الصفحات

hh

hh

تتتت

تتتت
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

بحث

الاثنين، 27 يونيو 2016

الدكتور محمد يوسف الحجيري: الحضارة "العربية" حلقة أساسية في الحضارة العالمية




تهدف هذه المقالة:
1ً - إلى استعراض مفهوم الحضارات الجزئية وإبراز جذورها المعرفية وصولا إلى تبيان وهمية هذا المفهوم لا سيما إذا كان المراد منه أن تتجاوز دلالته التحقيب التاريخي الاصطلاحي لتطور البشرية.
2ً – إلى محاولة إعطاء تعريف مبسط للحضارة بوصفها مخزون منجزات المجتمع البشري في التفاعل فيما بينها من جهة ومع الطبيعة من جهة أخرى.
3ً – تناول مثل موجز من تاريخ المعارف الرياضية يُظهر إلى حدّ ما وحدة الحضارة، واستمراريتها، وموضوعيتها من حيث استقلاليتها عن عامل الانتماء البشري وخضوع قوانين تطورها لمبادئ التطور العامة.
1- الحضارات الجزئية
كثيرا ما نصادف في الأدبيات السياسية، والاقتصادية، والتاريخية والعلمية عبارة "حضارة" بالمعنى الجزئي لهذه الكلمة. كأن نقول مثلا الحضارة "الإغريقية" أو الحضارة "الغربية". وفي الفترة الأخيرة جرى الحديث بشكل مكثف عن مفاهيم الحضارات "الإسلامية-العربية" و"الغربية" و"الأمريكية" وسواها، وصولا إلى مغالطة لا يصحّ وصفها من وجهة نظر المنطق العلمي الا بالكارثية. تتحدث هذه المغالطة عن وهم يحمل عنوان "صراع الحضارات" ولهذا الوهم جذوره المعرفية التي ينبغي ألا تخفى على التحليل المنطقي للظاهرة.
من المنطقي أن تكون هذه المفاهيم الجزئية اصطلاحية يُراد بها الدلالة على متغيرات غير ثابتة متعلقة بمنجزات فكرية وعلمية واقتصادية ملموسة في حقبة زمنية معينة وفي مكان معين. ولذلك تبقى هذه المفاهيم، بتعبيرها عن جوهر الأشياء، مجتزأة الجوانب وغير قادرة على عكس مبادئ عامة مما يؤكد محدودية جذورها المعرفية وهشاشة عكسها للحقيقة الموضوعية. من البديهي أنه لا يمكن لهذه الحضارات الجزئية، من حيث المكان والزمان أن تكون مستقلة أو منفصلة عن جوارها في المكان وعن سابقها ولاحقها في الزمن. ومن الصعب بل من المستحيل وضع حدود تحمل صفة الدقة ولو النسبية لمفاهيم الحضارات الجزئية. فهل يستطيع عاقل مثلا أن يحصر اكتشاف رغيف الخبزأو المضاد الحيوي بحضارة جزئية محدّدة ؟ من الأكيد أن أي جواب لا يردّ هذا الإنجاز إلى الحضارة الإنسانية، سيكون بعيداً عن العلمية والموضوعية.
من وجهة النظر المنطقية، يُراد من تجزئة الحضارة، بوصفها كلٌاً غير قابل للتجزئة، الدلالةُ
على حقبة تاريخية معينة بغية تسهيل دراستها ولكنّ الأمر غالبا ما يُحوَّر، فإذا بالحضارات الجزئية متصارعة متقاتلة حيث يجري إلباس هذه الحضارات معتقدات مختلفة لا تمت إلى جوهر الحضارة الحقيقية بصلة وأحيانا قد تُلبس الحضارة الجزئية لباسا دينياً أو مذهبياً لتعبئة الناس ضد بعضهم البعض وذلك بغية طمس الجذور المعرفية ذات البعد الاقتصادي-السياسي. أعتقد أنني لن أسيء إلى أحد إذا أشرت إلى ما هو معروف من التاريخ، إذ انه تحت لواء الحضارة التي يسمونها "عربية إسلامية" قد قتل من العرب والمسلمين أكثر بكثير من غير العرب والمسلمين وكذلك في ظلّ ما يسمّى بالحضارة "المسيحية-الغربية" أبيد من المسيحيين اكثر بكثير ممّا أبيد من غير المسيحيين. حتى ولو تأكدت بالملموس مشاركة المؤسسات الدينية والمذهبية فيما يجري، يبقى الصراع الاقتصادي-السياسي، - لا الديني ولا المذهبي - هو الجوهر والدافع المحرك لكل هذه الصراعات. لا سيما وأن هذه المؤسسات الدينية تمثّل- شئنا أم أبينا- جزءا أساسيا من السلطة السياسية يطمح إلى تحقيق مصالح هذه السلطة والحفاظ على وجودها، وكلامنا هذا لا ينتقص من فضل الأديان في تثبيت مفاهيم إنسانية راسخة كالتعايش، والتآخي والمساواة وغيرها. فمن الضروري هنا التمييز بين المؤسسة الدينية والدين فإذا كان التديّن فعل إيمان فلا يمكن أن تكون معايير هذا الإيمان بشرية أو أرضية، فمعاييره لا يمكن أن تنتمي لغير القدرة الإلهية وبلغة أخرى لا يجوز لأحد ومهما علا شأنه أن يدّعي وصايته على هذا الشأن الإلهي لأن الإيمان كما هو بديهي يعبر عن علاقة مباشرة بين كائن بشري وقدرة قادرة غير ملموسة أو مرئية وغير محتاجة لعون الآخرين فلا وجود لصراع حقيقي بين الأديان، وإن وُجد صراع بهذا المعنى فلا يمكن أن يكون إلا صراع بين المؤسسات الدينية، التي تتباين مصالحها الملموسة الأرضية لا الماورائية.
2-1 الحضارة البشرية
لا نطمح إلى إعطاء تحديد دقيق لمفهوم الحضارة ولكننا سنحاول أن نتوقف عند بعض العناصر الجوهرية لهذا المفهوم الشمولي.
الحضارة هي مقولة فلسفية-تاريخية تُستعمل للدلالة على مخزون المنجزات التي حققتها البشرية على مدى العصور خلال ممارستها الإنتاجية بمعناها الشمولي:
أولا- عبر تأثيرها الفاعل الهادف على الطبيعة وعبر تسخير قوى الكون ونواميسه ومحتوياته بغية تيسير سبل العيش والاستمرار.
ثانيا- عبر تنظيم قوى المجتمع الإنساني وعلاقاته الداخلية وضبط أساليب استغلال خيرات الطبيعة وتوزيعها.
والحضارة بجوهرها الملموس، وكما تبين اكتشافات علم الانتروبولوجيا، ليست مجرد كنـز وقعت عليه بالصدفة مجموعة من الكائنات العاقلة إنما هي نسيج معقد من العلاقات التي تخضع لقوانين موضوعية تتصف بشموليتها، وتكاملها، واستمراريتها وحتميتها وكل هذه القوانين التي تشكّل مجموعة غير منتهية تقوم تحت مظلة مبادئ وحدة الجوهر وكمونيّة التطوّر ببعديه التواصلي والتقاطعي، وجدلية الكمّ والنوع، وتناوبية السبب والنتيجة.
2-2 الجذور المعرفية للحضارات الجزئية
إن البحث الدقيق عن الجذور المعرفية للحضارات الجزئية يبين لنا بوضوح عدمية صراع الحضارات المزعوم. فإن إلباس هذه الحضارات الجزئية – ذوات الصراع المزعوم- ثوبا شعبويا، دينيا أو مناطقيا لن يجعل منها بأي حال من الأحوال أكثر من حجة واهية بعيدة عن العلمية قد تصلح على المستوى السياسي الدولي كشعار دعائي تعبوي لا أكثر، يستخدم في تعبئة الشعوب ضد بعضها البعض، لأهداف مرتبطة بالهيمنة الاقتصادية. فقد أصبح من المعروف منذ زمن بعيد أن الصراعات بين الناس لها جذورها الاقتصادية. ويشير ميرابو إلى ذلك بوضوح حيث يؤكد، بأن كل مشاكل الدول تخلق من حبة القمح. وتتستر الجذور الاقتصادية للصراعات طورا بالشعارات الدينية، وطورا آخر بالشعارات القومية أو العنصرية. وعلى ما يبدو، هناك محاولة لاستنباط شكل جديد لهذه الشعارات تحت اسم صراع الحضارات.
إن تجزئة الحضارة الإنسانية - إذا تعدى الهدف منها المدلول التاريخي الاصطلاحي، إلى التمييز بين الناس- وازى العنصرية بل تعدّاها في ذلك من حيث العداء للجنس البشري وتراثه الحضاري حيث يبين التحليل التاريخي العلمي والانتروبولوجي أن الكائن البشري يختصر بجوهره كل العلاقات الإنسانية والحضارية، وأي تحديد يخالف ذلك للكائن البشري يسيء إلى مفهوم الحضارة الإنسانية وتقود جذوره المعرفية بالضرورة إلى صراعات ذات طابع اقتصادي.
إن دراسة مواضيع الحضارة الإنسانية من حيث وحدتها، وموضوعيتها واستقلاليتها عن أجناس الناس وطوائفهم وقومياتهم، والمبادئ التي يخضع لها تطورها أمور في غاية الصعوبة والضخامة ولذلك فإنني سأكتفي بالتوقف قليلا عند جزء بسيط مما هو معروف من تاريخ تطور العلوم الرياضية لأن المعارف العلمية جزء من الحضارة الإنسانية، ولكن هذا الجزء اليسير كافٍ إلى حد ما للدلالة على خطأ الأفكار القائلة بصراع الحضارات لأنه يبين بشكل لا مجال للشك فيه تواصل وتداخل المعارف العلمية واستمراريتها بشكل مستقل إلى حد كبير عن انتماء الناس ولونهم ولغتهم. فتطور العلم يرتبط بظروف اجتماعية-اقتصادية. فعلى وجه المثال من الجدير بالذكر أن نشأة الخلافة الإسلامية التي امتد نفوذها على رقعة جغرافية كبيرة وفّر ظروفا موضوعية لتطور البحث العلمي الذي كُتب بالعربية. ومع تفكّك الخلافة المذكورة إلى دويلات متناحرة فيما بينها واكتشاف القارات الجديدة انتقل مركز الثقل البحثي إلى أوروبا حيث وفّرت له تلك الاكتشافات بكمونها الاقتصادي أرضية خصبة.
سوف أتناول باختصار شديد بعض الجوانب المعروفة لتطور علم الهندسة عبر التاريخ، وبالتحديد نظرية المتوازيات في التراث العلمي للشعوب المختلفة مع التركيز قدر الإمكان على الدور العربي. وذلك بغية التبيان الحسي الملموس لاستمرارية وتواصل الحضارة الإنسانية. ولا بد هنا من التوقف بعض الشيء عند ما يعنيه بالضبط تاريخ الرياضيات
3-1 تاريخ الرياضيات كعلم
تاريخ الرياضيات هو بالأصل، علم يرمي إلى تلمّس واكتشاف القوانين العامّة والخاصّة التي تحكم تطوّر العلوم الرياضيّة وتبلورها، بمعزل عن ذاتية المبدعين فيها أو جنسيتهم . كأي حقيقة علمية أخرى، إن الحقيقة الرياضيّة موضوعية، أي أنها مستقلة عن آراء الناس فيها، وذلك لأنّها انعكاس تاريخي لحقيقة القوانين الطبيعية، المستقلة بشكل مطلق عن إدراكنا لها.
ومن الجدير بالذكر أن الرياضيات عدا عن أنها علم، فإنها لغةٌ شموليّة صالحة للتعبير عن القوانين العلميّة ونمذجتها. ولذلك يقع تاريخها في تقاطع كبير مع شتى فروع العلوم الأخرى مما قد يعطي إمكانيّة حقيقية لتعميم النتائج المترتبة على دراسة تاريخ الرياضيات في مجالات علمية متعددة.
إن الوصول إلى الحقيقة العلميّة مشروطٌ قبل كل شيء بحاجة الناس (بالمعنى الشمولي للكلمة) إلى هذه الحقيقة وذلك قد يكون مع فارقٍ ملحوظ بالزمن أحيانا، ولهذا الفارق أسبابه الذاتية البحتة وهو غير كافٍ لدحض مقولة العلاقة الشرطية الجدلية القائمة بين الضرورة والاكتشاف، والتي تثبتها تجربة البشرية المستمرة يوماً بعد يوم حيث تدخل الممارسة العملية كمحك لصدقيّة هذه المقولة.
3-2 الاكتشافات المتعلقة بتاريخ العلوم
على عكس ما كان سائداً منذ فترة قصيرة، لا تتعدى عشرات السنين، تشير غالبية نتائج تحقيق المخطوطات العلميّة العربية ودراستها على يد عدد كبير من العلماء العرب والمستشرقين (من وبكيه "Woepcke F." إلى يوشكيفيتش "Youschkevitch" ورشدي راشد وعادل أنبوبا و ر. موريلون Regis Morelon"" وجورج صليبا وغيرهم) وتؤكد أن لعلماء الحقبة العربية دورهم الذاتي الكبير، ليس في تطوير العلم وتثبيت بناه النظريّة فحسب، بل أيضاً في تسريع عملية التطوّر العلمي؛ فبغض النظر عن ظروف الضرورة الموضوعية والاستمراريّة التاريخيّة الحتميّة للتطوّر العلمي في الحقبة العربية، التي استمرت ستة قرون (من القرن التاسع حتى القرن الخامس عشر) على رقعة جغرافية، امتدت من حدود الصين إلى إسبانيا، فقد توفرت ظروف ذاتية ملائمة، مرتبطةٌ بأرضية خصبة لها أبعادُها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، المؤثّرة في تسريع عجلة البحث العلمي. يقول رشدي راشد [2] في مقالته "العلم في الحضارة الإسلامية والحداثة الكلاسيكية" منتقدا التعاطي مع مفهوم "الحداثة الكلاسيكية" بمعزلٍ عمّا سبقَها من معارفَ علمية، ومشيراً بذلك بشكلٍ غيرِ مباشر إلى حتميّة الاستمراريّة التاريخيّة لتطوّر المعرفة العلميّة: "وهذه العقلانية الجديدة، والتي يمكن على سبيل الإيجاز أن نسميها عقلانية تعتمد على علم الجبر وعلى التجريب، هي التي تميز الحداثة الكلاسيكية. وهذه العقلانية، كما ذكرنا، قد تأسّست فيما بين القرن التاسع والقرن الثاني عشر على أيدي علماء تتباعد الشقّة بينهم من إسبانيا الإسلامية إلى بلاد الصين، وكانوا جميعهم يكتبون باللّغة العربية. وقد بدأ العلماء في تبنّي العقلانية الجديدة في مطلع القرن الثاني عشر. وسوف يخرج إلى الوجود مع بداية القرن السادس عشر تنقيحٌ جديد لهذه العقلانية يُعطي لها أسباب الكمال. لذلك لا غنى لكل من يرغب في أن يفهمَ الحداثة الكلاسيكية عن ألا يعوّلَ كثيرا على فكرة المؤرخين في تقسيم تاريخ البشرية إلى فترات أو عصور. ذلك أن تلك الفترات أو العصور تقوم على روابط عارضة بين أحداث التاريخ الأدبي والديني والسياسي لعصر النهضة والأحداث التي وقعت في مجال العلم، بل عليه بدلاً من ذلك أن يتلمّس طريق الحقيقة، ويترك جانبا الخرافات والأساطير التي أضلّت معها مفكراً عظيماً مثل هسرل (1859 – 1938 E. Husserl)".
3-3 المنحى التاريخي لتطوّر نظرية المتوازيات
سنتناول هنا باختصار المسار "النظري - المعرفي" الذي يمثل تطوّر نظريّة المتوازيات وهي ركيزة أساسية في علم الهندسة. وسوف نرتكز –بشكل أساسي- بما نورده من معلومات على موسوعة تاريخ العلوم العربية [1].
3-3-1 المفهوم الرياضي المجرد ومؤلف إقليدس (300 ق.م) – الأصول
يُعتبر تشكّل المفهوم الرياضي المجرّد قفزةً نوعية تاريخية فاصلة بين المستوى الحدسي الملموس والمستوى النظري المجرّد، فإدراك "قيمةٍ فعلية معيّنة" يختلف نوعياً عن إدراك مفهومِ "متغيّرٍ في مجموعة القيم". وحلُُّ "معادلةٍ جبرية معيّنة" من الدرجة الثانية يختلف نوعيّاً أيضاً عن مسألة البحث عن حلّ "المعادلةِ الجبريّة من الدرجة الثانية بشكلها المجرّد العام"، وإعطاءُ برهان لـ"موضوعةٍ هندسيّة معيّنة" يتباين نوعيّا مع بناء نظريّة شموليّة قادرة على حلِّ جملةٍ من المسائل الهندسيّة في الوقت نفسه. إنّ تكوّن مفهومِ "الأصابع الخمسة" قد سبق بزمن طويل – وهذا لاشكّ فيه - تكوّنَ مفهوم العدد "خمسة" وكذلك الأمر فإن تكوّنَ مفهومِ "شجرة التين" قد سبق بزمن طويل تكوّنَ مفهومِ "الشجرة" بالمعنى الشمولي للكلمة. ومن البديهي أن تمثّلَ ظاهرةُ الانتقال من "المفهوم الحسّي الملموس" إلى "المفهوم المجرّد" - من حيث الأبعاد المعرفية – قفزة نوعيّة في مسيرة التطوّر العلمي، ولكن تبلور هذه القفزة النوعية قد يستغرق مئات وألوف السنين. إن المفاهيم المجرّدة هي اللبنات الأساسية التي تُبنى منها الاستدلالات وأشكال التفكير في مستواها النظري، وذلك بواسطة لغة نظريّة خاصّة، تلعب دور الجسد الذي يحمل هذه المفاهيم. أما تكوّن النظريات الرياضيّة (النماذج النظريّة) فهو أمر اكثر تعقيداً بكثير من تكوّن المفاهيم الرياضيّة المجرّدة، وهو يتطلّب أسوةً بالمفاهيم المجرّدة لغةً خاصة موسّعة (ما وراء اللّغة) قادرة ليس على حمل الاستدلالات فحسب بل على جعل التعاطي معها و"تحريكها" أمراً سهلاً وممكنا. ولما كانت الرياضيات علماً يتناول دراسة الأشكال الفضائيّة والعلاقات الكميّة في الواقع الموضوعي فقد تجسّدت ملامح الشقّ الأول من هذا التحديد المعرفي بظهورٍ تاريخي للهندسة الإقليديّة كنموذج رياضي للأشكال الفضائيّة، حيث تكوّنت المفاهيم المجرّدة في هذا العلم تباعاً وفي فترة تاريخيّة مديدة ساهمت فيها التقاليد المختلفة. وتبلورت بشكل نظريّة مكتملة - وذلك بكل ما لكلمة نظريّة على المستوى النظري من معنى - عند إقليدس في كتاب الأصول. أما الشق الثاني للتحديد أي الشقّ المتعلّق بالعلاقات الكميّة، فقد لقي تطوّراً نوعيّاً في تبلوره، وعلى المستوى النظري الأكيد، لدى الخوارزمي الذي أرسى أسس علمٍ جديد بمفاهيمه ومنهجيته وأهدافه وقدرته الشموليّة الكامنة على نمذجة مجموعة ضخمة من العلاقات الكميّة لظواهر وأشياء الواقع المحسوس. ومن الطبيعي أن تتفاوت المفاهيم المجرّدة فيما بينها، من حيث صعوبة أو سهولة إدراكها والوصول أليها. مفهوما الدائرة والمستقيم، مثلا،ً أبسط نسبياً من مفهوم "الجذر" (بالمعنى الذي ورد فيه في جبر الخوارزمي وتطوّره اللاحق)، وذلك لارتباطهما المباشر بالواقع الملموس، فالدائرة تجريد مباشر لقرص الشمس والقمر، والخطّ المستقيم تجريد لاستقامة الخيط المشدود من طرفيه، وهذا الأمر يترك، لا ريب في ذلك، تأثيره في مجال أسبقيّة تكوّن النظريات العلميّة وهذا بالفعل ما نراه: فلقد تبلورت نظريّة الهندسة الإقليديّة قبل ظهور علم الجبر بعدّة قرون.
إن الإشكاليات ذات الطابع المعرفي - المنطقي التي تواكب بناء النظريّة الرياضيّة لا تنتهي في مرحلة معيّنة من تطوّر هذه النظريّة، فمسائل الاكتمال وعدم التناقض وأساليب التأويل تشكّل أموراً ملازمة لكلّ نظريّة رياضية. وبغضّ النظر عن الضرورات التي تفرض علينا الاستعانة بأساليب من خارج النظريّة، نستطيع الجزم بأنه يوجد:
1- ميل موضوعي (مستقل عن المسائل المنفصلة وعن إرادة الباحث) إلى تطوير النظريّة الرياضيّة، وهذا الأمر يأتي كردٍ لا مفرّ منه على مسألة الاكتمال المنطقي. وفي هذه الحالة تضاف إلى النظريّة الرياضيّة موضوعات جديدة مأخوذة من مكان آخر (نظريّة ثانية). تُوسّع هذه الموضوعات النظريّة القديمة فيظهر عندنا بناءٌ نظري جديد أغنى من البناء الذي امتلكته النظريّة الأولى.
2- ميل موضوعي لاستبعاد "التناقض المنطقي"، الأمر الذي يدفعنا بالضرورة للتثبّت من خلوّ النظريّة الرياضيّة من التناقض وذلك عبر تأويلها بواسطة نظريّة رياضية أخرى "غيرِ مشكوكٍ فيها".وتكتسب تقنيّة التأويل هذه أهميةً بالغة لأنّها تُفسح المجال أمام الانتقال من نموذج رياضي إلى نموذج آخر بحجّة التطابق الناتج عن علاقة التأويل. يقول أحد الرياضيين في هذا الشأن: "الرياضيات فنّ يقتصر على إعطاء اسم واحد لشيئين مختلفين".
نرى أن "دمج" النظريات الرياضيّة وتداخلها فيما بينها أمور موضوعية تفرضها دوافع كامنة لها صلة مباشرة بمقولتي الاكتمال النظري وعدم التناقض. وهذا ما حدث بالفعل بين الهندسة الإقليديّة وجبر الخوارزمي، بين طرق الاستنفاد – أي بذور الطرق التحليليّة - (أودوكس - أرخميدس) والهندسة الإقليديّة.
3-3-2 نظرية المتوازيات والمصادرة الخامسة
يقول بوريس روزنفيلد وادولف يوشكيقيتش [1]: " إن الأبحاث حول نظرية المتوازيات، التي سعت لبرهنة مصادرة إقليدس المتعلقة بالموضوع، لعبت دورًا هاما واستثنائيا في تاريخ الهندسة. إن التعقيد الذي رافق صياغة هذه المصادرة بالمقارنة مع غيرها ربما يدل على أنها أضيفت إلى الأخريات في وقت لاحق، ومهما يكن، فان هذه المصادرة أو أي نصٍ مكافئ، ضروريان لبرهان عدد من المبرهنات التي تتعلق بالمثلثات الموجودة في الكتاب الأول من الأصول، وكذلك مبرهنة فيثاغورس التي تتوج الكتاب الاول؛ ولهذا السبب تبدو تلك المبرهنة إلزامية لكل نظرية التشابه المشروحة في الكتاب السادس من الأصول. وأسلاف إقليدس أنفسهم فتشوا ظاهريا، في القرن الرابع قبل الميلاد، عن مصادرة اكثر بديهية واكثر إقناعا لكي تشكل القاعدة لنظرية المتوازيات.
يمكننا الاعتقاد، وحسب ما قال أرسطو (384 ق.م.-322 ق.م)، أنه في أيامه، وحتى قبل ذلك، سعى علماء لبرهنة هذه، أو تلك، من القضايا المكافئة للمصادرة الخامسة. وليس مستحيلا أن يكون أرسطو نفسه قد قدم عرضاً خاصاً لإحدى هذه القضايا. "
كما نرى تملك المصادرة الخامسة تاريخاً حافلاً ، فلقد حاول الرياضيون على مدى اكثر من 2200 سنة تقريباً برهانها استناداً إلى المصادرات الأربع الأُوَل . وقد أدّى اكتشاف الهندسة اللاإقليدية وبرهان استقلالية مصادرة الخطوط المستقيمة المتوازية إلى تطور كبير في هذا المجال على يد رياضيي القرنين التاسع عشر والعشرين، الذين تمكنوا من حل هذه المسألة التي شغلت علماء الرياضيات طويلاً. وقد ساهم في حل هذه المسألة مجموعة كبيرة من العلماء عملوا عبر العصور: كبوسيدون (القرن الأول قبل الميلاد) وبروكلس (410-485).ومن بين هؤلاء العلماء مجموعة كبيرة عاشت في الحقبة العربية كابن الهيثم (950-1040)، نصير الدين الطوسي (1201-1274) وعمر الخيام (1048-1131 ) وغيرهم. أما بلورة الاكتشاف الذي أخرج العلماء والباحثين من دوامة المصادرة الخامسة فقد تمّت مع نيكولاي ايفانوفيتش لوباتشوفسكي (N Lobotchevsky, 1792-1856) الذي اكتشف أول هندسة لاإقليدية (هندسة لوباتشوفسكي)، وتسمى أيضا الهندسة زائدية القطع او الهندسة ثنائية الأبعاد ذات الانحناء السلبي الثابت. وقد توصل إلى نفس النتائج وبشكل مستقل عالمان آخران هما كارل غوس (K..Gauss,1777-1855 ) ويانوش بولاي.(Y. Bolyai, 1802-1860). وقد تمكّن هيلبرت (D. Hilbert, 1862-1943) من الحل المنطقي التشكيلي (formalisation logique)لمنظومة الهندسة الإقليدية.
3-3-3 نظرية المتوازيات في الحقبة "العربية" (ما بين القرنين الثامن والخامس عشر)
لقد لعب علماء الحقبة العربية دورا هاماً في بلورة ودراسة مجالات عديدة من علم الهندسة، يقول بوريس روزنفيلد وادولف يوشكيقيتش [1] في هذا المجال: "تعود الآثار الهندسية الأولى المكتوبة بالعربية إلى أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع؛ واللغة العربية التي اعتمدها، بشكل عام، علماء البلاد الإسلامية منذ انطلاق نشاطهم، كانت أداة التعبير في علم الهندسة. وهذه الكتابات تؤكد بشكل واضح أن التقاليد القديمة: التقليد الإغريقي والهلينستي والتقليد الهندي – الذي اتبع أيضا وجزئيا التقليد الإغريقي – أثرت بشكل هام في الهندسة وفي فروع رياضية أخرى كما في العلوم الدقيقة بشكل عام. وعلى الرغم من أهمية هذا التأثير فان الهندسة العربية اكتسبت، ومنذ المراحل الأولى لنموها، خصائصها المميزة التي تتعلق بموقعها في منظومة العلوم الرياضية، وبترابطها مع سائر فروع الرياضيات – على الأخص مع الجبر – وبتفسيرها للمسائل المعروفة وبطرحها للمسائل الجديدة كليا. فبدمجهم لعناصر الإرث الإغريقي وباستيعابهم لمعارف أمم أخرى أرسى العلماء العرب أسس توجهات جديدة للأفكار الهندسية واغنوا، بفكرهم الخاص، المفاهيم التي اعتمدوا، فإذا بهم يخلقون نوعا جديدا من الهندسة ومن الرياضيات عامة".
تناولت نشاطات الرياضيين العرب في علم الهندسة جميع مجالات هذا العلم، التي يمكن تقسيمها إلى الفصول التالية : أسس الهندسة؛ نظرية المتوازيات؛ الطرق الجبرية في علم الهندسة (الهندسة الجبرية) ؛ الحسابات الهندسية؛ البناءات الهندسية؛ التحويلات الهندسية؛ الإسقاطات الهندسية؛ الهندسة الكروية…وذلك عدا عن مجالي علم المثلثات وحساب اللامتناهية في الصغر، حيث تُستعمل الطرق الهندسية أيضا. وقد شهد هذان العلمان تطورًا كبيرا في الفترة العربية.
بغض النظر عمّا يحتويه كتاب الأصول من حلول للمسائل الهندسية وبراهين مبتكرة، تتمحور أهميته الكبرى حول منهجيته النظريّة الموحدة والهادفة إلى حلّ مجموعة ضخمة من المسائل باستخدام هذه المنهجية النظريّة. (وهذه السمة الأساسية للنظريات العلميّة، حيث يُفترض بالنظريّة العلميّة أن تفسّر مجموعة ضخمة من الظواهر استناداً إلى مجموعة من القوانين النظريّة المترابطة). ولقد ترافق وضع كتاب الأصول مع بروز إشكالية نظرية المتوازيات، التي على الأرجح قد سبقت وضع المؤلف نفسه.
لقد مهد العلماء العرب في مجال نظرية المتوازيات، وفي طليعتهم ثابت بن قرة (836-901) وابن الهيثم (950-1040)، وعمر الخيام (1048-1123)، ونصير الدين الطوسي (1201-1274)، الطريق أمام العلماء الأوروبيين: (ساكيري (Saccheri,1667-1733) ، لامبرت (Lambert,1736-1813)، ليجاندر ((Legendre,1794-1823.(لوباتشوفسكي…) لاكتشاف الهندسات اللاإقليدية وتعود صياغة بعض المبرهنات البسيطة في الهندسات اللاإقليدية لابن الهيثم والخيام والطوسي وقد استعمل الرياضيون الأوروبيون النماذج العربية في براهينهم المتعلقة بالهندسات اللاإقليدية ومنها رباعي أضلاع الخيام، ورباعي أضلاع ابن الهيثم. هذا ما تشير إليه النتائج التي توصل إليها الباحثون في تاريخ الرياضيات، وفي طليعتهم البحاثة المعروف يوشكيفتش.
يقول بوريس روزنفيلد وادولف يوشكيقيتش [1]:" وفي الشرق العربي، يبدو أن عباس الجوهري، وهو معاصر للخوارزمي، كان أول من سجل مأخذا على المصادرة الخامسة. ففي كتابه : " إصلاح لكتاب الأصول " افترض عباس الجوهري أنه بالإمكان، وعبر نقطة ما داخل الزاوية، رسم خط يتقاطع مع ضلعيها. وفيما بعد، استعان عدة هندسيين (ومنهم ليجاندر) بهذا الإعلان لبرهنة المصادرة الخامسة. والواقع أن هذا الإعلان متكافئ مع المصادرة، ولا يمكن برهنته بواسطة موضوعات إقليدس الأخرى."
يزخر تاريخ العلم العربي بمجموعة كبيرة من العلماء الذين تعاطوا مع مصادرة إقليدس وحاولوا برهانها، " فبعد الجوهري ببضع عشرات من السنين اقترح ثابت بن قرة برهانين مختلفين للمصادرة الخامسة. نجد أحد البرهانين في مؤلفه : "كتاب في أنه إذا وقع خط مستقيم على خطين مستقيمين فسيرى الزاويتين اللتين في جهة واحدة اقل من قائمتين فإن الخطين إذا اخرجا في تلك الجهة التقيا". ونجد البرهان الآخر في كتابه: "مقالة في أن الخطين إذا اخرجا إلى زاويتين اقل من القائمتين التقيا"." (الكلام لروزنفيلد و يوشكيقيتش [1])
تبنى ابن الهيثم في مؤلفه " شرح مصادرات إقليدس" مفهوم "الحركة البسيطة" الذي ارتكزت عليه دراسة ثابت بن قرة. ويبرهن أن"المكان الهندسي - باللغة المعاصرة" لطرف الخط العمودي الذي يبقى طرفه الآخر على نفس الخط، يمثل خطا مستقيما.
و"لكن تجديد ابن الهيثم الفعلي مرتبط بإدخاله لرباعي أضلاع فيه ثلاث زوايا قائمة وقد استخدم لامبرت مثل هذا المضلع الرباعي فيما بعد في محاولة لبرهان المصادرة الخامسة" (الكلام لروزنفيلد و يوشكيفيتش [1]) .
وقد اقترح ابن الهيثم في مؤلفه: "كتاب حل شكوك إقليدس في الأصول" "مصادرة" مكافئة للمصادرة الخامسة واكثر بساطة منها: " لا يمكن لمستقيمين متقاطعين أن يكونا موازيين لنفس المستقيم".
لقد برهن خليل جاويش [3] أن أحكام ساكيري الأربعة الأولى مطابقة للأحكام التي وردت عند الخيام في مؤلفه " شرح ما أشكل من مصادرات كتاب إقليدس"وان الحجج المستعملة في الحكم الثالث تعود للخيام قبل ساكيري. "
تجدر الإشارة إلى أن مجموعة كبيرة من العلماء العرب غير الخيام وابن الهيثم قد عملوا على حل إشكالية المصادرة الخامسة ومنهم البيروني (توفي حوالي سنة 1048) والكندي (توفي حوالي سنة 873) وحسام الدين السالار (1262 م) وغيرهم ولكن أشهرهم هو نصير الدين الطوسي "الذي اعمل فكره في الخطوط المتوازية وذلك من خلال عملين، الأول : "الرسالة الشافية عن شك في الخطوط المتوازية" المكرس خصيصا لهذه النظرية، والثاني: شرح إقليدس، وهذا الأخير هو في الحقيقة عرض لِ أصول إقليدس مع زيادات مهمة عائدة للمؤلف. وفي كل من المؤلفين استخدم الطوسي، كالخيام، رباعي أضلاع ساكيري ودرس الفرضيات الثلاثة المتعلقة بزواياه العليا". (الكلام لروزنفيلد و يوشكيقيتش [1])
يقول روزنفيلد و يوشكيقيتش [1]: " من خلال أعمالهم في نظرية المتوازيات، مارس علماء الرياضيات العرب تأثيرا مباشرا على أعمال نظرائهم الأوروبيين في الميدان نفسه. فبمراجعتهم كتاب المناظر لابن الهيثم، قام العالم البولوني ويتلو (Witelo) في القرن الثالث عشر بالمحاولة الأوروبية الأولى لبرهنة مصادرة المتوازيات، وهذه المحاولة مستوحاة من دون شك من مصادر عربية. وفي القرن الرابع عشر، أعطى العالمان ، ليفي بن جرسون والفونسو الاسباني، براهين تصب مباشرة في سياق براهين ابن الهيثم، وقد سبق أن أشرنا إلى أن شرح إقليدس المنسوب زعما إلى الطوسي قد نشط دراسات ج. واليس (Wallis, 1616-1703) وج. ساكيري المتعلقة بنظرية المتوازيات. ولا شك في أن التطابق في طرح الفرضيات المتعلقة بزوايا رباعي الأضلاع التي طرحها العلماء الشرقيون في القرون الوسطى من جهة، وكما طرحها ساكيري ولامبرت من جهة أخرى، هو تطابق له دلالته كما إن له أهميته البالغة.".
المراجع
[1] "موسوعة تاريخ العلوم العربية" 3 مجلدات: إشراف ر. راشد. مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت 1998. نقلها إلى العربية فريق الدراسة والبحث في التراث العلمي العربي.
[2] رشدي. راشد: " العلم في الحضارة الإسلامية والحداثة الكلاسيكية"، أعمال اللقاء السوري اللبناني حول البحث في التراث العلمي العربي"
[3] محمد يوسف الحجيري: "الإسهام العربي في علم الهندسة". السفير 20 و21 حزيران 2000
[4] Jaouche Khalhil. La théorie des parallèles en pays d’Islam – VRIM – 1986

باحث في العلوم الرياضية،
وفي فلسفة وتاريخ العلوم الدقيقة والتقنيات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق