الصفحات

hh

hh

تتتت

تتتت
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

بحث

السبت، 25 يونيو 2016

الدكتور محمّد الحجيريّ:مُختصرٌ حَوْلَ تاريخِ عِلْمِ الجَبْرِ في التُراثِ العِلْميِّ العربِيِّ

مُختصرٌ حَوْلَ تاريخِ عِلْمِ الجَبْرِ في التُراثِ العِلْميِّ العربِيِّ ما بين الخوارزمي وشرف الدين الطوسي

أهدي هذه المقالة إلى طلابي بمناسبة إنهاء العام الدراسي
1- مُقدِّمة
تاريخُ الرِياضيّات علمٌ حديثُ العَهْدِ، ويَرمي هذا العلمُ إلى تلمُّسِ، واكتِشافِ، وتقصّي، ودراسةِ القوانينِ المعرفيّةِ العامّةِ والخاصّةِ الّتي تحكمُ تكوُّنَ وتطوُّرَ مفاهيمِ ومقولات العلومِ الرياضيّةِ البنيويّة وتبلورَها عَبْرَ الزمانِ والمكان، وذلك بِمَعزِلٍ عن ذاتيّة الـمُبدعين فيها أو جنسيّتهم، وذلك أنّ الحقيقةَ الرياضيّةَ - كَسِواها من المعارفِ العلميّة الأُخْرَى - موضوعيّةٌ، أي أنّها مُستقلةٌ عن آراءِ الناس فيها لأنّها انعكاسٌ تاريخيٌّ لا رَيْبَ فيه لحقيقةِ القوانينِ الطبيعيّة الّتي تسودُ الوجودَ باستقلاليّةٍ مُطلقةٍ عن إدراكِنا إيّاها. ووَفْقَ نتائجِ البحوثِ الابيستيمولوجيّة المتوفّرة، تُمثّل المعارفُ الرياضيّةُ - على غرارِ ما تُمَثّلُهُ المعارفُ العلميّةُ الأُخْرَى - تراثاً إنسانيّاً شموليّاً يتعدّى حدودَ اللّونِ والجنسِ والقوميّةِ والدينِ والزمانِ والمكان. ويكادُ تاريخُ التراثِ العلميّ يختصِر الحضارةَ الإنسانيّةَ بِرُمّتِها، لأنّ قوانينَ العلم (أي نِتاج الفكرِ العلميِّ) هي الصورةُ التاريخيّةُ الـمُجسِّدةُ للقوانينِ الطبيعيّةِ الملموسة الّتي يفرضُ الواقعُ الملموسُ على الكائنات العاقلةِ ضرورةَ التعايُشِ معها، ولزومَ فهمِها وتفسيرِها بُغْيَةَ تيسيرِ سُبُلِ العيش والاستمرارِ في الحياة بِحُرِيّة، أي بانسجامٍ مع مُقتضيات نواميسِ الطبيعة. ومن الجديرِ بالذكر أنّ الرِياضيّات، فضلاً عن كونها عِلماً، فإنّها لُغةٌ شموليّةٌ صالحةٌ للتعبيرِ عن القوانينِ العلميّة ونَمْذَجَتِها. و لذلك يقعُ تاريخُها في تقاطعٍ كبيرٍ مع شَتّى فروعِ العلوم الأُخْرَى، ويوفّر هذا الأمرُ إمكانيّةً حقيقيّةً لتعميمِ نتائجِ دراسةِ تاريخِ الرِياضيّات على مجالاتٍ علميّةٍ متعدّدة.
إنّ الوصولَ إلى الحقيقةِ العلميّة مَشروطٌ قبلَ كلِّ شيءٍ بحاجةِ الناسِ (بالمعنى الشُموليِّ للكلمةِ) إلى هذه الحقيقة، وقد يحصُل ذلك "الوصولُ" بفارقٍ ملحوظٍ في الزمن، ولا ريب أنّ لهذا الفارقِ أسبابُه الذاتيّةُ البحتة، ووجودُ هذا الفارقِ غيرُ كافٍ لدحض علاقةِ العِلّةِ الشرطيّة القائمةِ بين الضرورة والاكتشاف الّتي تُثبتُها تجربةُ البشريّةِ المستمرّةُ تراكُميّاً يوماً بعد يوم، حيث تَتَبدّى الممارسةُ العمليّةُ كمِحكٍّ لصدقيّة هذه العلاقة. ولكن، قد تتوفّرُ أحياناً ظروفٌ ذاتيّةٌ ملائمةٌ لتسريعِ عَجَلَةِ التطوّر العلميّ الّذي يبقى على الرّغم من هذا أمراً موضوعيّاً في المقام الأوّل، مرتبطاً بشكلٍ أكيد بالبُنية الاقتصاديّة-الإنتاجيّة-الاجتماعيّة لكلِّ أمّة، وخاضعاً لمبدأ الاستمراريّة المعرفيّة التاريخيّة.
