ ‬الى‮ ‬حالتي‮ ‬السعيدة‮ ‬واضحك‮ ‬عالياً‮ ‬في‮ ‬الشوارع‮ ‬دون‮ ‬ان‮ ‬أستطيع‮ ‬السيطرة‮ ‬على‮ ‬نفسي‮. ‬إن‮ ‬ما‮ ‬بيني‮ ‬وبين ‬جان‮ ‬نادر‮ ‬وخالد،‮ ‬ويقف‮ ‬ما‮ ‬وراء‮ ‬جلد‮ ‬العلاقات‮ ‬وجدار‮ ‬البشرية‮. ‬أعرف‮ ‬بعمق‮ ‬اننا‮ ‬سنلتقي‮. ‬لذلك،‮ ‬دعه‮ ‬يكتب‮ ‬لي‮ ‬وبعد‮ ‬ذلك‮ ‬ربما‮ ‬أمكن‮ ‬أن‮ ‬ندبر‮ ‬طريقة‮ ‬لسفره‮ ‬الى‮ ‬هنا،‮ ‬وسأفعل‮ ‬كل‮ ‬ما‮ ‬أستطيع‮.‬
والأب‮ ‬يوسف‮ ‬سافر‮. ‬اعطني‮ ‬عنوانه‮ ‬في‮ ‬رسالتك‮. ‬وسأكتب‮ ‬اليه‮. ‬ولكنني‮ ‬لم‮ ‬أفهم،‮ ‬هل‮ ‬سافر‮ ‬وحده‮ ‬أم‮ ‬انه‮ ‬أخذ‮ ‬عائلته‮ ‬معه؟‮ ‬قريباً‮ ‬جداً‮ ‬سأبعث‮ ‬الى‮ ‬يوسف‮ ‬الخال‮ ‬برسالة‮ ‬ومواد‮ ‬للنشر،‮ ‬بعد‮ ‬هذا‮ ‬الغياب‮ ‬الطويل‮. ‬هل‮ ‬يمكن‮ ‬أن‮ ‬تبعث‮ ‬إلي‮ ‬بعنوان‮ ‬أدونيس،‮ ‬وكذلك‮ ‬عنوان ‬مجلة‮ ‬الآداب؟‮ ‬سلّم‮ ‬على‮ ‬أدونيس‮ ‬بحرارة‮. ‬سأكتب‮ ‬اليه‮ ‬قريباً‮. ‬وأرجو‮ ‬ان‮ ‬أهيء‮ ‬رسالة‮ ‬طويلة‮ ‬عن‮ ‬السياسة‮ ‬والفكر‮ ‬في‮ ‬أميركا‮ ‬لتنشر‮ ‬في‮ "مواقفه‮". ‬وكذلك‮ ‬مواد‮ ‬جديدة‮ ‬من‮ ‬كتاباتي‮. ‬وربما‮ ‬بعثت‮ ‬اليه‮ ‬بكتاب‮ ‬كامل‮ ‬والمال‮ ‬اللازم‮ ‬لنشره‮. ‬ولكن‮ ‬أولاِ،‮ ‬بلّغه‮ ‬حبي‮ ‬واعطه‮ ‬عنواني‮ ‬وأرجو‮ ‬أن‮ ‬يبعث‮ ‬الي‮ ‬بنسخة‮ ‬من‮ ‬مواقف‮ ‬حتى‮ ‬يتيسّر‮ ‬لي‮ ‬أن‮ ‬أبعث‮ ‬اليه‮ ‬ببدل‮ ‬اشتراك‮. ‬وأفكر‮ ‬أيضاً‮ ‬بإعداد‮ ‬مقابلات‮ ‬طويلة‮ ‬مع‮ ‬شعراء‮ ‬هذه‮ ‬المنطقة‮. ‬وقد‮ ‬قابلت‮ ‬عدداً‮ ‬منهم‮ ‬وتشاجرت‮ ‬معهم،‮ ‬وترجمت‮ ‬بعض‮ ‬قصائدي‮ ‬الى‮ ‬الانكليزية‮. ‬وبدأت‮ ‬اكتب‮ ‬بالانكليزية‮ ‬منذ‮ ‬مدة‮. ‬وفي‮ ‬المستقبل‮ ‬أنوي‮ ‬أن‮ ‬أكتب‮ ‬رواية‮ ‬واحدة‮ ‬ووحيدة‮ ‬بالانكليزية‮ ‬اضع‮ ‬فيها‮ ‬كل‮ ‬شيء‮. ‬ولدي‮ ‬الآن‮ ‬مجموعة‮ ‬من‮ ‬الشعر‮ ‬بهذه‮ ‬اللغة،‮ ‬وكذلك‮ ‬قصة‮ ‬اسمها‮ "‬الصحراء‮" وهي‮ ‬عن‮ ‬مهرب‮ ‬على‮ ‬الحدود‮ ‬العراقية،‮ ‬وربما‮ ‬ترجمتها‮ ‬عن‮ ‬الانكليزية‮ ‬إلى‮ ‬العربية‮.‬

