الصفحات

hh

hh

تتتت

تتتت
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

بحث

‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد حجيري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد حجيري. إظهار كافة الرسائل
محمد حجيري
محمد الجاروش باحث ومترجم برازيلي من أصل عربي - لبناني. تعلم وعمل في السعودية والعراق وليبيا ومصر. ترجم إلى البرتغالية: "كليلة ودمنة" لابن المقفّع، وألف ليلة وليلة (4 مجلدات) ومئة ليلة وليلة والأسد والغواص والنمر والثعلب لسهل بن هارون، والآن يترجم "طوق الحمامة" لابن حزم الاندلسي، وبعده "البخلاء" للجاحظ. بالعربية، أشرف على كتاب "الليالي العربية المزورة" وحقق متن مخطوطة تراثية سماها "عاشق المرحومة وقصص أخرى"(منشورات الجمل). 
وفي مناسبة اليوم العالمي للغة العربية، والذي يصادف اليوم 18 كانون الأول/ديسمبر، أجرت معه "المدن" هذا الحوار..


- من أين بدأ اهتمامك بالقصص العربية التراثية أنت المهاجر في البرازيل؟

* لست مهاجراً بل أنا من مواليد البرازيل. أسرتي هي المهاجرة وقد جاءت من لبنان، من سهل البقاع تحديدا. لم أتعلّم اللغة العربية إلا بعد الثامنة عشر من عمري، ذلك أي في العام 1981 أُعطيت منحة – أنا وعدد من أبناء المهاجرين – من جامعة في السعودية، حيث التحقت بشعبة اللغة العربية هناك، قسم تعليم اللغة لغير الناطقين بها. لم أكن أعرف آنذاك أنها "جامعة إسلامية". وبالمناسبة، لم أكن أعرف شيئاً تقريباً عن العرب ولا عن الإسلام. ولم يكن الأمر يهمني آنذاك. كنت مناضلاً في حركة يسارية تروتسكية في البرازيل وكل ما كنتُ أردده حينها – وهذه كانت الفكرة النمطية السائدة في الأوساط اليسارية – هو أن العالم العربي والإسلامي متخلف للغاية وبحاجة جذرية إلى ثورة شاملة لتدمير كل ما هو ثابت هناك، لا غير. وحسبما أتذكر، كان الدافع الأساسي لديّ لقبول المنحة، من جهة، الأزمة الاقتصادية الرهيبة التي كنا نواجهها في البرازيل، ومن جهة أخرى إحساس ما بالمغامرة. بقيت سنة في السعودية – في المدينة – لكني لم أتأقلم، وبما أني لم أكن متعوداً على الإبتعاد عن الأسرة، واجهت الاكتئاب للمرة الأولى في حياتي، لدرجة أني فكرت بأن أرمي بنفسي من سطح العمارة التي كنت أسكنها، ولم أجد لشفاء هذا الإكتئاب إلا مرارة الصبر. 
وتزامناً مع هذا بدأت أفهم اللغة وأهتم بالحضارة العربية-الإسلامية.  وكان الأدب هو محور إهتمامي الأساسي بالثقافة العربية. عند عودتي إلى البرازيل باشرت تعلّم اللغة العربية بمفردي، من خلال كتب جلبتها معي وأخرى اقتنيتها هنا. ثم دخلت جامعة ساو باولو في كلية الآداب، لدراسة الأدب البرازيلي واخترت العربية لغةً أجنبيةً. وسرعان ما تأكدت من أن ليس في البرازيل أي معرفة جدية – شعباً ونخبة ومؤسسات – عن العرب والإسلام، فالجهل بالموضوع يكاد يكون كاملاً وقاتماً – بالرغم من تواجد جالية عربية (لبنانية-سورية) كبيرة جداً، لأن معظمهم من المسيحيين الذين، مع اندماجهم السريع نسبياً في النخبة الإجتماعية البرازيلية بسبب مقدرتهم الفائقة على العمل والإنجاز، أقول انهم تأثروا، بشكل أو بآخر، بالكوارث التي كانت تحصل في لبنان، ما دفعهم إلى الإبتعاد عن فكرة العروبة، ناهيك عن الإسلام، الذي لم يكن لهم أصلا أي تماهٍ معه. وأما المسلمون منهم، فكانت غالبيتهم الساحقة مكونة من الفلاحين الأمّيين الذين لا يُنتظر منهم أكثر من الضروب المتنوعة من الحماقة والسخافة التي قد اعتدنا عليها منذ زمن، والتي زاد منها إحساسهم بالغربة والإبتعاد عن الأصول الخ، أضف إلى هذا، التفرقة التي عانوا منها لأسباب دينية، وإن سلمنا بأن هذه التفرقة مسوغة تاريخياً، نتيجة للعداوة والحروب بين المسيحيين والمسلمين في شبه الجزيرة الايبيرية، والتي جُلبت إلى أميركا الجنوبية. 
وإذا ما قارنت بين حال الجالية المسيحية والجالية الإسلامية تجد فروقا واضحة اجتماعية وثقافية، فالجالية الاولى مندمجة اليوم تماماً في المجتمع البرازيلي وزودته بشخصيات بارزة من المثقفين ورجال الاعمال والسياسيين والاطباء الماهرين الخ (ولا احد يذكر، على فكرة، انهم "شرقيون")، بينما لم تتبرع الجالية الثانية بأي شيء يذكر، ما عدا، ربما، التجارة، و"يا دوبك". على أي حال، فإن هذا الغياب، أي غياب المعرفة بالعالم العربي- الإسلامي، فتح الطريق أمامي للعمل في الموضوع. وبعد تخرجي في الجامعة ودخولي الدراسات العليا في الأدب البرازيلي، نجحت في مسابقة في الجامعة وعُينت أخيرا العام 1992 مدرساً في شعبة اللغة العربية في قسم اللغات الشرقية، وحينها بدأت بحوثي في النثر العربي التراثي.

- ما الفروق بين نسخة "ألف ليلة وليلة" التي ترجمتها إلى البرتغالية والنسخة المتداولة في العالم العربي؟