على عكس ما كان سائداً منذ فترةٍ قصيرةٍ لا تتعدّى عشرات السنين، تُشير غالبيّةُ نتائجِ تحقيقِ المخطوطات العلميّةِ العربيّة ودراستِها، على يد عددٍ كبير من الباحثين العرب والـمُستشرقين، لتُؤكّدَ أنّ لِعلماء الحقبةِ العربيّة دورهم الذاتيّ الكبير، ليس في تطوير العلم وتثبيت بُناه النظريّة فحسب، بل أيضاً في تسريعِ عمليّةِ التطوّر العلميّ. فبغضّ النظرِ عن ظروف الضرورة الموضوعيّة، والاستمراريّة التاريخيّة للتطوّر العلميّ في الحقبة العربيّة الّتي استمرّت ستةَ قرونٍ (من القرن التاسع حتى القرن الخامس عشر)، على رقعةٍ جغرافيّة امتدّت من حدود الصين إلى إسبانيا، فقد توفّرت ظروفٌ ذاتيّةٌ ملائمةٌ، مرتبطةٌ بأرضيّةٍ خصبةٍ لها أبعادُها الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة المؤثّرة في تسريع عجلة البحث العلميّ. ونُشير هنا إلى أنّ ما انتَهَجَهُ بعضُ الفلاسفة والمؤرخين من تسليمٍ بحقيقةِ "الحداثة الكلاسيكيّة" بِمَعْزِلٍ عمّا سبقَ هذه الحداثةَ المزعومةَ من معارفَ علميّةٍ في الحقبة العربيّة، قد ثَبُتَ بطلانُه بالملموسِ من خلال النصوص المخطوطيّة العربيّة تحديداً. وتؤكّد نتائج النصوص العلميّة المخطوطيّة المحقّقة التي تعود إلى الحقبة العربية أنّ "الحداثة الكلاسيكيّة" قد بدأت في الحقيقة مع علماء التقليد العربيّ، وارتبطت بعَقْلانيّة يُسَمّيها رشدي راشد "عَقْلانيّةَ الجبر والتجريب"، ويكتب بهذا المعنى: "وهذه العَقْلانيّةُ الجديدة الّتي يُمكن على سبيل الإيجاز أن نسمّيَها عَقْلانيّةً تعتمدُ على علم الجبر وعلى التجريب، هي الّتي تُمَيِّزُ الحداثةَ الكلاسيكيّة. وهذه العَقْلانيّة، كما ذكرنا، قد تأسّست فيما بين القرن التاسع والقرن الثاني عشر على أيدي علماءَ تمتدُّ المسافات بينهم من إسبانيا الإسلامية إلى بلاد الصين، وكانوا جميعهم يكتبون باللّغة العربيّة. وقد بدأ العلماءُ في تبنّي العَقْلانيّةَ الجديدةَ في مطلع القرن الثاني عشر. وسوف يخرجُ إلى الوجود مع بداية القرن السادس عشر تنقيحٌ جديدٌ لهذه العَقْلانيّة يُضفي عليها أسبابَ الكمال. ولذلك فلا بدّ لكلّ من يرمي إلى تَلَمّسِ حقيقة الحداثة الكلاسيكيّة أن يصرفَ النظرَ عن فكرةِ المؤرخين في تقسيمهم تاريخَ البشرية إلى فتراتٍ أو حِقَبٍ منعزلة. ذلك أنّ تلك الفتراتِ أو الحِقبَ تقومُ على روابطَ عارضةٍ بين أحداثِ التاريخ الأدبيّ والدينيّ والسياسيّ لعصر النهضة والأحداثِ الّتي وقعت في مجال العلم، وعليه عِوَضاً عن ذلك أن يتلمّسَ طريقَ الحقيقةِ، ويتركَ جانباً الخرافاتِ والأساطيرَ.."
2- المَنْحَى التاريخيّ لتطوّر علم الجبر في الشرق العربيّ
يهدف بحثُنا هذا إلى استعراضٍ جُزئيٍّ مبسّطٍ وسريعٍ للمسار "النظريّ - المعرفيّ" الّذي يُمثّلُهُ تطوّرُ علم الجبر - وتحديداً في نظريّة المعادلات - في الحقبة العربيّةِ وإلى رصدِ فروعه وتشعّباتِه.
كتب نقولا. فارس في كلمةِ الـمُترجم المكرّسةِ لكتاب الجبر والهندسة في القرن الثاني عشر، مؤلفات شرف الدين الطوسيّ: "يقدِّمُ الكاتبُ (أي رُشْدي راشِد) رسماً للمنحى الهندسيّ لتطوّر الجبر بَدءاً بالخوارزميّ (787-850) والماهانيّ (..-880) والخازن (…- 961)، والبيرونيّ (973-1050) وأبي نصرٍ بن عراق…، ويتوقفُ عند القِمّة في تطوّر هذا المنحى الّتي تشكّلُها الأعمالُ الجبريّةُ لعمر الخيّام (1048-1131) الّتي سبق وأن خصّص لها كتاباً نجد فيه تحقيقاً لنصوصها مع دراسةٍ وتعليق. ثم يعرض لوسائل الطوسيّ الهندسيّة الّتي يرتكز فيها إلى ما بدأه الخيّام والّتي تتميّز عن وسائلِ الخيّامِ بكونها تستخدمُ مفاهيمَ تحليليّةً استدعتها عند الطوسيِّ مسألةُ وجودِ الجذور لبعضِ المعادلات المدروسة".
ومن الجدير بالذكر أنّه قد سبق لرُشْدي راشِد أن قدّمَ المنحى الحسابيّ لتطوّر الجبر في مؤلَّفِه تاريخ الرِياضيّات العربية: بين الجبر والحساب. ويكتبُ في مقدِّمة هذا الكتاب: "إنّ فهمَ الرِياضيّات الكلاسيكيّة وبخاصةٍ تلك المكتوبة بالعربيّة، هو قبل كلّ شيءٍ تحديدُ موقِعنا بين الجبر والحساب من جهة، وبين الجبر والهندسة من جهةٍ أُخْرَى. إنّ هذا المنظورَ وحده هو الّذي مكّننا في الواقع من وَعْيِ الدور الأساسيِّ والجذريِّ الجدّةِ للجبر في تكوين عَقْلانية الرِياضيّات. ولكن، بفضل هذا الموقعِ أصبحنا أيضاً بوضعٍ يسمحُ لنا أن نتلمّس حركةَ إعادةِ ترتيب هذه النُظُمِ وبنائها أحدها بالآخرِ أو بعبارةٍ أُخْرَى أن نرى جدليّةً تقومُ بين الحساب والجبر وبين الهندسة والجبر". نرى أنّ تطوّرَ الجبر في الشرق العربيّ قد تحرّك في اتجاهين رئيسيّين وهما: الجبر الحسابيّ والجبر الهندسيّ، ولكننّا لن نخوضَ في تفاصيل هذا الأمرِ، وسنكتفي بتناولِ التطوّر المتعلّق بنظريّة المعادلات.