عزيزي‮ ‬وديع‮. ‬لقد‮ ‬تكلمت‮ ‬كثيراً،‮ ‬اليوم‮ ‬هو‮ ‬السبت،‮ ‬عطلة‮. ‬ولديّ‮ ‬موعد‮ ‬مع‮ ‬امرأة‮ ‬أميركية،‮ ‬ولكنني‮ ‬أعتقد‮ ‬انني‮ ‬متأخر‮ ‬الآن‮ ‬لانني‮ ‬قضيت‮ ‬هذه‮ ‬الساعة‮ ‬الاخيرة‮ ‬أكتب‮ ‬اليك‮. ‬على‮ ‬انني‮ ‬سأذهب‮ ‬فالمرأة‮ ‬قد‮ ‬انتظرت‮ ‬أكثر‮ ‬من‮ ‬اللازم‮. ‬وهي‮ ‬ستصاب‮ ‬بهستيريا‮ ‬اذا‮ ‬لم‮ ‬أذهب،‮ ‬لانها‮ ‬ظلت‮ ‬ثلاثة‮ ‬أسابيع‮ ‬تبعث‮ ‬اليّ‮ ‬برسالة‮ ‬مضمونة‮ ‬كل‮ ‬يوم‮ ‬وهدايا‮ ‬حتى‮ وعدتها،‮ ‬وذلك‮ ‬منذ‮ ‬ان‮ ‬تركتها‮ ‬منذ‮ ‬شهر‮ ‬دون‮ ‬سابق‮ ‬إنذار‮ ‬أو‮ ‬سبب،‮ ‬يائساً‮ ‬من‮ ‬العلاقات‮ ‬والجنس‮ ‬عائداً‮ ‬الى‮ ‬الشعر‮. ‬على‮ ‬كل‮ ‬حال،‮ ‬سأكتب‮ ‬لك‮ ‬قريباً‮. ‬تحياتي‮ ‬الى‮ ‬والدتك،‮ ‬والى‮ ‬اخيك‮ ‬وزوجته‮ ‬اللطيفة،‮ ‬وقل‮ ‬لها‮ ‬أن‮ ‬تقرأ‮ ‬فألي‮ ‬واخبرني‮ ‬بالنتيجة‮.‬

اخوك
سركون‮ ‬بولص
27 / 3 / 1971
سان‮ ‬فرنسسكو
عن الفايسبوك


ترجمة عن “أنا هنا. تنطوي هاتان الكلمتان كلّ ما يمكن قوله – فأنتَ تبدأ بهاتين الكلمتين وتعود إليهما. و”هنا” تعني على هذه الأرض، على هذه القارة، لا قارة أخرى، في هذه المدينة، لا مدينة أخرى، وأنا أدعو هذا العصر عصري أنا، بل وهذا القرن وهذه السنة. فلم أُمنح مكاناً غير هذا المكان، ولا زمناً غير هذا الزمن. وألمس طاولة مكتبي كي أدفع عن نفسي ذلك الشعور بأنّ جسدي مصيره الفناء. وهذا الأمر في حد ذاته جوهري، لكن بالرغم من ذلك، فإن علم الحياة يعتمد على الاكتشاف التدريجي للحقائق الأساسية.”


يتناول الشاعر الزمن وهو ينسلّ من بين أصابعه قطرة فقطرة، ثم يتبخّر حتى يصبح عدماً. في إحدى قصائده الغزلية، يقول غالب “إن القطرة التي لا تصير نهراً تتشرّبها الرمال” (1). ومرة تلو المرة، عندما أكتب، أكتشف أنني لا أتذكّر الماضي ذاته، كما لا أتذكّر شخصاً أو مكاناً أو مشهداً أو صوتاً أو أغنية بعينها، إنما أتذكّر أولاً وقبل كل شيء، كلمات. الكلمات وصداها الذي يتردد في ذاكرتي. الكلمات التي تقبع في ذاكرة معينة، تحمل أصداء زمن ومكان محددين. لكن المشكلة بالنسبة للشاعر، ليست في الأساس مشكلة مفردات، إنما كيف يستطيع الشاعر تناول المفردات القديمة وصوغها في سياقات جديدة، في تراكيب مُبتَدعة تتحدّث عن حاضرنا وتلقي الضوء على ما يجري حالياً. لذلك فإن وظيفة الذاكرة ليست بسيطة: إذ لا يتعين على الشاعر أن يعرف الكلمات ومعانيها فحسب، إنما عليه أيضاً أن ينسى السياقات الكامنة فيها.
بمحض إرادتي أم رغماً عني، فأنا لا أتوقف عن الذهاب إلى الماضي والعودة منه. إن الشعر وسيلة عظيمة للتنقيب في المناطق المخفية عن الحياة التي عاشها الشاعر، وفي المناطق الظليلة التي تقبع فيها اكتشافات لا حصر لها بانتظارك، كلّ تلك الأشياء التي كوّنتك وجعلتك من أنت، والأماكن والأزمنة والظروف التي عشت فيها، جميع الأشياء التي شكّلتك. لذلك، فإن عملية العودة إلى الذاكرة أمر في غاية الأهمية بالنسبة لي، العودة إلى تلك التفاصيل التي لا تقبع في رأس أحد سواي. إذاً، فإن الطفولة تشكّل مصدراً سحرياً يكمن بين الظلّ والضوء، يثوي عميقاً في الماضي، يمكن استدعاؤه دائماً وإلباسه ظلالاً جديدة قد لا تكون موجودة إلاّ في عالم الأحلام.
ولدتُ في بلدة صغيرة تدعى “الحبانية” في وسط صحراء لم يكن يعيش فيها إلاّ البدو والماعز. لذلك كان للبحيرة الاصطناعية التي شيدت حولها البلدة تأثير كبير على حياة السكّان الذين جلّهم من الآشوريين الذين جلبهم البريطانيون إلى هذه المنطقة بعد أن ذُبحت عائلاتهم وطُردوا من ديارها، في البداية على يد الأتراك العثمانيين والأكراد في عام 1915، ثم على يد الجيش العراقي والأكراد من شمال العراق عام 1933. وأصبحت الحبانية قاعدة عسكرية جوية بريطانية، عمل فيها أبي، شأن معظم الآشوريين الآخرين الذين تم تجنّيدهم في الجيش البريطاني بالإضافة إلى الهنود من طائفة السيخ الذين كنا مأخوذين بلحاهم وعمائمهم المفتولة. ومن أولى الذكريات العزيزة التي لا تبارحني هي عندما أخذني أبي معه إلى مكان عمله في القاعدة التي لم يكن يوجد فيها إلاّ الإنكليز، وكانت محاطة بسياج ضخم. في تلك الزيارة رأيت لأول مرة نساء إنكليزيات يحتسين الشاي، وكنّ شبه عاريات يجلسن بين الأزهار والمروج الجميلة المعتنى بها، يكسو النمش وجوه بعضهن مثل البطيخ الأصفر أو الأفاعي. كنّ نوعاً مختلفاً كلّ الاختلاف عن نوع الأنثى الذي تنتمي إليه أمهاتنا وأخواتنا اللواتي كنّ يتلفّعن بالسواد معظم الأحيان كأنهن عدن لتوهنّ من مأتم أو جنازة. كان ذلك أشبه بالانسلال عبر ثقب في جدار الجنة، لتجد نفسك في عالم آخر.
بعد فترة من الزمن غادرنا الحبانية وانتقلنا إلى كركوك، المدينة التي تقبع في شمال البلد والتي لم يكن يوجد فيها ماء تقريباً، سوى نهر صغير يظل جافاً طوال تسعة أشهر في السنة، ثمّ تفيض ضفتاه فجأة، وتُغرِق ماؤه المواشي والخيول بالإضافة إلى عدد من الأهالي. وقد ظلت ذكرى هذه الظاهرة محفورة في ذاكرتي إلى حد أنني أعربت عنها بعد حوالي ثلاثين سنة في قصيدة بعنوان “شهود على الشاطئ” كتبتها في سان فرانسيسكو وهي موجودة في هذا الديوان. إذاً كان الانتقال من الحدائق الوارفة التي تحتسي فيها السيدات الإنكليزيات الشاي إلى مدينة جافّة تكسوها تربة صخرية، لكنها تعبق برائحة البترول وألسنة اللهب التي تنطلق من حقول شركة نفط العراق ليل نهار. وكان الناس يسيرون بمحاذاة تلك الحقول يستنيرون بضوئه في منتصف الليل كأنهم يسيرون أثناء النهار. كان ذلك أشبه برحلات جوليفر بالنسبة لصبي صغير. كان النفط ينتشر في كل مكان، وكان جميع السكان تقريباً يعملون في الشركة (التي يديرها بالطبع البريطانيون الأبديون). وكان جلّ السكان الذين يعيشون في هذه المدينة من التركمان الذين كان يعيش العديد منهم في قلعة قديمة يلفّها الغموض – كأنك تواجه التاريخ هناك كلّ يوم. إن التاريخ الآشوري والأرمني والتركماني والكردي والعربي متداخل وقد صُبَّ في قالب واحد مثل برج بابل هائل. لذلك، فإني عندما أكتب قصائدي باللغة العربية التي هي آشورية (آرامية وسريانية) بنسبة سبعين في المائة، أشعر بأنني أردّد كلّ هذه الأصوات، لأنني أعتقد بأنّ أيّ لغة تحتوي على جميع مسارب ذاكرة المجتمعات التي ساهمت فيها. ولا يمكن أن يضيع أي شيء منها على الشاعر.
إن الكاتب شاهد على عصره، وعليه أن يكون واعياً، في خضم كلّ هذه الفوضى والجنون، والحروب والمذابح، وأن يكون مدركاً لتلك الأصوات الباهتة التي تحدّثنا عن الزمن الماضي، عن حيوات أخرى مدفونة في بطن الحوت الذي يطلق عليه التاريخ. ويعيش الشعراء معظم حياتهم وهم ينتظرون شيئاً، حقيقة مخفية قد لا تتجلّى، إلاّ عندما تنطلق فجأة حقيقة محددة أخرى وتسبب تفاعلاً ما. وقد يتمكن بعض الشعراء، المحظوظين والعظماء خاصة، من نقل قصّة كاملة أحياناً في سطر واحد، أو في صورة، أو في قصيدة. ولا يزال قول بول سيلان يفتنني ويحيرني كثيراً: “إن حديثنا عن العدالة يظل خاوياً إلى أن ترتطم أضخم سفينة حربية بجبهة رجل يغرق”. على نحو ما، فإن هذه العبارة تعبّر عن كلّ شيء: استحالة أن نكون من نحن، وإمكانية أن نصبح ما نستطيع أن نكون.
لقد أصابت جيرترود شتاين عندما قالت: “يجب أن يكون لدى كاتب بلدان اثنان، بلد ينتمي إليه، وبلد يعيش فيه فعلاً. ويكون البلد الثاني رومانسياً، منفصلاً عنه، ليس حقيقياً، لكنّه موجود حقاً… وبالطبع يكتشف الناس أحياناً بلدهم كأنه هو البلد الآخر. “لو كان هناك تعريف حقيقي للمنفى، فهذا هو. وأنا أقصد المنفى الأبدي، من دون عاطفة الحنين إلى العودة (لأنه لا توجد عودة في واقع الحال: “لا يمكنك أن تخوض في النهر نفسه مرّتين”) فعندما تصبح مهاجراً، مهاجراً أبدياً، لا يمكن عندها استعادة “الجنة” مطلقاً.
تروى حكاية تُنسب إلى الرومي، تقول: ” ذهب رجل إلى بيت الحبيب وقرع الباب، فتناهى إليه صوت من الداخل يسأله: من بالباب؟ فأجاب الرجل، أنا؛ فقال الصوت: “لا أظن أن هذا البيت كبير بما يكفي ليسعنا نحن الاثنين، وظل الباب مغلقاً. فعاد الرجل أدراجه والحيرة والاضطراب يملآن قلبه، وراح يفكّر في تلك الكلمات، ويتأمّل في معانيها الخفية. وبعد سنة من العيش في خلوة، حرم فيها نفسه من أبسط متع الحياة، قرّر أخيراً أن يعود إلى بيت محبوبه وقرع الباب، فسأله نفس الصوت من الداخل: من بالباب؟ فأجاب الرجل، أنتَ، فُفتح له الباب. بالطبع، يتعين على الصوفي أن يمرّ في سلسلة كاملة من التمارين الروحية الصارمة حتى يُفتح له الباب ويدخل إلى بيت الحبيب الذي يدعوه الصوفيون الله. ومهما كان الأمر، فإن مهمّة الشاعر الذي لا تتجاوز أدواته الكلمات، مهمة مختلفة، إذ يظل الباب موصداً دونه حتى ينجح، بالتفاني التام، في اختراق لغز اللغة نفسها. وبما أن الفنّ طويل والحياة قصيرة، كما قال هوراس، فلم يتمكن أي شاعر بمفرده أن ينجز هذه المهمّة الهائلة بالكامل، حتى أعظم الشعراء. إن ما يحدث هو أن كلّ شاعر، على مرّ التاريخ، بوعي منه أم من دون وعي، يتابع العمل الذي حققه الشعراء الذين سبقوه، شيء أشبه بقصيدة لانهائية تمتدّ حتى الخلود، أو إلى الأبد.
كتب تشيسواف ميوش قصيدة تعبّر عن هذا الأمر تماماً، وهي تتحدث عن الشعراء الجوالين المدهشين على مرّ العصور، الذين يشكلون عادة فرقة من عدة أشخاص يختارون أسلوبهم، وينحون إلى قول الحقيقة – عادة ما يكون ذلك بأسلوب خيالي، وأحياناً بطريقة طفولية. ويتجنبهم المجتمع الذي يهاجمونه، وهم يقفون دائماً إلى جانب الضعفاء والمضطهدين، ويمتدحون زهرة أو براءة طفل أو جمال امرأة. ومع أن الشعراء قد يطعنون منافساً لهم في الظهر بدافع الغيرة الحسد، فقد كتب ميوش، أن أحدهم سيظل يترجم الآخر إلى لغته لأنهم يعرفون إنهم يفعلون ذلك جميعاً. وفي النهاية، فهم الذين اختاروا بين “كمال الحياة أو العمل”، كما ذكر ييتس في قصيدته “الاختيار”. وبنفس الأسلوب، كرر بورخيس في مقاله المعنون “وردة كوليردج” فكرة مشابهة بأن جميع الشعراء يسهبون في ذات الملحمة القديمة، التي تشكّل كلّ قصيدة جزءاً منها.



لقد أُعجبت كثيراً بقصيدة ميوش، ومن شدة إعجابي بها ترجمتها إلى اللغة العربية، ونُشرت في إحدى الصحف العربية في لندن، عندما كان من المزمع أن يقدم الحائز على جائزة نوبل قراءة في مهرجان لندن الدولي للشعر عام 1998. وقد أُعجب الشاعر العظيم بشكل الأحرف العربية عندما أريته القصيدة، وسألني بحماسة شديدة ما هي تلك القصيدة، فقلت إنها قصيدة “تقرير” التي كان من الواضح أنها موجّهة إلى الله، أو إلى كيان يدعى “العَلِيّ”، فابتسم ميوش، وقال: “نعم، بالطبع″. وأضاف “أتعرف، لقد بعثت إليه عدة تقارير على مدى السنوات، لكنّه لم يجبني قط”. فلم أتمالك نفسي من القول للشاعر العظيم: “من يعرف، لعلّه سيفعل ذات يوم”. في ذلك الوقت، كان ميوش في السابعة والثمانين من العمر، وكان لا يزال قويّ البنية ويقظاً بالنسبة لعمره. كان من الرائع، وهذا أقل ما يمكن أن يقال، أن أقف في حضور هذا الشاعر العظيم. كان يوجد هنا شاهد حقيقي على العصر، رجل عاصر الحرب والجنون ورأى حضارة كاملة تُدَّمر، ومن خلال حبّه للشعر وشغفه به، عاش ليروي الحكاية.

سركون بولص
سان فرانسيسكو، نيسان (أبريل) 2007
ترجمة عن الانكليزية: خالد الجبيلي
عن موقع كيكا

1– غالب من الشعراء المهمين الذين يكتبون باللغة الأردية في القرن التاسع عشر، وقد اشتهر بكتابة الغزليات، أو قصائد الغزل، التي نشرت في الترجمة الإنكليزية بعنوان “سوناتات غالب الغزلية” (2002).
*- هذه المقالة نشرت في مجموعة سركون بولص الشعرية “شاحذ السكاكين” الشعرية الصادرة بالانكليزية Knife Sharpener عن منشورات بانيبال.

 

حَـفْـر

بين إصبعي وإبهامي
يرتاحُ القلمُ الرّبْعة؛ لابقاً مثل مسدس.
تحت نافذتي، صوتٌ نظيفٌ سافعٌ
عندما يغوصُ الرَّفشُ في الأرض الحَصِبة:
إنه أبي، يحفرُ. أنظرُ الى الأسفل حتى أرى
عجيزته تنحني بين مشاتل الأزهار
وتعتدل عبرَ عشرين عام
عاكفةً بايقاع بين أثلام البطاطس
حيث كان يحفرُ.
جزمتهُ الخشنة، على عُروة الرفش،
والعمودَ تلقاءَ باطن الركبة، مُستكنّة،
ومصوَّبةٌ باحكام.
كان يقتلع الأرؤسَ الطويلة، يدفنُ الحافّة البرّاقة
عميقاً ليبعثر بطاطسَ جديدة اقتطفناها
عاشقين صلابتها الباردة بين أيدينا.
كان العجوزُ، وربّي، ماهراً في الاشتغال بالرفش.
تماما مثل أبيه العجوز.
كان بامكان جدّي أن يجزّ من السَّرخَس في نهار واحد
أكثرَ من أيّ رجل آخر في مستنقع “تونر”.
ذات مرة حملتُ اليه الحليب في قنينة
لها سدّادة غير مُحكمة، من ورق. استقامَ
لكي يشرب، وبعد ذلك انهمكَ لفوره
ينخسُ ويقطّع، بملاسة. يطَّرحُ الأتربة
بحثاً عن الخَثَّ. حافراً.
إن شذى عطَن البطاطس البارد، والتَخافُق النَّسغيّ
للخثّ اللَّزج، والجزَّ القاطع لحافّة الشفرة
خلال الجذور، كلُّ هذا يستيقظُ في رأسي.
لكنني لا أملكُ رفشاً لأتبع رجالا مثلهم.
بين إصبعي وإبهامي
يرتاحُ القلمُ الرّبعة.
سأحفرُ به.

عرّافة

تحرّكَ لساني، مصراعاً مؤرجَحاً، يرتاح.
قلتُ لها، “ماذا سيحدثُ لنا؟”
وكما قد يهتزُّ ماءٌ منسيٌّ في بئر
على وقع انفجارٍ في الصباح
أو يتسلّق صِدْعٌ بُرجاً
بدأت بالكلام.
«أخالُ أن شكلنا بذاته محكومٌ عليه
بالتحوُّل. كلابٌ في حصارٍ. نِمالٌ. انتكاسُ عُظاءات.
ما لم يجد الغفران عَصَبهُ وصوته،
ما لم تخضرّ الشجرة المخوَّذة والنازفة
وتفتح براعمها كقبضات الرُضَّع
ويُفقّس الثُفْلُ المقـذَّر
حوريّات وضيئات… شعبي يفكّرُ بالمال
ويتكلمُ عن المنافع. حفّارات النفط تُهدِّدُ مستقبلهُم
على فروعٍ مُفردةٍ، جشعة. الصمتُ
فاضَ، في لقّاطات الصدى، في قوارب الصيد.
الأرضُ التي ألصقنا بها أُذنَنا لهذا المدى الطويل
مسلوخةٌ ومُشرَّجة، وأحشاؤها
فُسطاطُ نبوءةٍ عاقّة.
جزيرتنا ملأى بضوضاءٍ لا تبعثُ على الراحة”.

قُطاف العُلَّيق

في أواخر آب، كانت ثمارُ العُلّيق تنضجُ
ماتحةَ لأسبوعٍ كاملٍ، من المطر الغزير والشمس.
أولاً، واحدةٌ فقط، كتلةٌ بنفسجية لمّاعة
بين الأُخَر، حمراءُ، خضراء، صلبةٌ مثل عِقْدة.
كنتَ تأكلُ تلك الأولى، وكان لحمها حلوَ المذاق
كخمرةٍ متكثِّفة: كان فيها دمُ الصيف
يتركُ لُطَخاً على اللسان، وشهوةً
للقُطاف. ثم كانت الحمراءُ منها تتحبَّر، وذلك الجوع
يبعثُ بنا حاملين صفائحَ الحليب، عُلَب اللوبياء، والمُربّى
الى حيث تخدّشنا الأشواك، وتغسلُ جزماتنا الأعشابُ
النديّة.
حوالى حقول التَّبْن، والقمح، وأثلام البطاطس
كنّا نسرحُ ونقطفُ حتى تمتلئ العُلَب،
حتى تغطي الثمار الخضراءُ قيعانَها المُرنّة،
وفوقها طُفوحٌ قاتمةٌ كبيرة تتّـقِدُ
مثل صُحفةٍ من عيون. كانت أيدينا مُفَلْفَلةً
بنخسات الشوك، وراحاتنا لزجة “كراحتي” اللحية
الزرقاء
الثمارُ الطازجة كنزناها في الزريبة.
لكن عندما كان المغطسُ قد امتلأ، وجدنا فراءً،
أُشنةً رمادية مثل فأر، تطفحُ فوق ذخيرتنا.
والعصيرُ كان مُنتناً أيضاً. ما إن كانت الفاكهة
تُقطفُ من الشجرة، حتى تتخمّر، حتى يتحمّض اللحم
الحلو.
كنتُ دائماً أشعرُ برغبةٍ في البكاء. لم يكن من العدل
أن يفوحَ كلُّ ما تحتويه العُلبُ، بالنتانة.
في كل سنة، كنتُ آملُ أن تبقى كما هي، وأعرفُ
أن ذلك لن يكون.

شَرْبةُ ماء

كانت في كلّ صباح تأتي لتسحب الماء
كخفّاشة عجوز تترنّح عبر الحقل:
سُعال المضخّة الديكي، قرقعةُ السَّطْل العالية
وتلاشيها البطيء إذ يمتلئ،
كان يُعلن عنها. إنني أذكر
مريلتها البيضاء، المينا البيضاء المجدورة
لِسَطَلها الطافح، والصريف العالي
لصوتها، كمقبض المضخَة.
في الليالي التي يرتفعُ فيها القمر
عبرَ جَمَلونِ بيتها، كان يعودُ لينحدر
خلال شبّاكها، ويرسبُ في الماء الموضوع على المائدة.
حيث غرفتُ منه لأشرب ثانيةً،
لأكون مخلصاً للوصيّة المنقوشة على كأسها،
«تذكّر العاطي”، باهتة على شفة الكأس