* لا يمكن أن يقال أنني ترجمت "نسخة" لألف ليلة وليلة. لكن دعني أبدأ من البداية. أول اطلاعي على ألف ليلة وليلة، كان من خلال نسخة مصرية اشتريتها في السعودية: كانت في مجلدين بإعداد سيء ولوحات غير لطيفة ونمطية جد. وأول ما لفت انتباهي – أنا المبتدئ بتعلّم العربية – هو عدم تماسك النص. في ما بعد، اكتشفت أن المسؤول عن الاعداد تلاعب كما شاء بالمتن، مما هو ممارسة عادية بالنسبة إلى كتاب الف ليلة وليلة – وليس فقط له، للأسف. بما أني كنت أقرأ عن النثر، اتجه اهتمامي إلى ألف ليلة وليلة بشكل يكاد أن يكون طبيعيا، فشرعت في القراءات حول الموضوع. وتتابعت بين يدي الطبعات، منها طبعة بولاق الأولى الصارة العام 1835 بتصحيح عبد الرحمن الصفتي الشرقاوي، ثم طبعة كالكتا الثانية، الصادرة باربعة مجلدات بين 1839 و1842 بمراجعة عدد من المثقفين الهنود المسلمين تحت إشراف "المسطر" وليم حي مكناطن، ثم طبعة برسلاو الصادرة بإثني عشر مجلدا بين 1825 و1843 تحت إشراف مكسيميليانوس بن هابخط ثم هينرخ ارثوبيوس بن فلايشر بعد وفاته، ثم طبعة بيروت الصادرة في 1889 بثمانية مجلدات تحت إشراف أنطون الصالحاني، ثم أخيراً الطبعة الصادرة في ليدن بتحقيق محسن مهدي سنة 1984. ولا تخلو طبعة من هذه الطبعات من مشاكل ومآخذ عليها. طبعة بولاق الأولى – التي ينسب الناشرون العرب عموما تصحيحها إلى محمد قطة العدوي، وهذا خطأ، لأن العدوي لم يراجع إلا طبعة بولاق الثانية، الصادرة سنة 1862، والتي لم يكلف نفسه كثيراً بخدمتها، بل اكتفى بأشياء بسيطة – تعاني من مشاكل كثيرة في متنها، نتيجة، كما لاحظ محسن مهدي، لاسقاط أوراق كاملة من المخطوط عند عملية الطباعة، وكذلك للإهمال في المراجعة. ومع كل هذا ما زالت هي أفضل طبعات الكتاب، وعنها أخذ وياخذ الناشرون العرب في أغلب الأحيان عندما يعيدون نشر الكتاب. 
وفي حديث الملك يونان والحكيم رويان (والصيغة الأصح للإسم هي دوبان) نقطة طريفة هي أن، على عكس ما يحدث في جميع المتون الأخرى، الحكيم لم يمت، ولا ندري إن كان هذا سببه تدخل المصحح أو سقوط بعض الأسطر، على أي حال فإن النص كما هو يوحي بأن الحكيم نجا، على عكس كل الطبعات والمتون الأخرى. أما طبعة كالكتا الثانية فإنها قريبة – أو قل من عائلة طبعة بولاق نفسها، والخلاف بينها يكمن في أمرين. الأول هو أن المصححين قاموا بعملهم بطريقة أكثر كفاءة من زميلهم في مصر. وثانياً، أضافوا إلى المتن قصصاً لم تكن فيه أصلاً. طبعة برسلاو حالة فريدة تتطلب بحوثاً خاصة، بالرغم من الأحكام الصارمة التي أبداها دارسون مميزون مثل المستشرق الاسكتلندي ماكدونالد ومحسن مهدي، باتهامهما ناشرها هابخط بالتزوير لا غير، لأنه، على حد قولهما، لفّق متناً لم يكن له، في الواقع، وجود، بمعنى أنه إدّعي أن طبعته معتمدة على مخطوطة تونسية مزعومة أُكتشف في ما بعد أنها ليس أكثر من أوراق نقلها مساعده، وهو يهودي تونسي أسمه مردخاي ابن النجار، عن مخطوطات كانت لديه في تونس وفي اماكن اخرى ربما. بقيت طبعة محسن مهدي، عالية الجودة، مع أنها تقتصر على ما أسماه هو، على غرار التسمية التي رسخها مستشرقون من طراز دي ساسي وزوتنبرغ وماكدونالد، بالـ"فرع الشامي" للكتاب، وهو فرع لم يكتمل فيه، بمعنى أنه لم يصل إلى ألف ليلة وليلة معدودة، بل إلى 282 ليلة، لأسباب أخفاها التاريخ، من جملة ما أخفاه.
وجلّ إهتمام مهدي، أو قُل هاجسه الأساسي، هو الإقتراب من أقدم صيغة للكتاب وصلت إلينا، وقد تكون هذه الصيغة الأقدم عراقية، لأن للكتاب ثلاث مراحل على الأقل، الأولى فارسية كما نعلم من خلال "فهرست" ابن النديم و"مروج الذهب" للمسعودي، وبها كان عنوان الكتاب ما معناه بالعربية "ألف خرافة" أو "ألف أسطورة"، ثم الترجمة العربية الأولى لهذا المصنَّف الفارسي والتي سميت "ألف ليلة"، حسب الوثيقة الفريدة التي اكتشفتها ونشرتها في 1948 الباحثة العراقية نبيهة عبود. ويبدو، من خلال السطور القليلة التي تقرأ في هذه الوثيقة، أن الكتاب كان على شاكلة كتب أخرى ذات أصل هندي دخلت الأدب العربي والثقافة العربية عن طريق الثقافة الفارسية، مثل كليلة ودمنة والوزراء السبعة. والمرحلة الثالثة، ان كانت فرضية الباحثين صحيحة، هي التي أخذ فيها الكتاب شكله الذي نعرفه عليه اليوم. ولا أذكر هذه التفاصيل لكي أبرّر إختياري الشخصي للترجمة: فضلت استعمال بعض المخطوطات، وذلك حسب منهج انتهجته، وهو تفضيل الأقدم منها. وأقدم مخطوطة لألف ليلة وليلة هي التي نسخت في القرن الخامس عشر الميلادي وكانت ملكا للمستشرق الفرنسي انطوان جالان، الذي نشرت ترجمته للكتاب في أوائل القرن الثامن عشر. وتحوي هذه المخطوطة، حسب تقدير أغلبية الباحثين، أفضل متن للكتاب، مع أنها غير كاملة، ولم تتضمن إلا 282 ليلة، وتعتبر خير مثيل للفرع الشامي. كان تاريخ نسخها موضع نقاش بين الباحثين، فكانت التقديرات تتراوح ما بين القرن الثاني عشر الميلادي والسادس عشر، حتى جاء المستشرق الألماني هـ. جروتزفيلد وأثبت أن العملة المذكورة تحت اسم "أشرفي" في الليلة 133، في حكاية الشاب الموصلي والصبية المذبوحة، لا يمكن إلا أن تعود إلى فترة السلطان المملوكي الأشرف سيف الدين برسباي، الذي حكم بين 1422 و1437، وليس إلى فترة الملك الأشرف خليل بن قلاوون، الذي حكم بين 1290 و1293، على عكس فرضية محسن مهدي. 
على أي حال، فاني أخترت استعمال هذه المخطوطة أولاً (مع اللجوء إلى تحقيق محسن مهدي، لأن قراءتها في بعض الصفحات صبعة جداً)، ثم استعمال مخطوطات أخرى قديمة، وإليك التفاصيل: في المجلدين الاول والثاني اكتفيت، كما اشرت، بالمخطوطة 3609/3610/3611 عربي المودعة في المكتبة الوطنية في باريس واستعنت بالمخطوطة 552 بودلي شرقي المودعة بأكسفورد لاتمام ترجمة قصة قمر الزمان وبدور، كما استعنت، للمقارنة، بطعبة محسن مهدي وببعض المخطوطات الأخرى، منها 39 غايانغوص، المودعة بالاكاديمية الملكية التاريخية في مدريد، وبطبعة هانس وير لكتاب الحكايات العجيبة والأخبار الغريبة، وهو مجموعة قصصية قديمة استقى منها مؤلف ألف ليلة وليلة. ولترجمة المجلد الثالث استخدمت المخطوطات 3612 و3615 عربي (باريس) و646 عربي (مكتبة جون رايلندز بمانتشستر). ولترجمة المجلد الرابع استعملت نشرة زوتنبرغ لقصة علاء الدين ونشرة ماكدونالد لقصة علي بابا، والمخطوطات 554 بودلي شرقي (اوكسفورد) و3612 و3619 و3658 عربي (باريس) والجزء الاخير من طبعة برسلاو، بالإضافة الى المخطوطة 13523ز (دار الكتب الصرية) وطبعتي بولاق الاولى وكالكتا الثانية للمقارنة. 
وكان غرضي الرئيس إعطاء القارئ البرازيلي فكرة عن تنوع مواضيع الكتاب وتداخل الفترات الزمنية التي تكوّن فيها، لإثبات غنى الثقافة المنتجة لهذه المنجز الإبداعي الرائع. ومضامين الحكايات المختارة تتراوح ما بين الإباحي لحد السادو-مازوخية والقصص الديني ومرايا الامراء الخ. وأظن أنني نجحت في مخططي هذا إلى حد ما، لأن للكتاب، بمجلداته الأربع، 16 طبعة، وأخيراً نُشرت المجموعة بعلبة جميلة تضم المجلدات كلها، وحظيت الترجمة بحكم إيجابي للغاية وفازت بثلاث جوائز أدبية.

- من خلال دراساتك الأدب البرازيلي، هل ثمة تأثير لألف ليلة وليلة في هذا الأدب؟

* ليس بطريقة مباشرة، بمعنى أنه لا روائيين وشعراء برازيليين قرأوا الكتاب بالعربية، ومن المؤكد أن البعض منهم قرأه من خلال ترجمات فرنسية أو إنكليزية. من الطريف أن ماشادو دي اسيس، وهو من أكبر الكتاب البرازيليين، كتب مقدمة لترجمة برازيلية لبعض قصص ألف ليلة موجهة للأطفال أُنجزت عن طريق ترجمة المانية قام بها أديب برازيلي من أصل ألماني، وتحدّث في هذه المقدمة، بشكل سريع، عن أهمية الكتاب. وكذلك توجد روائية أسمها نيليدا بينيون، عضو في الأكاديمية البرازيلية للأدب، لها رواية مستوحاة من ألف ليلة، عنوانها "أصوات الصحراء"، لا أحبها ولا أرى فيها قيمة أدبية تذكر. 
ويجب ألا ننسى، في طبيعة الحال، الروائي ميلتون حاطوم، الذي يتشرّب من مناهل ألف ليلة في كل ما يكتبه، وبشكل واضح في روايته الأولى "رواية شرق ما"، حيث تعدد الأصوات الساردة وبعض عناصر الحبكة القصصية تذكّر بألف ليلة وليلة. وكذلك روائي مرموق آخر هو رضوان نصار، الذي يوظّف قصة موجودة في ألف ليلة في روايته "الفلاحة القديمة"، والبيرتو موسى، في روايته الجميلة "لغز قاف". ذكرت متعمداً ثلاثة كتاب معاصرين من أصل عربي، وهناك كثيرون من الكتّاب والكاتبات، خاصة المعاصرون منهم، يستلهمون ألف ليلة، محبة بها وبحثا عن مصادر مختلفة وغير مركزية (أقصد المركزية الشمالية) لأعمالهم. والحقيقة أن ألف ليلة وليلة منجز ابداعي عالمي أعطى الكثير إلى الفنون بشكل عام (السينما والمسرح والفنون التشكيلية الخ) والأدب بشكل خاص. الفنون مدينة الكثير لهذا الكتاب الرائع، بغض النظر عن تخرصات الحمقى من المثقفين والمثقفات العرب وغير العرب. 

- أصدرت كتاباً مميزاً وهو "الليالي العربية المزورة"، برأيك هل يمكن إعتبار أن ألف ليلة وليلة كلها "مزورة" بمعنى من المعاني، أولاً لأنها الكتاب الأشهر الذي لا يحمل إسم مؤلف له، وثانياً لأنها نقلت من ثقافة إلى ثقافة إلى ثقافات، وكل ثقافة تطبعها بطابعها، فإما تزيد عليها أو تحذف منها، وبالتالي أصبحت أسطورة مكتوبة؟

* بداية، عليّ أن أعترف بأن كل الفضل في نشر الكتاب يعود إلى صديقي خالد المعالي. حتى العنوان!!! أما فكرة التزوير فهي، إن طبقت على نصوص وسرديات قديمة، تصبح مفارقة تاريخية، لأنها تنطلق من فكرة الإبتكار، وهذا الأمر لم يكن مطروحاً آنذك، على الأقلّ في ألف ليلة وليلة. وأظن أن المقصود بهذا العنوان في الكتاب المشار إليه هنا، هو أن الحكايتين التي يحويهما، أي علي بابا وعلاء الدين، لم تكتبا أصلاً بالعربية. ويقول أكثر من باحث أنهما من "ابتكار" انطوان جالان. لكن الكثير من عناصرهما مستوحاة من الثقافة العربية الإسلامية. وهنا يضعنا الأمر أمام معضلة: إذا قارنّا النص العربي الذي كان موجوداً لدى جالان وما ترجمه، سنلاحظ أن العملية لا يمكن أن تعتبر، بأي مقياس معاصر كان، "ترجمة"، بل تكييفاً، في أحسن تقدير. 
لو قارنت بعض الحكايات في مصدرها العربي بنص جالان سيصعب عليك أن تصدق أنك أمام "ترجمة". ونعرف أن جالان إدعى في مذكراته أنه سمع في باريس بعض الحكايات (ومنها علي بابا وعلاء الدين) من ماروني حلبي أسمه حنا دياب. وحتى إن سلمنا بأن هذا ما جرى بالفعل، فعلينا أن نعترف بأن تلك الحكايات لم تكن، إذن، ضمن ألف ليلة وليلة، بل جلبت من مصادر أخرى لم نهتدِ بعد إليها. 
وإن كان غالان فعل ما فعل من تكييف حكايات وقصص كانت مكتوبة أمامه، فماذا تظن أنه قد يفعل بحكايات سمعها لا نعرف بأي لغة؟ وعلى أي حال، من الضروري أن نعترف بالتداول العالمي لهذه الحكايات وتيماتها، وتجولها بين الثقافات المحتكة بعضها ببعض. في العام 1998 حاولت الباحثة الفنلندية آنيا هانش، أن تثبت بحجج بنيوية أن قصة علاء الدين لا يمكن إلا أن تكون "أوروبية". ثم في 1999 حاول المستشرق الإسرائيلي، يوسف سدان، أن يثبت العكس، أي أن الحكاية ومخيلتها وحبكتها عربية محضة. وقد يستخلص من هذا أن لموضوع الأصالة أهمية ثانوية، والمهم، كما قلتَ، هو تنقله من ثقافة إلى أخرى، وإن كان للعرب فضل "الإبتكار" أو قل "التوظيف الإبتكاري"، إن صح التعبير.

- من خلال تقديمك لـ"الليالي العربية المزورة" نلاحظ أن المحقق محسن مهدي يخرج باعتقاد لا يختلف عن إعتقاد القاص بورخيس الحكائي، وملخصه أن الليالي نص مفتوح، أي أنه قابل لأن يتناسل إلى ما لا نهاية له من الحكايات. هل تؤيد هذا التفكير؟ وماذا عن حضور ألف ليلة وليلة في الأدب الحديث والموسيقى والسينما؟

* فكرة النص اللامتناهي جذابة، لكن علينا أن نتجنب المفارقة التاريخية عندما نتحدث عن اللانهائية هذه. بدايةً، يمكننا أن نخمن أن هناك فكرة تسود في ألف ليلة وليلة، وهي إثبات، من خلال عِبر القصص التي يجب ان نستشهد بها، أن عدالة الحكام أمر لا يحصل إلا من خلال أنظمة تقوم بتدبير ذلك. أما ما لا نهاية له من الحكايات، فإنها فكرة قد تستخلص من بنية الكتاب، أي من هيكله المجرد. ونحن المعاصرين نقوم بهذه العملية، أي عملية فصل المحتوى عن الشكل. ولكن هذا الهيكل هو الذي غذّا المخيلة المعاصرة، ونجد صداه في السينما، على سبيل المثال، وفي كل السرديات التي يكثر فيها عدد الحكواتيين، ولكل قاص وجهة نظر مختلفة عن نفس الحدث. 

- يلاحظ من خلال متابعة النصوص التراثية، النثرية الشعرية، أن معظمها، وخصوصاً ألف ليلة وليلة، تضمّن عبارات إباحية وسمّى الأشياء بأسمائها، لكن في العصر الحديث هجرت النصوص الأدبية أي كلمة نابية، وثمة من يقول أن هذا حصل بسبب إستيراد الحداثة المسيحانية المهذبة الى العالم العربي، ما رأيك بذلك؟

* إذا قارنّا أصول "ألف ليلة" الخطية بطبعتها العربية الأولى في مصر، سنجد أن التغييرات والتصحيحات التي أجراها المراجع الأول، وهو شخص اسمه عبد الرحمن الصفتى الشرقاوي، هي لغوية لا غير، بمعنى أنه لم يتدخل في المفاهيم، بل اكتفى باللغة. وأول طبعة عربية قد صححت بطريقة "أخلاقية" (إن جاز التعبير) هي طبعة قام بها الأب المسيحي انطون صالحاني (وكان لهذا الإجراء خلفية ذكرها محسن مهدي، الذي يصف مخطوطة عربية لألف ليلة وليلة، مودعة اليوم في المكتبة الرسولية في مدينة الفاتيكان، حيث قام راهب هناك بمحاولة محو بعض الكلمات التي اعتبرها فاحشة في حكاية الحمال والبنات الثلاث). ويبدو أن هذا التصرف المخزي لوّث تصرف مَن جاء بعد صالحاني. وما أبعدنا من كلام الجاحظ، الذي قال في مطلع رسالته "مفاخرة الجواري والغلمان": "أصناف العلم لا تحصى، منها الجزل ومنها السخيف، وإذا كان موضع الحديث على أنه مضحك ومله، وداخلٌ في باب حد المزح، فأُبدلت السخافة بالجزالة انقلب عن جهته، وصار الحديث الذي وُضع على أن يسرّ النفوس يكربها ويغمها (...) وإنما وضعت هذه الألفاظ ليستعملها أهل اللغة، ولو كان الرأي ألا يلفظ بها ما كان لأول كونها معنى، ولكان في التحريم والصون للغة العرب أن ترفع هذه الأسماء والألفاظ منها".. أو من كلام ابن قتيبة، الذي قال في عيون الأخبار: "وإذا مر بك (أيها القارئ المتزمت) حديث فيه إفصاح بذكر عورة او فرج او وصف فاحشة فلا يحملنك الخشوع أو التخاشع على أن تصعر خدك وتعرض بوجهك، فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم وإنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور وأكل لحوم الناس بالغيب (...) فتفهم الأمرين وافرق بين الجنسين". 
وأظن أننا أكثر بعداً من شهاب الدين أحمد التيفاشي، الذي يفكهنا بكتابه نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب بنكت قد تعتبر اليوم من إنتاج الـــ"كفار"، لكونها توظف احيانا آيات قرآنية. وكلامهم – يرحمهم الله – يدل بشكل صريح إلى أن الثقافة العربية آنذاك كانت تفرق وتميز تماماً بين الجنسين، أي الجزل والسخيف، أو الجد والهزل، وتعرف مكان كل منهما، فلا تخلط الحابل بالنابل لان لكل مقام مقال، كما يعرف الكل.

 - ما الذي لفتك في القصص التراثية العربية حتى قمت بتحقيقها؟

* تعدّدها بلا ريب. المخزون القصصي في الثقافة العربية يلفت انتباه أي إنسان يحب الأدب. وما يشوّقنا هو كمية الكنوز التي ما زالت مختبئة في مكتبات العالم. ما هي المفاجاءت التي تنتظرنا (أو ننتظرها)؟ وإذا قارنت هذا الإنتاج بنظيره المعاصر في أي ثقافة أخرى، تندهش من تفوقه – من أي وجه كان. نعرف مسبقاً أن أي الحديث عن الـ"تفوق" قد يبدو مبتذلا وخطيرا، ولذلك اكتفى بأن أقترح دراسة مقارنة للحكايات العربية التراثية وما يعاصرها من حكايات أوروبية. 
وفي طبيعة الحال قد يبدو كذلك، في هذه الايام العصيبة، اي مدح او اعتزاز بما يسمى بالـتراث انحيازا او دفاعا او تبريرا للتأسلم وللـ"تداعش". ولكن اي قراءة - على شرط تجنب المفارقات التاريخية - للتراث لن تدعم باي شكل من الاشكال هذا النقاق الديني المعاصر والجرائم التي ترتكب باسمه، بل العكس هو الاحرى. ليس هناك اي امة تتنازل عن ماضيها الثقافي والادبي. الثوار الروس في 1917 لم يحاولوا البتة إنكار اهمية ماضيهم الادبي، بل قدروه ووظفوه لمصالحهم. الثوار الفرنسيون في 1789 كذلك. الثوار اليونانيون، إن وجدوا، لن يحاولوا محو الأدب اليوناني القديم بزعم انه ليس اكثر من خرافات دينية متخلفة. لم ولن تحاول اي مثقفة يونانية ان تمحو بينيلوب عن الوجود مدعية انها تعرقل الحركة النسائية أو تعطي صورة نمطية وسلبية عن النساء الخ. والقضية، كما نعلم، هي فقط قضية توظيف النصوص وتأويلها، لا غير.




رحل السينمائي الإيراني عباس كياروستامي، وهو إلى جانب أنه كان "شاعر السينما" مثل بعض أقرانه أندريه تاركوفسكي وجان لوك غودار وانغمار برغمان، كان أيضاً السينمائي الذي يكتب الشعر مثل الإيطالي باولو بازوليني، والفرنسي جان كوكتو، والبلجيكي ديريك جيرمان وغيرهم من المخرجين متعددي المواهب والأحلام والتجليات.

وكياروستامي أحد أهم وأبرز المخرجين في السينما العالمية المعاصرة والمعولمة، استطاع بفضل "فاكهته السينمائية" و"طعم كرزه" أن يضع الفيلم الإيراني على خريطة السينما العالمية، وأن يجعل من حضوره حدثاً ثقافياً مهماً له عشاقه ونقاده، وبذلك اخترق الحجاب الذي فرضته الثورة الخمينية على الواقع الإيراني وثقافته، فتح نافذة في جدار الممنوع ليصل إلى العالمية، أسس جمالية خاصة يرتكز عليها فنه، ومن بينها أشعاره. وبقدر ما كانت له فكرته في السينما، كانت له صورته في الشعر، إذ ساهم في "تشذيب" الشعر الايقاعي عملاً بمقولة الشاعر الفرنسي أرثور رامبو "ينبغي ان نكون حداثيين بشكل مطلق"، متسلحا بأفكار انتجها زمن التكنولوجيا والوسائط الحديثة، بدءاً من السينما نفسها، وصولاً الى الرسائل القصيرة.

وان قلنا عن كياروستامي إنه "شاعر السينما"، يمكننا وصف سينماه أيضاً بـ"سينما الشاعر"، فهو يمارس كتابة الشعر الذي يغلب عليه الطابع التصوير الاختزالي والحسي والوجودي، وكان يقول إنه "سينمائي بالصدفة"، ويحذّر من الاستخدام الفج للشعر في السينما، ويشدّد على خطورته.. "لكن في صياغة الحوارات، بإمكانك أن تستفيد من الانطباعات والأفكار التي تحصل عليها من أعمال شاعر معيّن"، ولطالما اعتبر أن السينما التي تدوم لفترة أطول هي السينما الشعرية، لا السينما التي تروي قصصاً فحسب. فالقصة تُقرأ ويُفهم مغزاها، أما القصائد فيمكن تأويلها في أكثر من اتجاه. ونعلم ان "السينما الشعرية" بحسب تسمية بازوليني لا تعني أبدا أن نعالج قصيدة شعرية سينمائيا، فقد تتم معالجة إحدى القصائد الشعرية، وقد لا يكون الفيلم فيلما شعريا. والحوار الشعري في الفيلم لا يعني أبدا أن الفيلم شعري.

 كياروستامي، السينمائي والشاعر، كان مولعاً بأشعار الهايكو اليابانية التي تقترب من الرباعيات الفارسية والعربية، وهو يرى أن قصيدة الهايكو "أكثر قصائد العالم شاعرية، لأنها حررت نفسها من كل القيود، إنها لا تمنحك كل ما ينبغي أن تمنحه، بل تبقيك عطشاً إلى المعنى"، والمفارقة أن اندريه تاركوفسكي كان يقارب بين قدرة قصيدة الهايكو على الرصد المباشر، وبلغة صافية، ودقيقة للظواهر الحياتية، وبين إمكانات السينما الهائلة في الرصد غير المُتكلف، وبلغة جمالية صافية، هي الأخرى في مواجهة الحياة.



أيضاً يجد كياروستامي في أشعار الكلاسيكيين الفارسيين قرابة فكرية وروحية، يقرأ التراث الشعري من منطلق معاصر وبعين الكاميرا. كما يشعر بارتباط عميق بحركة الشعر الإيراني الحديث. في عدد من أفلامه يقتبس بعض القصائد من الشعر الفارسي القديم (عمر الخيام كمثال) والمعاصر (سُهراب سيبهري، فروغ فروخزاد كمثال اختار منها عنوان فيلمه "ستأخذنا الريح معها"). وتأثره بالشاعر عمر الخيام نجده جلياً أكثر في فيلمه "طعم الكرز". يقول كياروستامي: "هل قرأت عمر الخيام؟ رباعيات هذا الشاعر والعالِم الفارسي العظيم، كُتبت في نهاية القرن 11 وبدايات القرن 12، وهي تأبين متواصل للحياة إزاء ما هو حاضر دائماً، إزاء الموت".

كياروستامي الشاعر، ترجمت له إلى العربية مجموعات شعرية عديدة، هي: "مع الريح" الصادرة عن منشورات "دار الكتاب"، و"ذئب متربص" عن وزارة الثقافة السورية، و"غزليات حافظ الشيرازي برواية عباس كياروستامي" عن دار "المدى"، و"على حواف الهايكو" عن دار "مسارات" الكويت.. والكتاب الأخير ولا نعرف ان وزعت نسخه في لبنان وبرغم اعلان مترجمه انه صدر.

يكتب كياروستامي باختزال كأنه يحمل كاميرا ويلتقط صورا فوتوغرافية. في ديوانه "مع الريح" - ترجمة شيرين بارسا، نلاحظ أنه استمرار طبيعي مكمل لطريقة عمله في المجال السينمائي. يحاول كياروستامي عبر قصائد قصيرة، المزج بين لغة الشعر(الهايكو) والسينما، ما جعل الكاتب ميشيل فرودون يسمي قصيدة كياروستامي: هايكو بصري.. في أحيان تغدو قصائد كثيرة أشبه بلحظات بصرية أو سينمائية حافلة بالتعابير: "الريح/ تفتح/ الباب العتيق/ وتغلقه عشرات المرات/ والباب العتيق/ يئن"، يكتب الشاعر، أو: "الفزاعة/ تتصبب عرقاً تحت قبعة الصوف/ في نهار يوم صيفي حار" أو: "الذباب/ يدور حول رأس بغل نافق/ وقت غروب الشمس".

في مجموعته "ذئب متربص"، ترجمة ماهر جمو، نقرأ في التقديم: "لا يقف كياروستامي عند حدّ إبداعي واحد. الصورة وحدها، بالنسبة إليه، لا تكفي. يرى في الكتابة الشعرية والألوان واللوحة امتداداً طبيعياً لمغامراته الفنية. يُدخل الكتابة والألوان واللوحة في لغة الصورة السينمائية أحياناً، فتتشكّل خلاصة أولى للمعاني الإنسانية المطلوبة". وكتب بندر عبد الحميد، في تقديمه لهذه الترجمة: إن اللقطات السينمائية "مكتوبة بالكاميرا القلــم"، وإنها مقبلة إلى الورقة في لمحات ذكية ومكثّفة، "على شكل إشارات برقيــة في جمل قصيرة خالية من الحشو"...

في غيابك أتحدث إليك
في حضورك
أتحدث إلى نفسي

ويكمل بندر عبدالحميد: "تلتقي رباعيات الخيام وشعر الهايكو الياباني ورؤى ناسك السينما الفرنسية روبير بريسون في كتابه النادر ملاحظات في السينماتوغرافيا والزوايا العالية لعين الصقر أو الزوايا المتحركة لعين "الذئب المتربص" وعين الكاميرا الذكية في القصائد - اللقطات التي كتبها كياروستامي":
مهر أبيض
ولد
من فرس سوداء
في مطلع الفجر.

أما كتابه "غزليات حافظ شيرازي" فهو ليس نصّاً عن الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي، بل عبارة عن طريقة مغايرة للمألوف في قراءة أشعار حافظ وهو من سلسلة قراءات قام بها كياروستامي للشعر التراثي، منها شعر سعدي الشيرازي وجلال الدين الرومي، ولم تُترجم الى العربية الا قراءته لحافظ. وفي تعريفه بهذا الكتاب. ورأى المترجم أن كياروستامي "يسعى إلى محو الهالة الأسطورية الضبابية عن حافظ وتقديمه على انه كائن أرضي أولاً، وهو يحاول الكشف عن الحكم التي تزخر بها هذه الأشعار وتقطيعها بشكل يمنحها البريق الذي تستحق، والذي يرى كياروستامي أنها كانت قد حرمت منه ضمن الديوان الأصلي بفعل الموسيقى والقافية". 

وفي جرأة لم يسبق لها مثيل بين كل الأعمال التي تناولت ديوان شاعر الفرس العظيم، يقوم كياروستامي بانتقاء شطور معينة من أشعار حافظ ويقطعها بشكل يبعد الكلمات عن الإيقاع والموسيقى وعن ذاكرتها التي كانت تملكها ضمن سياقها الأول، ليغيّر بذلك طريقة قراءتها، وتأملها بشكل مختلف ومن زوايا تمنح رؤية أكثر صفاء وحكمة على طريقة الهايكو. واختار كياروستامي تقسيم النصوص إلى فصول متقاربة، مثل: الحب والشباب، في مديح المحبوب، حلم الوصال، نسيم الفردوس، ليل الفراق، حزن الحب، رسالة إلى المعشوق، بشرى الوصال... وحينما نشر الكتاب العام 2006، واجه كياروستامي حملة غاضبة من الكتّاب والنقاد السلفيين، تتهمه بتشويه التراث، والمساس بقدسية هذا الشاعر الكبير الذي يعتبره الكثير من الإيرانيين واحداً من ابرز رموزهم. ولم ينج من مقالات بعض الشعراء العرب أيضاً. إذ اعتبر شوقي بزيع ان ما فعله كياروستامي جناية على الشيرازي، إذ "لا ينبغي أن يحجب عن عيوننا السلبية الأكثر خطورة على شعر حافظ، والمتمثلة في إخراج الجمل من سياقها الأصلي بحثاً عن المعنى، فالشعر، وشعر حافظ بالذات، ليس معنىً مجرداً بل هو نسق وزني وجمالي تلعب فيه الموسيقى والتواتر التعبيري والهندسة الداخلية". وكتب أحد النقاد السلفيين يقول: "ثمة من يقول إن كياروستامي يعبّر عن نفسه من خلال أشعار حافظ، وإن محاولته لعرض قصائد شاعر اكتسب طابعاً قدسياً في الذاكرة الجمعية الإيرانية، في قالب الهايكو، عمل غير مقبول، ولا ينتمي إلى الحداثة..". وكان  الكاتب والناشر، بهاء الدين خرمشاهي، كتب مقدمة يقول فيها: "ما يميز عملك هو أنك تناولت الأبيات غير المشهورة من أشعار حافظ، والتي لم تتحول إلى أمثال شعبية وسلطت عليها الضوء، وفي المحصلة فإن عملك هو تنوع مهم في الشعر وفي دراسة أشعار حافظ". 

يرى كياروستامي أن إحدى المشاكل التي تواجه الإيرانيين في فهم الشعر، تكمن في أنهم يوجهون الكثير من العناية إلى الإيقاع. يعتقد بأن في قراءة قطعة من الشعر، لا ينبغي للمرء أن يركّز بؤرته بإفراط على الأنماط المتسمة بالتكرار للأصوات، لأن المرء بهذه الطريقة سيقصر عن بلوغ الإدراك وفهم المعنى.
- See more at: http://www.almodon.com/culture/2016/7/5/%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3-%D9%83%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D9%88%D8%B3%D8%AA%D9%85%D9%8A-%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%85%D8%A7#sthash.TzzRstRL.dpuf

محمد الحجيري

تخرج النجمة الأميركية مارلين مونرو يوماً من تحت الأضواء لتعود أياماً، أو لنقل إنها لا تغادر الأضواء بتاتاً، فخلال الأشهر الماضية صدرت لها خواطر بعنوان «شذرات» حظيت باهتمام الكتاب والفلاسفة والناس العاديين، واليوم يدور الحديث حول رواية لأندرو أوهاغان بعنوان «حياة وآراء الكلب ماف وصديقته مارلين مونرو» وهي مرشّحة لجائزة «بوكر».


لكل شيء في حياة مونرو «هالته» الخاصة، من صورها الى أثاث منزلها وكتاباتها وكلبها وعشاقها و{غبائها» وفساتينها، وهي كانت محقّة حين خاطبت نفسها في خواطرها (شذراتها): «تذكري أن في مقدورك أن تتربعي على قمة العالم». لكن هذه القمة لم تجلب لها السعادة، بل إن القمة هي طيف الراحلة وحضورها بعد رحيلها، ففي مكان آخر قالت: «لقد وجدت نفسي غبية بشكل مخيف، فأنا لا أفقه شيئاً في الرسم ولا الموسيقى ولا الأدب ولا التاريخ ولا الجغرافيا».

كأن مونرو لم تكن مقتنعة بلعبة الأضواء وسحرها، وتبحث عن شيء يمسها من الداخل أو يرضي عقلها لا مظهرها. وهي تزوجت من ميلر في ما بعد، الرجل الذي أرادته معلماً لها، وكان محرضها على المطالعة، وتصورت أن الاقتران بمثقف يجعل منها مثقفة في غمضة عين. وعندما اكتشفت أن هذا الحلم لا يتحقق بهذه الطريقة، لم تتوقف عن المحاولة. فراحت تجبر نفسها على مطالعة الروايات الكلاسيكية ودراسات فرويد في علم النفس. ولها صورة وهي جالسةً على أرجوحة للأطفال، مرتدية بلوزة مخططة وسروالاً قصيراً يكشف عن ساقيها، تقرأ رواية «عوليس» لجيمس جويس. إنه مشهد سريالي إذا جاز التعبير، فالإغراء متحد مع الرواية الكلاسيكية، وعوليس يمثّل بطلاً ميثولوجياً يعاني عذاباً شديداً ويجتاز المهالك، منذ مستهل رحلته حتى يحقق هدفه النهائي، ويؤوب منتصراً إلى المكان الذي انطلق منه... مونرو انتصرت على نفسها بالموت، أو صار انتحارها الغامض عنواناً للمراحل والحكايات كافة.
من بين الذين ورد ذكرهم في «الشذرات» آرثر ميلر وصموئيل بيكيت وجيمس جويس. قال ناشر الكتاب برنارد كومان: «تتحدث مارلين في كتاباتها الخاصة هذه عن جيمس جويس الذي اكتشفته في السادسة والعشرين من عمرها حين كانت تؤدي أدواراً تمثيلية فردية معه منذ نجاحاتها الأولى وحين كانت تتردد على استوديو الممثلين في نيويورك. كذلك، كانت معجبة بصموئيل بيكيت، والمدهش أكثر كان ولعها بالشاعر الملحمي والت وايتمان، مؤسس الشعر الأميركي الحديث».

بثت مونرو لوعتها على الورق في صيف 1959 حين اكتشفت أن (زوجها) ميلر كتب في يومياته خلال إقامتهما في بريطانيا أنها تحرجه أمام أصدقائه، وقد وصفته بـ «الوحش المسالم». وذات ليلة، بعدما خلد الى النوم، كتبت قصيدة عنوانها «آه يا سلام، أحتاجك، حتى وحشاً مسالماً». تعبيراً عن ألمها وحرقتها. ومضت مونرو تقول في القصيدة:
على شاشة ظلام دامس
تأتي أشكال وحوش
أصحابي الأشد صمودا...
والعالم نائم
آه يا سلام، احتاجك
حتى وحشا مسالما.
أما ميلر فوصفها بأنها كانت «نصف ملكة ونصف طفلة مهجورة، تركع أحياناً أمام جسدها ثم تنفر منه، في أحيان أخرى، وتصاب بالإحباط».


أيقونة
مارلين مونرو «الأيقونة» كانت حجة لعشرات الأفلام والسير والروايات. كُتبت عنها 60 سيرة و40 فيلماً و10 روايات و20 مسرحية. وآخر رواية في هذا المجال جاءت عن كلبها «ماف» الذي قيل إنه سيصوّر في فيلم سينمائي.
ماف الذي يعد اختصاراً لكلمة «مافيا» على ما يبدو، كلب مرح، «صلب الرأي»، من سلالة الكلاب «المالطية» أهداه النجم الأميركي الراحل فرانك سيناترا لمونرو. إنه أيضاً الراوي والمعلق في كتاب أندرو أوهاغان الذي تناول واقع الولايات المتحدة خلال الستينات والعامين الأخيرين من حياة مونرو.


روى ماف كيف أن قربه من مالكته جعله يصاحبها لمقابلة جون كينيدي وآخرين، والتوجه في رحلة إلى المكسيك لإنهاء زواجها من آرثر ميلر. تحدث ماف كثيراً عن الأدب والفلسفة وأي شيء يلفت انتباهه. عالمه مليء بقطط تنطق شعراً، وبالبق المسكون بأرواح مواطنين روس بؤساء، وبفراشات تطير بسرعة مذهلة... وهو عالم استغرق أوهاغان سنوات في تأليفه.
قالت مونرو يوماً إن «الرجال استغلوها والنساء حكمن عليها والكلب فقط هو الذي أحبها»، أما الكلب في الرواية فقال: «مارلين كانت كائنة غريبة وغير سعيدة، لكنها في الوقت نفسه، كانت تتحلى بحس فكاهة فطري أكثر من أي شخص عرفته». والملاحظ أن أخباراً كثيرة تنشر عن مونرو يحضر فيها شيء ما عن ثقافتها والكتب التي كانت تختارها للقراءة سواء كتب علم النفس أو الروايات والدواوين. لذا يمكن للمتابع رصد علاقة مونرو بالثقافة من خلال سيرها أو كتابات الروائيين عنها. يعترف آرثر ميلر في مذكراته أنه لم يتمالك نفسه عن الوقوع في شراك مونرو ولم ينكر هوسه وانجذابه الجارف نحو الجمال الصارخ، ولهذا ظل طيفها يرافقه كالظل حتى لحظة وفاته، فكانت شخصيتها هي الطاغية في مسرحياته الأخيرة، إذ حاول من خلال «إنهاء المشهد» معالجة موضوع مونرو فبدت البطلة غير مستقرة وغير قادرة على التحكم بمشاعرها وعواطفها، وهذه شخصية ترمز الى مونرو التي كانت في سنواتها الأخيرة ضائعة وتثير غضب المخرجين والممثلين لعدم تقيّدها بمواعيد التصوير.


المشكلة الأساسية التي حاول ميلر معالجتها تكمن في محاولته المستمرة إخراج «الشقراء» من المقولة التي جعلتها مجرد رمز للإثارة الاستهلاكية و{التلصص»، فهو رأى أنها كانت مثقفة وتميل الى قراءة الكتب الأدبية التي كانت تصلها هدايا من كبار الكتاب والشعراء.

أقنعة
اختلفت صورة مونرو من كاتب الى آخر، فهي المثقفة في رأي ميلر، ومثقفة حقيقية كتبت الشعر ودرست الأدب والفن طوال حياتها بحسب رواية «الشقراء» لكارول أوتيس، لكنها استخدمت صورة الشقراء البلهاء كي تحمي نفسها.
تشكّل قراءات هذه النجمة وجوهاً عن حياتها، فحين نقول جيمس جويس يتخيل إلينا صبر الشقراء في متابعة روائي من الدرجة الأولى عُرف بالسرد الغامض والصعب، أمّا صموئيل بيكيت فهو الرمز للعدمية في كتاباته وكان يستمد الضحك من بؤس الواقع، وحين نقول كافكا نفكر فوراً بذلك الروائي الكابوسي المضطرب من سلطوية والده، والفاشل في علاقته مع النساء... يبدو أن علاقة مونرو بالرجال أشبه بعلاقة كافكا بالنساء.
بدوره، عُرف الشاعر ريلكه بأنه كان «ضحية» واندريا سالومي التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأحبها ثلاثة من مشاهير القرن، وهم فريدريك نيتشه وسيغموند فرويد وريلكه.‏ أما دوستويفسكي فهو أبو الرواية الروسية وأصيب بالصرع في بداية حياته ورواياته سفر عميق في التحليل النفسي، وحين نذكر الشاعر ويتمان نتذكر عباراته بأن الحب والديمقراطية وجهان لعملة واحدة هي المجتمع الإنساني. على هذا، فمونرو رمز الاستهلاك والجنس كانت تختار روايات النخبة لتقرأها، وهي روايات تخص الوجود الإنساني وليست مجرد كتابات عابرة أو كتابات للتسلية.


نورمان مايلر
لا عجب في أن تستهوي مونرو كثيراً من الكتاب فهي شخصية التناقضات والأخبار والروايات الكثيرة، خصوصاً في ما يتعلق بموتها وعلاقتها ببعض الشخصيات الأدبية والسياسية والرياضية. قالت عن نفسها في مذكراتها التي اعتمد عليها نورمان مايلر في كتابه عنها: «كنت أوحي ببعض الغموض في الوسط الفني. إذ لا يشاهدني أحد بصحبة مشاهير هوليوود. وفي عالم السينما كان عدد كبير من الناس يعتبر أنني طائر غريب. لا بد من أنهم كانوا يحسبون أنني أقف أمام المرآة وأنعق منفردة. باستثناء جو ديماجيو، وفي أوقات قليلة السيد فرانك سيناترا الذي كان صديقاً لجو ديماجيو، لم يكن يراني أحد لا في السهرات ولا في زيارات أهل الوسط الفني...». وكانت تمضي ساعات وهي ممدة فوق الأريكة تلتهم الحلوى وتزيد يأس المخرجين العاملين معها.


ومن هذا الرمز استوحى مئات الكتاب أعمالهم، من بينهم نورمان مايلر الذي منح مونرو لغة مُنَمّقة مبهرجة من خلال سرد روائي لطيف مشبع بالحقائق وبعض الخيال. كتب في أحد المقاطع: «تريدين أن تصبحي أعظم ممثلة في العالم، أردف ميلتون، لكنك تعاملين بوصفك الشقراء البلهاء، وأنت لا تبالين، يجب أن تسلكي طريقاً مختلفة، لا تتجولي بين الناس وكأنك نكرة، ولا تنسي أنك على الشاشة كائن رائع الجمال».
اقتطف مايلر من ديانا ترللينغ: «ليس هناك من أحد غير مارلين مونرو قد يوحي بمثل طهارة الجنس وبهجته، فالجرأة تستعرض نفسها من خلالها من دون أية بذاءة. تبجحها يتنفس من هواء الغموض والتحفظ، وصوتها الذي يحمل تلك النغمة الريانة المفعمة بالإثارة الإيروسية، يبقى صوت طفلة - هذه المُركّبات أكملت موهبتها- في الوقت الذي يصفون فيه فتاة يانعة وقعت في شرك عالم خيالي غافل».

رواية مايلر ربما هي الرواية الوحيدة المترجمة الى العربية عن مونرو مع أن المكتبات الأجنبية تحفل بكثير من الروايات الجديدة والمتخيلة عن الشقراء، من بينها رواية لكارول أوتيس التي استطاعت تقديم سيرة جديدة عن حياة مونرو منذ ولادتها في عام 1926 وحتى وفاتها عام 1962. فقدمت تجربة مفصلية ميدانية عن أداء شخصية مونرو في أفلامها مسقطةً أحداثاً جوهرية من حياتها الخاصة الحقيقية لتسبغها على طبيعة شخصياتها السينمائية. أما رواية المكسيكي راميريث بعنوان «الحرف ميم في مارلين»، ففيها عاود الروائي رسم حياة مونرو من خلال دقائق زيارتها إلى المكسيك في أكثر لحظات حياتها تعاسة.

نشرت في جريدة "الجريدة" قبل مدة.. 

محمد حجيري | الخميس 23/06/2016  
في الأيام الأخيرة، لفتني تعليق فايسبوكي للكاتب العراقي خالد مطلك بعنوان "الثقافة في صورتها ما بعد بعد الحداثية"، عن المدونة والمهتمة بالازياء والجمال كيرا فيراغني، ومقال ثقافيّ بعنوان "أغنية حبي لـ ت س إليوت" للمتدربة السابقة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي...

لا شيء يجمع بين التعليق الفايسبوكي والمقال "اللوينسكاوي" سوى أنهما يشكلان مفتاحاً للكتابة عن وجه آخر من الثقافة غير التقليدية والنقاش في مسارها وآفاقها وحتى ماضيها، فخالد مطلك الآتي من الشعر الحديث من دون اللجوء الى اصدار دواوين شعرية والعارف في الشعر الكلاسيكي، وحتى كاتب الرواية و"المنشق" عن الثقافة التلقيدية من خلال الاهتمام بثقافة الحقائب النسائية، أو التركيز على انثروبولوجيا السجادة الحمراء في مهرجان "كان" وغيره، وعاشق الكتابة عن اللوحات التشكيلية مثل كتابه "مدينة كاووش" عن الرسام العراقي ستار كاووش، يبدو كأنه يعلن هجرانه للثقافة التقليدية كلها، أو يكسر النمطية السائدة في تعريف الثقافة (العراقية تحديداً)، فيروي أنه في عام 2014، حضر في روما عرضا للأزياء، وبعد انتهاء العرض، شاهد عددا كبيرا من الناس يتجمهر حول صبية حسناء لم تكن مساهمة في العرض، وعندما سأل عنها قيل له إنها: كيرا فيراغني... خجل ان يسألهم: من هي كيارا فيراغني؟ يضيف "بحثت عنها في مواقع التواصل الاجتماعي، وعرفت انها شابة تهتم للأزياء والريجيم وأسلوب الحياة وأصبحت مشهورة، وصارت دور الأزياء العالمية تدعوها في كل مناسبة. كما أصبحت تزور الجامعات وتلقي محاضرات عن فهمها لمعنى الحياة والحب والجنس وكيف تحافظ على بشرتها في الوقت نفسه...". 

ويصل مطلك إلى بيت القصيد قائلاً "الغريب ان امبرتو ايكو وبعض كتاب العالم وصحافييه يتابعونها كـ(فاشنستا) ويعدونها "صانعة توجه ثقافي"، ويستنتج أن "الثقافة في عالمنا هذا، لا تصنعها الكتب ولا النظريات، لقد طغى عليها المعنى الانثروبولوجي واكتسحها... ونحن ما زلنا مصرين على نعت الذي يقرا كثيراً ويؤلف كتباً أو ينشر مقالات بأنه (المثقف العراقي) ثم نشتمه بمناسبة أو بدونها"... من دون شك ان كلمة مثقف مثيرة  للاحباط واليأس، وتحاك حولها "جعدنات" كثيرة وأوهام لا تعد ولا تحصى. 

في المقابل، وان كانت كيارا فيراغني حاضرة بقوة كناشطة ومدونة وصانعة "توجه ثقافي"، فهناك العشرات مثلها في العالم يؤثرن على أنماط حياة النساء واجسادهن وتفكيرهن، ومن لا شيء يجمعن الثروات، وأحسب أن هذا الأمر ليس بجديد، وان أخذ في هذه المرحلة بعدا مختلفاً، مثل ان تتحول مؤخرة كيم كارداشيان الشغل الشاغل للناس وعشاق الصورة... والحال انه منذ الخمسينات كان للمشاهير تأثيرهم، ومنذ عقود أصبحت السينما "تخترع الحياة" والقبلة وتسريحة الشعر والازياء والسيجارة، وصار جون لينون وألفيس بريلسي وجيم موريسون من "أنبياء" العصر، يقلدهم الشبان الى درجة الهذيان. وكذلك مارلين مونرو وصوفيا لورين وبريجت باردو وجيمس دين وجوني هوليداي وعبد الحليم وسعاد حسني ولاحقا مادونا ومايكل جاكسون وحتى الأميرة ديانا والليدي غاغا ونيكول كيدمان وشارون ستون وشاكيرا وتوم كروز... 

وحين أصدر الباحث ادغار موران كتابه "نجوم السينما" كان يدرك قوة حضوره السينمائيين في النسيج الاجتماعي والميديائي، وبرأيه لم يعد نجوم السينما، مجرد أشخاص عاديين، بل إن هؤلاء النجوم قد أصبحوا بمثابة أنصاف آلهة. مخلوقات تدفعنا إلى الحلم عن طريق الاستعراض السينمائي كأساطير حديثة. فهم كائنات تنتسب إلى البشري والإلهي في آن، وتشبه بعض سماتها أبطال الأساطير أو آلهة الأولمب. عندما ينتهي موران من تحليل أسطورية النجم، فإنه يعود ليبحث في شروط تكون هذا الإله، والطريقة التي يصنع بها. وما يقال عن نجوم السينما يشمل نجمات الأزياء والموضة والحياة الشخصية ولاعبي كرة القدم، بل زوجات المشاهير... ليس ادغار موران وحده من كتب عن المشاهير، رولان بارت كتب عن وجه غريتا غاربو، وهناك عشرات الروايات والسير عن ماريلين مونرو وبريجيت باردو، واخر الكتابات الشهيرة عن المشاهير مقال ماركيز عن شاكيرا، واللائحة تطول...

مع تعليق خالد مطلك هناك اتجاه نحو الثقافة تفرزها الحياة ووسائل التواصل الاجتماعي والاعلامي والميديائي في الحياة والوجدان الشعبي والجماهيري، مع مقال مونيكا وان كانت ليست ببعيدة عن كيار فراغني، هناك أمر اخر، فمونيكا الفتاة المشهورة، التي قالت إن كلينتون دمر حياتها، إلى جانب أن إدارة البيت الابيض الأميركي "شرشحت" حياتها، ودونت بالمكتوب والمرئي علاقتها برئيس بلاد العم سام كما لو أنها فيلم بورنو، ولا ندري ان كانت ضحية او متواطئة، المهم أنها في الوجدان كانت على علاقة "فضائحية" مع كلينتون، وفي مقالها يبدو أنها تمتلك موهبة الكتابة. فلقارئ المقال ان يحسب أن كاتبه أو كاتبته محترفة في تاريخ الشعر الاميركي، وهي تكتب ليس عن أي شاعر بل احد أهم الأسماء في اميركا، وان كانت تدون بعض وجدانياتها في علاقتها بقصيدة محددة، لكن الوجدانيات تظهر احترافا في حياكة المقال حول قصيدة لاليوت وحضورها، لدرجة تجعلنا نسأل، ولو على سبيل المزاح: هل هذه مونيكا؟ فهي لا تكتفي في رواية الأسباب التي جعلتها تحب قصيدة "أغنية حبّ ج. ألفرد بروفروك" وقد كانت أولى القصائد الكبرى التي ينشرها إليوت، بعدما قام صديقه إزرا باوند بمراجعتها وتنقيحها. بل تدرس القصيدة وحضورها في الثقافة والسينما والغناء، بدءا من رواية "الوداع الطويل" لريموند تشاندلر مرورا في فيلم "القيامة الآن" لفرانسز فورد كوبولا في فيلمه “القيامة الآن”... 

وتظهر تجلّيات أخرى لـ“بروفروك” في الأغاني الحديثة، فالمغني الأميركي تشاك دي لديه أغنية بعنوان: “هل أجرؤ على خلخلة الكون؟”، وهي من الأبيات الأشهر في القصيدة. كما قام المؤلف الموسيقي جون كارتون بتلحين القصيدة كاملةً، وإعدادها للغناء. والاهم من رصد تأثير القصيدة، ما تستنجه مونيكا قائلة في يومنا هذا، في عالمٍ يزخر بتغريدات تويتر والرسائل الصوتية الإلكترونية، في زمن الرسائل النصّية الـقصيرة الواضحةِ المعاني، ربما نحن بأمسّ الحاجة إلى النباهة والحيوية والتكثيف البليغ الموجود في الشِعر... ربما يجب علينا أن نستعيد الدافع المحفّز على القراءة، فلا نكتفي بقراءة عناوين الصحف " وتختم قائلة "ليس المهمُّ لماذا أحبُّ قصيدةً ما، أو ما تعنيه بالنسبة لي، أو لماذا تتغيّر دلالاتها مع مرور السنوات. ما يهمُّ حقاً؛ هو إلى أيّ مكانٍ قصيّ يمكن للقصيدة أنْ تحملكَ إليه؟ هناك… ما وراء المعاني". ماذا لو قرأ بعض الشعراء العرب هذا المقال، وقارنوه بكتاباتهم؟! هذا مجرد سؤال...

ومونيكا ليست ببعيدة عن كيرا فيراغني، نشر موقع "نيكي سويفت"، تقريرا رصد فيه تطور شخصية مونيكا منذ التسعينيات وحتى الآن، واصفا إياها أنها لم تعد مونيكا التي نعرفها. في عام 1999 طرحت مونيكا مجموعة حقائب من تصميمها،  تركت مونيكا عالم الموضة واتجهت إلى الصحافة وبدأت تكتب في مجال القضايا الاجتماعية، أصبحت مونيكا لاحقا سفيرة لحركة الثورة على الإذلال الاجتماعي، المعنية بتوعية الناس بعدم توجيه العار واللوم للغير بسبب تصرفاتهم. 

هذا من دون أن ننسى ان الاخبار كان تهتم بموضة مونيكا ووزنها ولوكها الجديد... كأن الحياة بالنسبة لهم صورة قبل كل شيء...

وشتان بين اسلوب حياة مونيكا وكيارا واسلوب حياة المثقفين والشعراء...
- See more at: http://www.almodon.com/culture/2016/6/23/%D9%83%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7-%D9%81%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%BA%D9%86%D9%8A-%D9%88%D9%85%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%83%D8%A7-%D9%84%D9%88%D9%8A%D9%86%D8%B3%D9%83%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D8%A3%D8%B3%D9%84%D9%88%D8%A8#sthash.wS7lXNzW.dpuf