2-1 ظهورُ علم الجبر ومُؤلَّفُ الخوارزميّ (787 - 850) – الكتاب الـمُختصَر في حساب الجبر والمقابلة
يُعتبرُ تشكُّلُ المفهومِ الرياضيِّ المجرّدِ قفزةً نوعيّةً تاريخيّةً فاصلةً بين المستوى الحدسيّ التجريبيّ والمستوى النظريّ المجرّد، فإدراكُ "مقدارٍ فعليٍّ معيّنٍ" يختلفُ نوعياً عن إدراكِ مفهومِ "مُتَغَيِّرٍ ما في مجموعةِ المقادير". وحلُّ "معادلةٍ جبريّةٍ مُعيّنةٍ" من الدرجة الثانية يختلفُ نوعيّاً أيضاً عن مسألةِ البحث عن حلِّ "المعادلةِ الجبريّة من الدرجة الثانية بشكلها المجرّد العامّ"، وإعطاءُ برهانٍ لِ‍ "مسألةٍ هندسيّةٍ معيّنةٍ" يتباينُ نوعيّاً مع بناء نظريّةٍ شموليّةٍ قادرةٍ على حلِّ جملةٍ من المسائل الهندسيّة دفعةً واحدةً. إنّ تَكَوُّنَ مفهومِ "الأصابع الخمس" قد سبق بزمنٍ طويلٍ – وهذا لاشكّ فيه - تكوّنَ مفهومِ العدد "خمسة"، وكذلك الأمرُ، فإنّ تَكَوُّنَ مفهومِ "شجرة الّتين" قد سبق بزمنٍ طويلٍ تَكَوُّنَ مفهومِ "الشجرة" بالمعنى الشموليّ للكلمة. ومن البديهيّ أن تُمَثِّلَ ظاهرةُ الانتقال من "المفهوم الحسيِّ الملموس" إلى "المفهوم المجرّد" - من حيثُ الأبعاد المعرفيّة – قفزةً نوعيّةً في مسيرة التطوّر العلميّ، ولكنّ تبلورَ هذه القفزة النوعيّة قد يستغرقُ ألوف السنين. إنّ المفاهيمَ المجرّدة هي اللّبناتُ الأساسيّةُ الّتي تُبنى منها الاستدلالاتُ وأشكالُ التفكير في مستواها النظريّ، وذلك بواسطة لغةٍ نظريّةٍ خاصّةٍ تلعب دور الجسد الّذي يحمل هذه المفاهيم. أما تَكَوُّنُ النظريّات الرياضيّة (أي النماذج النظريّة) فهو أمرٌ اكثرُ تعقيداً بكثير من تَكَوُّنِ المفاهيم الرياضيّة المجرّدة، وهو يتطلّب أُسْوَةً بالمفاهيم المجرّدة لغةً خاصّةً موسّعةً (ما وراء اللّغة) قادرةً، ليس على حملِ الاستدلالات فحسب، بل على جعل التعاطي معها و"تحريكها" أمراً سهلاً ومُمكناً. ولـمّا كانت الرِياضيّاتُ علماً يتناولُ دراسةَ الأشكال الفضائيّة والعلاقات الكميّة في الواقع الموضوعيّ، فقد تجسّدت ملامحُ الشقّ الأوّل من هذا التحديد المعرفيّ بظهورٍ تاريخيٍّ للهندسة الإقليديّة كنموذجٍ رياضيٍّ للأشكال الفضائيّة، حيث تكوّنت المفاهيمُ المجرّدة في هذا العلم تباعاً وفي فترةٍ تاريخيّةٍ مديدةٍ ساهمت فيها التقاليدُ المختلفة. وتبلورت بشكل نظريّةٍ مكتملةٍ - وذلك بكلّ ما لكلمة نظريّة على المستوى النظريّ من معنى - عند إقليدس في كتاب الأصول. أما الشقُّ الثاني للتحديد، أي الشقّ المتعلّق بالعلاقات الكميّة، فقد لَقِيَ تطوّراً نوعيّاً في تبلوره، وعلى المستوى النظريّ الأكيد، لدى الخوارزميّ الّذي أرسى أُسُس علمٍ جديدٍ بمفاهيمه ومنهجيّتِهِ وأهدافه، وقدرته الشموليّة الكامنة على نَمْذَجة مجموعةٍ ضخمةٍ من العلاقات الكميّة لظواهر وأشياء الواقع المحسوس. ومن الطبيعيّ أن تتفاوتَ المفاهيمُ المجرّدةُ فيما بينها، من حيث صعوبةِ أو سهولةِ إدراكِها ومن حيث الوصول إليها. فمفهوما الدائرةِ والمستقيم، مثلا،ً أبسطُ نسبيّاً من مفهومِ "الجذر" (بالمعنى الّذي ورد فيه في جبر الخوارزميّ وتطوّرِه اللاّحق)، وذلك لارتباطهما المباشر بالواقع الملموس، فالدائرةُ تجريدٌ مباشرٌ لقرص الشمس والقمر، والخطُّ المستقيمُ تجريدٌ لاستقامةِ الخيط المشدودِ من طرفَيْه، ويترك هذا الأمرُ - لا ريب في ذلك - تأثيرَه في مجال أسبقيّةِ تَكَوُّنِ النظريّات العلميّة، وهذا بالفعل ما نراه: فلقد تبلورت نظريّةُ الهندسة الإقليديّة قبل ظهور علم الجبر بعدّة قرون.
إن الإشكاليات ذات الطابع المعرفيّ - المنطقيّ الّتي تواكبُ بناءَ النظريّة الرياضيّة لا تنتهي في مرحلة معيّنة من تطوّر هذه النظريّة، فمسائلُ الاكتمالِ وعدم التناقض وأساليبُ التأويل تُشكّلُ أموراً مُلازمةً لكلّ نظريّةٍ رياضيّة. وبغضّ النظر عن الضرورات الّتي تفرض علينا الاستعانةَ بأساليب من خارج النظريّة، نستطيع الجزمَ بأنّه يُوجد: 
1- ميلٌ موضوعيٌّ (مستقلٌّ عن المسائل الـمُنفصلة وعن إرادة الباحث) إلى تطوير النظريّة الرياضيّة، وهذا الأمر يأتي كردٍ لا مفرّ منه على مسألة الاكتمال المنطقيّ. وفي هذه الحالة تُضافُ إلى النظريّة الرياضيّة موضوعاتٌ جديدةٌ مأخوذةٌ من مكانٍ آخر (من نظريّةٍ ثانية). تُوسّعُ هذه الموضوعاتُ النظريّةَ القديمةَ، فيظهرُ عندنا بناءٌ نظريٌّ جديدٌ أغْنَى من البناءِ الّذي امتلكته النظريّةُ الأُولى.
2- ميلٌ موضوعيٌّ لاستبعادِ "التناقض المنطقيّ"، الأمرُ الّذي يدفعنا بالضرورة للتثبُّت من خُلُوِّ النظريّة الرياضيّة من التناقض وذلك عَبْرَ تأويلها بواسطة نظريّةٍ رياضيّةٍ أُخْرَى "غيرِ مشكوكٍ فيها".وتكتسب تقنيّةُ التأويل هذه أهميةً بالغةً لأنّها تُفسح المجالَ أمام الانتقالِ من نموذجٍ رياضيٍّ إلى نموذجٍ آخر، بحُجّة التطابقِ الناتجِ عن علاقة التأويل. ويقول أحدُ الرياضيّين في هذا الشأن: "الرِياضيّات فنٌّ يقتصرُ على إعطاء اسمٍ واحدٍ لشيئين مختلفين".
نرى أنّ "دمجَ" النظريّات الرياضيّة وتداخلَها فيما بينها أمورٌ موضوعيّةٌ، تفرِضُها دوافعُ كامنةٌ لها صِلةٌ مباشرةٌ بمقولَتَي الاكتِمالِ النظريّ وعدمِ التناقض. وهذا ما حدث بالفعل بين الهندسة الإقليديّة وجبر الخوارزميّ، وبين طُرُق الاستنفاد – أي بذور الطُرُق التحليليّة – (أودوكس - أرشميدس) والهندسة الإقليديّة، وبين هذه النظريّات كلِّها مُجتمِعةً (في أعمال شرف الدين الطوسيّ).
بين عامَي 813 و 833 أي في عهد المأمون كتب محمّدٌ بنُ موسى الخوارزميّ (787 - 850) في بغداد، مؤلَّفَه الشهير الكتاب المختصر في الجبر والمقابلة. ولأوّل مرةٍ في التاريخ صيغت الكلمةُ "جبر" وظهرت تحت عنوانٍ يُدَلُّ به على علمٍ لم تتأكّد استقلاليتُه بالإسم الّذي خُصّ به فحسب، بل ترسّخ كذلك مع تصوّرٍ لمفرداتٍ تقنيّةٍ جديدةٍ مُعدّةٍ للدلالةِ على الأشياءِ والعمليّات. كان الحدثُ بالغَ الأهميّةِ، وقد اعترف بأهميّته هذه المؤرخون القدماء والمحدثون على السواء، كما لم تخفَ أهميّتُه على رياضيّي تلك الحقبة، إذ لم يتأخّرِ الرياضيّون حتّى أثناء حياة الخوارزميّ، فضلاً عمّن جاء بعده، في شرحِ وتفسير كتابه. وسنكتفي بذكر أسماء بعض من أتوا مباشرةً بعده، ومنهم: عبد الحميد بن ترك، ثابت بن قرّة، الصيداني، سنان بن الفتح، أبو كامل (850-933م.)، أبو الوفاء البوزجاني. ونفهمُ دون عناء أن بين هؤلاء الشارحين من كان ذا مُساهماتٍ أساسيّة في تأسيس علم الجبر. 
إن أهمّ ما يميّز كتاب الخوارزميّ من وجهة النظر المعرفيّة - المنطقيّة يُختصرُ بما يلي:
1- إدخال الخوارزميّ لمفاهيم مجرّدةٍ جديدةٍ: "الجذر" أو "الشيء"؛ المال (مربع الشيء)...
2- إخضاع المفاهيم المجرّدة الّتي أُدخلت لعملياتٍ جبريّة تُعمّم العمليّاتِ الحسابيّةَ المعروفة على المقادير والأعداد.
3- الطرح الشموليُّ لأهداف هذا العلم بشكلٍ عمليّ، عَبْرَ تصنيّف المعادلات الجبريّة من الدرجة الثانية والأولى إلى ستّة أصنافٍ، وإعطاء خوارزميّات الحلول لهذه المعادلات. وبذلك يكون الخوارزميّ قد أعطى نموذجاً رِياضيّا مُبتكراً، لم يذكرْه أحدٌ من سابقيه، ويمتلكُ كلَّ مواصفات النظريّة الرياضيّة من حيث اللّغة الخاصّة وقواعد العلاقات الّتي تربط كائنات هذا النموذج فيما بينها.
ملاحظات عن كتاب الخوارزميّ:
أ‌- بغضِّ النظر عمّا يحتويه كتاب الخوارزميّ من حلولٍ للمعادلات وحساباتٍ وبراهينَ مبتكرةٍ، تتمحور أهميّتُه الكُبرى حول منهجيّته النظريّة الموحّدة، والهادفة إلى حلّ مجموعةٍ ضخمةٍ من المسائل باستخدام هذه المنهجيّة النظريّة. (وهذه هي السِمة الأساسيّة للنظريّات العلميّة، حيث يُفترض بالنظريّة العلميّة أن تفسّر مجموعةً ضخمةً من الظواهر استناداً إلى مجموعةٍ من القوانين النظريّة المترابطة). يقول الخوارزميّ بهذا الصدد: "...توفير كتابٍ موجزٍ للناس يعالجون فيه مسائلهم الحسابيّة ومبادلاتهم التجاريّة، وميراثهم، ومسحَ أراضيهم". فهدفُ الخوارزميّ واضحٌ إذن لم يتصوّرْه أحدٌ من قبله، وهو بناءُ نظريّةٍ للمعادلات الّتي تُحَلُّ بالجذور والّتي يُمكن أن تُرَدَّ إليها مسائلُ الحسابِ والهندسةِ على السواء 
ب‌- أعطى الخوارزميُّ تعليلاتٍ هندسيّةً لحلوله الجبريّة "الخوارزميّة" المتعلّقة بالمعادلات من الدرجة الثانية ثلاثيّة الحدود، تُذَكِّرُنا بالكتاب الثاني لإقليدس. وتمتلك هذه "التعليلات الهندسيّة" أسبابَها ودوافعها المنطقيّة، وهي بالطبع ليست وليدة عفويّةٍ لدى الخوارزميّ في عرض بنائه الرياضيّ. ونستطيع أن نورد الفرضيّات التالية الّتي تصلُح أن تشكّل أسباباً ودوافعَ معقولةً لهذا الأمر:
1- من الـمُمكن أن يكون الخوارزميّ قد رمى من وراء ذلك إلى إظهار واختبار "شرعيّة" تطبيقه العمليّاتِ الحسابيّةَ على الكائناتِ الجبريّةِ المجرّدةِ الـمُدخَلة، مستعيناً بالأساليب الهندسيّةِ الّتي توفّرُ إمكانيّةً جيدةً للتصوّر الملموس. إضافةً إلى احتمالِ قيامه بذلك بُغْيَةَ المقارنة بين الأسلوبَيْن الجبريّ والهندسيّ، وصولاً إلى إظهار أفضليّة الأسلوب الأوّل. 
2- من الـمُمكن أن يكونَ الخوارزميُّ قد أراد "شَرْعَنَةَ" نظريّتِه (أي بلغةٍ حديثةٍ: برهان عدم تناقضها) وذلك عَبْرَ تأويلها هندسيّاً، أي بواسطة نظريّةٍ معروفةٍ آنذاك "لا يُشَكّ بها". وهذا الأمرُ مهمٌّ أيضا لأنّ تعميم العمليّات الجبريّة على مفاهيمَ نظريّةٍ مجرّدةٍ مُدخَلةٍ قد يبدو غيرَ اعتياديٍّ ويُثيرُ الشكوكَ حول خَرْقِ مبادئ المنطق، وفي طليعتها مبدأ الهويّة ومتطلباته.
3- من الـمُمكن أن يكون الخوارزميُّ قد هدف إلى "إظهار" استقلاليّةِ العمليات الجبريّةِ والنتائجِ المترتّبة عليها عن طبيعة الأشياء الّتي ترمز إليها (من أعدادٍ وأطوالٍ ومِساحاتٍ وحجوم)، وبِلُغةٍ أُخْرَى لربّما أراد الخوارزميُّ من خلال ذلك "تجريدَ المفاهيم الجبريّة" عن أصولها الملموسة، الهندسيّة وغيرها. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ عمل عمر الخيّام (1048-1131) نحا في الاتجاه نفسه، عند معالجته لوَحْدَة القياس، ولكنّه ذهب أبعد من ذلك.
ج- من الـمُلفت للنظر، أنّ الخوارزميّ يُدخلُ في لُغَةِ "جبره" مفهومَ "الشيء" و"المال"، علماً بأنّ هذا الأخير يَنْتُجُ عن "الشيء" بتطبيقِ العمليّات الجبريّة (الضرب)؛ ولا يَتَعَدّى الخوارزميُّ بتحديده ذلك، لإدخالِ مفهوم "الكعب" وما يليه من قِوَى أُخرى للمجهول. لا مكان هنا لمناقشة هذه التساؤلات ، ولكن، مهما كان التفسيرُ فإنّه أقلُّ من كافٍ لاعتبار "جبر" الخوارزميّ مجرّد نظريّةٍ على المستوى الحدسيّ، وذلك أن مواصفات هذا الجبر تبقيه، على الرّغم من كلّ شيءٍ، أقربَ بكثير إلى النظريّةِ على المستوى النظريّ الأوّليّ.
2-2 تطوّر الجبر في الشرق العربيّ حتّى الخيّام
جرى هذا التطوُّرُ كما سبق وأشرنا، على محورَيْن رئيسيّيْن: الجبر الحسابيّ و الجبر الهندسيّ. ومن الصعب هنا التوقّفُ عند كلِّ الرياضيّين الّذين اشتغلوا في هذا العلم، ولكنّنا سنحاول التوقّفَ قليلاً عند بعضهم:
نجد عند ابن ترك (القرن التاسع) نوعاً جديداً من البراهين الهندسيّة، وتحليلاً أشملَ لخوارزميّات حلِّ المعادلات من الدرجة الثانية. كما أنّنا نجد عند ثابتٍ بن قرّة (836-901) براهينَ لقواعدِ حلِّ المعادلات الرابعة والخامسة والسادسة، وَفْقَ تصنيف الخوارزميّ، وذلك استناداً إلى قضيّتَي إقليدس الخامسة والسادسة اللّتين وردتا في كتابه الثاني من الأصول. كما أعطى أبو بكرٍ الكرجيُّ (1010) حلولاً لمعادلات من درجات عُليا عَبْرَ ردّها إلى معادلاتٍ من الدرجة الثانية. وقد نال جبرُ المعادلات من الدرجة الثانية تطوّراً ملحوظاً في كتاب أبي كامل (850-930)، كتاب الجبر والمقابلة، حيث يُجري أبو كامل بسهولةٍ وبتقنيّةٍ عاليةٍ تحويلاتٍ مختلفةً على العبارات الجبريّة غيرِ الـمُنْطَقَةِ، وقد خلا كتابُه المذكور من التطبيقات الهندسيّة. وكان أبو كامل قد كرّس لهذه التطبيقات مؤلفاً خاصّاً، تُستعملُ فيه المعادلات الجبريّة من الدرجة الثانية، لحلِّ مسائلَ مختلفةٍ تتعلّقُ بحساب عناصرِ مُخمّس ومُعشّر الأضلاع الـمُنْتَظِمَيْن الـمُحاطَيْن أو الـمُحيطَيْن بدائرة. ونجدُ عند هذا الرياضيّ مثلاً مثيراً للاهتمام، حيث يُخْرَقُ مبدأُ التجانس الكلاسيكيّ، وحيث نرى بوضوحٍ أنّ المفاهيمَ الجبريّة مستمرةٌ بالتحرّر شيئاً فشيئاً من أصولها الهندسيّة، لتصِلَ إلى القمّةِ في ذلك عند الخيّام. ويتمحورُ المَثلُ المذكورُ حولَ حساب ارتفاع مثلّثٍ متساوي الأضلاع، بحيث يكون مجموعُ مساحتِه مع ارتفاعِه مساوياً لعشرة.
المعادلات من الدرجة الثالثة وما فوق
يقول عمر الخيّام في رسالتِه في الجبر والمقابلة: "إنّ أحدَ المعاني التعليميّة الـمُحتاج إليها في جُزءِ الحكمةِ المعروفِ بالرياضيّ هو صناعةُ الجبر والمقابلة، الموضوعةُ لاستخراج المجهولات العدديّةِ والمِساحيَّة، وإنّ فيها أصنافاً يُحتاجُ فيها إلى أصنافٍ من المقدّمات مُعتاصةً جداً، مُتعذِّرٌ حلُّها على اكثر الناظرين فيها. أمّا المتقدّمون فلم يصل إلينا منهم كلامٌ فيها، لَعَلَّهم لم يتفطنّوا لها بعدَ الطلب والنظر أو لم يَضْطََرَّ البحثُ إيّاهم إلى النظر فيها، أو لم يُنقل إلى لساننا كلامُهُم فيها. وأمّا المتأخرّون فقد عَنَّ للماهانيّ منهم تحليلُ المقدمِّةِ الّتي استعملها أرشميدسُ مسلّمةً في الشكل الرابع من المقالة الثانية من كتابه في الكرة والأسطوانةِ – بالجبر، فتأدّى إلى كِعابٍ وأموالٍ وأعدادٍ مُتَعَادلةٍ، فلم يتّفقْ له حلُّها بعدَ أن أفكر فيها مَليّا. فجزم القضاءَ بأنّه مُمتنعٌ، حتّى نَبَغَ أبو جعفر الخازن وحلّها بالقُطوع المخروطيّة، ثم افتقر بعده جماعةٌ من المهندسين إلى عِدّة أصنافٍ منها، فبعضهُم حلَّ البعضَ، وليس لواحدٍ منهم في تعديد أصنافها وتحصيل أنواع كلّ صنفٍ منها والبرهان عليه كلامٌ يُعتَدُّ به، إلا على صنفين سأذكرُهما. وإنّي، لم أزل، كنتُ شديدَ الحرص على تحقيق جميع أصنافها وتمييزِ الـمُمكن من الـمُمْتنع في أنواع كلّ صنفٍ ببراهينَ، لمعرفتي بأنّ الحاجة إليها في مشكلات المسائل ماسّةٌ جدّاً.."
نرى من كلام الخيّام، أن دراسة الماهانيّ (حوالى 880 م.) الجبريّة لمسألة أرشميدس حول قِسمةِ الكُرَة بواسطة مُسْتَوٍ إلى قسمَين مُتناسبَين بالحجوم بقدرٍ معلوم، قد شكّلت نقطةَ انطلاقٍ لدراسة المعادلات التكعيبيّة. ومن المعروف أنّ العلماء العرب لم يكونوا على اطّلاع على حلول هذه المسألة الّتي وردت عند أرشميدس ومن لحِقَه من علماء اليونان. لقد عبّر الماهانيّ عن المسألة (بلغةٍ جديدة، هي لغة الجبر: المعادلات) بمعادلةٍ جبريّة. تمكّن لاحقاً عدّةُ رياضيّين من القرن العاشر، ومنهم الخازن (القرن العاشر) وابن الهيثم ( 965- 1039) من إعطاء تركيبٍ هندسيٍّ للمجهول عَبْرَ تمثيله (بلغة اليوم) كإحداثيّةٍ سينيّةٍ لنقطة التقاء قَطعَيْن مخروطيَّيْن مُنتقَيَيْن بشكلٍ ملائم. ومعروفٌ الآن، أنّ هذه الطريقة تعودُ إلى التقليد اليونانيّ (لقد استُعملت على وجه المثل من قِبل أدوكس في مسألة إضعاف المكعّب). وفي القرن العاشر، ووفق ما ورد عند الخيّام، قد جرى التعبيرُ بمعادلاتٍ من درجاتٍ مرتفعةٍ عن عددٍ من مسائل الهندسة، والفيزياء، وعلم المثلّثات. ومن هذه المسائل مثلا: ً(1) مسألة تركيب قِطعةٍ كُرويّةٍ حيث يكون حجمُها أو مِساحتُها الكرويّةُ معلومين؛ (2) مسألة إثلاث الزاوية؛ (3) مسائل تركيب أضلاع مُخمّس ومُسبّع الأضلاع المنتظمَيْن… وتؤدّي كلُّ هذه المسائل، عند استعمالنا "لغةَ الخوارزميّ الجبريّة"، إلى ظهور معادلاتٍ من الدرجةِ الثالثة. وقد ظهرت معادلاتُ الدرجة الرابعة لأوّل مرةٍ في التاريخ في كتاب المناظر لابن الهيثم، فقد أدّت إلى ذلك محاولةُ ابنِ الهيثم تحديدَ مكانِ انعكاس نقطةٍ مضيئةٍ على مرآة أسطوانيّةِ الشكل، بحيث يكون موضِعا العينِ والنقطةِ المضيئةِ معلومَيْن. وقد حلّ ابنُ الهيثم هذه المعادلةَ بتقاطعِ قَطْعٍ زائدٍ ودائرة.
لقد بلغت النجاحاتُ الـمُحقّقةُ في مجال المعادلات التكعيبيّة حدّاً كبيراً. وقد فتحت هذه التراكماتُ من المعلوماتِ البابَ أمام إمكانيّة بناء نظريّةٍ مُعمِّمةٍ للنتائج الملموسة. وهذا ما قام به بالفعل عمر الخيّام.
2-3 المعادلات عند الخيّام (1048-1131) وخلفائه
لقد ظهر "الجبر" كعلمٍ مستقلٍ لأوّل مرّة عند الخيّام في رسالته الجبر والمقابلة، حيث يستعملُ الخيّامُ تعبيرَي "جبر" و"جبريّون" وكان قد سبقه إلى ذلك ثابتٌ بنُ قرّة (836-901). يُعْلِنُ الخيّامُ أنّ الجبر علمٌ يرمي إلى إيجاد القيمة المجهولة أو العدد المجهول المتعلّق بأعداد أو قِيم معلومة. وهو يكتب بهذا الصدد: "إنّ صناعة الجبر والمقابلة صناعةٌ علميّةٌ، موضوعُها العددُ الـمُطلقُ والمقاديرُ الممسوحةُ من حيثُ هي مجهولةٌ ومضافةٌ إلى شيءٍ معلومٍ به يُمكنُ استخراجُها، وذلك الشيءُ إما كميّةٌ وإما نسبةٌ، على وجهٍ لا يشاركُها فيه غيرُها ويَدُلُّك عليه تصفُّحُها". وتتمثّل العلاقةُ القائمةُ هنا بمعادلةٍ، أي بمساواةٍ بين مختلف قِوى المجهول. يَعتبرُ الخيّامُ وَفْقَ ذلك إذن الجبرَ عِلْمَ المعادلات الّذي نسمّيه اليوم "المعادلات الجبريّة". لم تُؤدّ بحوثُ الخيّام حول إيجاد الحلول العدديّة لمعادلات الدرجة الثالثة إلى نتيجة، ولكنّه أمِلَ أن يتحقّقَ ذلك بعده، فقد كتب: "أما البرهان على هذه الأصناف – إذا كان موضوعُ المسألة عدداً مطلقاً – فلا يُمكننا ولا لواحدٍ من أصحاب الصناعة، ولعلَّ غيرَنا ممّن يأتي بعدنا يعرفه، إلا في الثلاث المراتب الأولى وهي العدد والشيء والمال". وهذا ما تحقّق بالفعل على يد الرياضيين الإيطالييّن في بداية القرن السادس عشر. يُعلن الخيّامُ في الجبر والمقابلة عن طريقةٍ عامّة لتركيب الجذور، ترتكز على تقاطع القطوع المخروطيّة، حيث تُعطي الإحداثيّةُ الأفقيّةُ لِنقاط الالتقاء جذورَ المعادلات. ويُعطي الخيّامُ تصنيفاً لمعادلات الدرجة الثالثة مُكَوَّناً من أربعة عشر صنفاً، فضلاً عن الأصناف الّتي هي دون الدرجة الثالثة أو القابلة للردّ إلى معادلاتِ ما دون الدرجة الثالثة. يرتكزُ تصنيفُ الخيّام على معاملات المعادلات وتوزيع القِوى الجبريّة للمجهول في طرَفَي المعادلة. ويعيّن الخيّامُ في رسالته، لكلِّ صنفٍ من الأصناف المذكورة نوعَ القطوعِ المخروطيّة الملائمة والـمُكوَّنة من: القُطوع المخروطيّة الناقصة؛ القُطوع المخروطيّة الزائدة المتساوية الأضلاع؛ والدوائر. ومن ثَمّ يحدّدُ عددَ الجذور المعقولة وحدودَ الجذور الإيجابيّة الـمُمكنة.
لقد أدخل الخيّامُ مفهومَ وَحْدَةِ القياس بهدف حلِّ مسألة التجانس الّذي تفرضُه الأصولُ الهندسيّة للمقادير الهندسيّة. ويمثّلُ هذا الأمرُ خُطوةً مهمّةً على طريق تحرير المفاهيم الجبريّة من أصولها المحسوسة. فوفق ما يذكرُه كريستيان هوزيل، لقد استعان شرف الدين الطوسيّ بفكرةٍ مهمّةٍ من أفكار الخيّام: فقد أدخل الخيّامُ وَحْدَةَ قياسٍ خطيّةً (للأطوال) ووَحْدَةً ثانيةً للمساحات وأُخْرَى للحجوم، بحيث نستطيع تمثيلَ أيَّ عددٍ كطولٍ أو مساحةٍ (عَبْرَ مستطيلٍ قائمِ الزاوية، طوله مساوٍ للطول السابق الذكر وارتفاعُه مساوٍ للوَحْدَة الخطيّة) أو كحجمٍ (عَبْرَ متوازي سطوحٍ قائمِ الزوايا، طولُه مساوٍ للطول السابق وقاعدتُه مساويةٌ لوَحْدَة المساحة). وهكذا تصبحُ المعادلاتُ الّتي تحتوي على عددٍ ومجهولٍ ومُربّعِ ومُكعّبِ هذا المجهولِ مُتَجانِسَةً، معبِّرةً عن علاقةٍ بين حجومٍ. ومن الواضح أنّ هذا التجانسَ ضروريٌّ في هذا السياق الهندسيّ الرياضيّ…، ولقد قام بالخطوة اللاّحقة ديكارت (1596 – 1650)، حيث اكتفى بإدخاله وَحْدَةَ قياسٍ خطيّةً، مُعلّلاً ذلك بتأويله نتيجةَ الضربِ كطولٍ وليس كبناءٍ لمستطيلٍ قائمِ الزوايا.
وبذلك فقد انتهى الخيّامُ في رسالته إلى فئتين من النتائج الهامّة في تاريخ الجبر، غالباً ما تُنسب إجحافاً إلى ديكارت؛ أما الفئةُ الأولى فتتعلّق بالحلّ العام لكلّ معادلات الدرجة الثالثة، عَبْرَ تقاطُع قطعَيْن مخروطييّن؛ وأما الفئةُ الثانية فتتعلّقُ بالتأويل الهندسيّ الّذي أصبح مُمكناً نتيجةَ إدخال "وَحْدَة" قياسٍ في كلّ بُعدٍ من الأبعاد الثلاثة: الطول والسطح والجسم. ويقول رُشْدي راشِد، مختصراً ما قام به الخيّامُ في هذا المجال: "لم يتصوّر الخيّامُ أو يقترح مشروعاً جديداً فحسب، إنّما قام بإنشاء نموذجٍ للكتابة يلائم هذا المشروع. إنّه يبدأ بمناقشة مفهوم العِظَمِ وصولاً إلى تعريف وَحْدَةِ القياس؛ ومن ثمّ يقدّمُ تصنيفَه الخاصَّ للمعادلات ويطرح المقدِّمات الضروريّة، لكي يعالجَ أخيراً بالترتيب، وبحسب تصاعُدِ درجات الصعوبة: معادلات الدرجة الثانية ذوات الحدّين، ومعادلات الدرجة الثانية ثلاثيّةَ الحدود، ومعادلات الدرجة الثالثة ثلاثيّةَ الحدود، ومعادلات الدرجة الثالثة رباعيّةَ الحدود، والمعادلات المتعلّقة بعكس المجهول. في رسالته هذه، توصّل الخيّام إلى نتيجتين ملحوظتين:
- حلّ عامّ لـمُجمل معادلات الدرجة الثالثة بواسطة تقاطع قطعَيْن مخروطيَّيْن.
- حسابات هندسيّة أصبحت مُمكنة عن طريق انتقاء وَحْدَة قياسٍ للأطوال.
ويجدر أن نسجّل أنّ الخيّام لم يتوقّفْ عند هذا الحدّ، بل حاول إعطاءَ حلٍّ عدديٍّ تقريـبيٍّ للمعادلة التكعيبيّة. ففي رسالته حول قسمة ربع الدائرة مثلاً، حيث أعلن عن مشروعه للمرّة الأولى، توصّل إلى حلٍّ عدديّ تقريـبيّ عن طريق جداول علم المثلّثات. هكذا إذن، في القرن الحادي عشر، بدأت العلاقات بين الجبر والهندسة، وبدأ تشكّلُ فصلٍ جديد كُرّس حتى القرن الثامن عشر لبناء المعادلات، كما بدأت أولى الكتابات الّتي خُصِّصت، وبشكل كليٍّ، لنظريّة المعادلات الجبريّة".
لقد نُشرت رسالة الخيّام حول المعادلات، لأوّل مرّةٍ بواسطة المؤرِّخ المعروف ويبكيه سنة 1851، وبقيت دراسةُ ويبكيه المصدرَ الوحيدَ حول هذا التيّار الرياضيّ الّذي دمجَ ما بين علمَيْ الجبر والهندسة. وذلك حتّى فترةٍ قصيرة، حيث صدرت دراساتُ رُشْدي راشِد عن أعمال شرف الدين الطوسيّ الرياضيّة ومؤلَّفاته. وقد اعتبر أغلبُ المؤرخين، قبل ذلك، أنّ إسهامَ العلماءِ العربِ في مجال نظريّة المعادلات لم يتعدَّ نتائجَ رسالةِ الخيّام بكثير، وبالتالي فهذه النتائج لا تملك بُعداً تاريخيّا في التقليد العربيّ. ولا ريب في أنّ هذا الأمر مناقضٌ لمبدأ الاستمراريّة التاريخيّة. ويُشير رُشْدي راشِد بهذا الإطار إلى ما يعني، أنّه عند هذا الحدّ قد توقّفت ومنذ القرن الماضي المعلوماتُ التاريخيّة بهذا الخصوص؛ ففي نظر المؤرّخين شكّلت مساهمةُ الخيّامِ آخرَ ما قدّمه الرياضيّون العرب في هذا الموضوع. وأخذاً بهذه الاعتبارات، لا بدّ من أن يبدوَ عَمَلُ الخيّامِ مثيراً للاستغراب: فهو بدايةٌ ونهايةٌ في الوقت نفسه. فهذا التعبير النظريّ الأوّل عن مسألة البناء الهندسيّ للمعادلات الجبريّة يظهرُ وكأنّه لم يُتابَع جديّاً، على الأقلّ من جانبِ الرياضيّين العرب. وعلى هذا الأساس، يظهرُ الخيّامُ عبقريّاً معزولاً في الزمان، ذلك لأنّ عملَه يبدو بغيرِ بُعدٍ تاريخيّ أو أفقٍ مستفبليّ. وتشير الشهادات التاريخيّة إلى أنّ شرف الدين المسعوديّ وهو تلميذٌ للخيّام قد وضع كتاباً يتناول فيه نظريّة المعادلات وحلول المعادلات التكعيبيّة. ولكنّ هذا الكتاب لم يصل إلينا ولا يُمكن الجزم بوجوده . لقد أدّت دراساتُ رُشْدي راشِد حول أعمال شرف الدين الطوسيّ الجبريّة إلى دحض الآراء القائلة بأنّ إسهام العلماء العرب في مجال نظريّة المعادلات لم يتعدَّ نتائجَ رسالةِ الخيّام بكثير. فقد بيّن رُشْدي راشِد بالملموس أنّ شرف الدين الطوسيّ كان خَلَفاً للخيّام في نظريّة المعادلات، تابَعَ تحليلاتِه وطوَّر نظريّتَه وأدخل عليها تعديلاتٍ تقنيّةً ونظريّةً عميقة، جعلت ما توصّل إليه – على المدى التاريخيّ المعروف حاليّاً – أهمَّ أعمالٍ جبريّةٍ أبصرت النورَ بين الخيّام وديكارت (رسالة حول المعادلات).
2-4 المعادلات عند الطوسيّ (تقريباً: 1135-1213) وخلفائه
بعد وفاة الخيّامِ بأربعين عاماً تقريباً (حوالى عام 1171)، وضع شرفُ الدين الطوسيُّ رسالتَه حول "المعادلات"، وقد أتت هذه الرسالةُ بتجديداتٍ هامّةٍ على عمل الخيّام في هذا المجال. فقد اختلفت تقنيّةُ الطوسيِّ في معالجته للمسألة عن تلك الّتي استخدمها الخيّامُ والّتي كانت ذات سِمةٍ شموليّة (d’aspect global)، فأصبحت التقنيّةُ عند شرف الدين الطوسيِّ محليّةً (d’aspect local). وقد تخطّت التقنيّات الرياضيّةُ التي يستخدمها الطوسيِّ في "معادلاته" الأُطرَ الجبريّةَ-الهندسيّةَ، عبر إدخالِه وسائلَ تحليليّة لم تُعتَمَد سابقاً. وقد كان لتبنّي هذه الطُرُقِ التحليليّةِ عِلاقةٌ مباشرةٌ بالمنحى المحليِّ الّذي اتّبعه الطوسيُّ والّذي فرضته مسألةُ وجودِ جذورٍ للمعادلات. جعلَ هذا الاتجاهُ الطوسيَّ يربطُ بين الجبر والهندسة من جهة والتحليل الرياضيّ من جهة أُخْرَى، وصولاً إلى استعماله خصائصَ استمراريّة الدالّة والتَحَدُّبِ والتَقَعُّرِ ومفهومَيِ النقطةِ الداخليّة والنقطة الخارجيّة. وقد دفعت مسألةُ الجذورُ المستحيلةُ (أي حيث لا توجدُ جذورٌ موجِبةٌ للمعادلة) الطوسيَّ إلى تطويرِ منهجِه التحليليِّ ودراسةِ النهايات القُصوى للعبارات الجبريّة، مستعملاً في ذلك أساليبَ مشابهةً لتلك الّتي استعملها لاحقاً بيير فيرما (1601-1665) في القرن السابع عشر، والمرتكزةَ على شَقِّ العبارات الجبريّة. وقد ارتكز الطوسيُّ على طريقةٍ معروفةٍ من القرنِ الحادي عشر لحساب الجذور الميمية، وعمّمها في حساباتِه التقريـبيّة لجذورِ المعادلات التكعيبيّة؛ وتمثّلُ هذه الطريقةُ نوعاً من الطُرُق الحسابيّة العدديّة المنسوبة لهورنير-روفيني (روفيني: 1765-1822). وقد أشار كريستيان هوزيل الى استعمال الطوسيِّ في مقارباته العدديّة طريقةً، نُسِبَت لاحقا إلى نيوتن (1643-1727) في الحساب التقريـبيّ لجذور المعادلات. ونرى إذن أنّ نظريّةَ المعادلات الّتي وُضعت بذورُها في جبر الخوارزميّ، واستقلّت في رسائل الخيّام الجبريّة، لم تعُدْ تقتصر على بابٍ من أبواب الجبر، بل أضحت مجالاً أوسعَ من ذلك بكثير. فقد أصبحت عند الطوسيِّ علماً يتناول الدراسةَ الهندسيّةَ للمعادلات بواسطةِ القطوع المخروطيّة، وحلَّها العدديَّ، مروراً بالدراسة المحليّة للمنحنيات المترتّبة على ذلك، والنهايات القصوى لدوالّ حدوديّة من الدرجة الثالثة، حيث تُشقُّ العباراتُ الجبريّة، ويُحسمُ أمرُ وجود النهايات القصوى استناداً إلى تعبير الـمُشتق. 
لقد أرسى الخوارزميُّ أسُسَ المدرسة الّتي انتمى إليها الجبريّون العرب، وكانت الأساسَ التاريخيَّ النظريَّ الأوّلَ الّذي تفرّعت منه - بحكم الاستمراريّة التاريخيّة - مدارسُ لاحقةٌ في علم الجبر، ومنها مدرسةُ الخيّام في المعادلات الجبريّة الّتي بلغت ذروةَ تطوّرها – كما تؤكّدُه المخطوطات المتوفّرة المعروفة - عند شرف الدين الطوسيِّ الّذي مهّد الطريقَ لمن أتى من بعده، وقام بعمل يُمكن بحقٍّ وصفُه بالعمل الجبّار حيث أنّه تمكّن، في ظلّ غياب لغةٍ رمزيّةٍ مُلائمةٍ أن يَحُلَّ مسائلَ غايةً في التعقيد والأهميّة. وبالفعل، تؤكّد أعمال الطوسيِّ في مجال المعادلات أنّ اللُّغةَ الطبيعيّةَ الـمُستعملةَ في هذه المسائل، قد أصبحت عائقاً أمام التطوّر اللاّحق للرِياضيّات عموماً، وكذلك أمام إمكانيّة انتشار هذه المعارف. وهذا الأمر سيؤدّي حتماً إلى نقضٍ لهذه اللّغة في مجال الرِياضيّات، وإلى استبدالها بلغةٍ أكثرَ ملاءمةً. وجديرٌ بالذكر أنّنا نستطيع أن نجد في عمل الطوسيِّ هذا الكثيرَ من النتائج الّتي تُنسب حتى الآن إلى رياضيّي القرن السابع عشر، ومنها بعض فصول الهندسة التحليليّة، ومنهج هورنر-روفيني، ومشتقّ كثيرات الحدود واستعماله في إيجاد النهاية القصوى.

(فريق الدراسة والبحث في التراث العلميّ العربيّ، 
الجامعة اللبنانيّة والمجلس الوطنيّ للبحوث العلميّة-لبنان)
لبنان – طرابلس، القبّة، شارع الأرز، كليّة الهندسة

houjairi@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق