الصفحات

hh

hh

تتتت

تتتت
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

بحث

الأحد، 19 يونيو 2016

عصفور على أسلاك/ قصة قصيرة مجهولة لإبراهيم أصلان




 عن اخبار الأدب
تمهيد
اعتاد النهار أن‮ ‬يهبط من فوق كوبري‮ "‬امبابة‮"‬،‮ ‬وبعد أن‮ ‬يمر في طريقه بالبخار الذي‮ ‬يتصاعد من النهر،‮ ‬يتسلق الشاطئ،‮ ‬ولا‮ ‬يلبث أن‮ ‬ينتشر داخل الحواري التي تنحدر من بين المباني المتراصة علي طول الطريق،‮ ‬والتي كثيرا ما تخطئها العين‮.‬

وفي هذه اللحظات،‮ ‬اعتادت أيضا أن تتثاءب الأبواب،‮ ‬وتلوح جموع الأولاد في ضباب الصباح،‮ ‬وكأنها أطياف تبرز من جوف الأرض ومن بين الجدران المتهالكة،‮ ‬يحملون الأواني،‮ ‬ويدوسون بأقدامهم الحافية فوق التراب الذي بلله الندي،‮ ‬ويسعون جميعا إلي حارة‮ "‬حوا‮" ‬فيدخلونها،‮ ‬ويغذّون السير بين بيوتها القصيرة المتقاربة،‮ ‬إلى نهاية أن‮ ‬يصلوا إلى‮ "‬الوسعاية‮" ‬ويحتشدوا فيها،‮ ‬أمام كوخ العم‮ "‬مجاهد‮" ‬الذي كان شبحه‮ ‬يرى هناك خلف قدرة الفول الكبيرة،‮ ‬منذ سنوات بعيدة‮..‬ بعيدة جدا‮.‬
و"الوسعاية‮" ‬هي الميدان الصغير،‮ ‬والمكان الذي ترش فيه المياه كي ما‮ ‬يتماسك التراب،‮ ‬وحيث تقام الأفراح،‮ ‬ويلعب الأولاد،‮ ‬ويتجول الشيخ‮ "‬شعبان‮"‬،‮ ‬ويتجمع الرجال في المساء داخل مقهيى "‬عباس‮" ‬الذي‮ ‬يحتوي علي ثلاثة مقاعد ودكة،‮  ‬وإلى جانب هذا،‮ ‬حيث‮ ‬يمكن لراكب الدراجة أن‮ ‬يستدير في دورة كاملة دون أن‮ ‬يضطر للهبوط من عليها‮.‬

اليوم الأول
‮"‬الساعة العاشرة‮"‬
خرج‮ "‬حمامة‮" ‬إلي‮ "‬الوسعاية‮" ‬ويده في جيب جلبابه‮.‬
تواري بعض الأولاد خلف باب بيت‮ "‬منصور‮" ‬أفندي المدرس وهم‮ ‬ينشدون‮:‬
‮(‬شيخ شعبان‮.. ‬قرصه التعبان‮.. ‬شيخ شعبان‮..‬ قرصه التعبان‮)‬
وقف الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬بقامته القصيرة الممتلئة،‮ ‬وجلبابه الدمور المتسخ،‮ ‬ويده مرفوعة إلي أعلي،‮ ‬قابضة على قشرة برتقالة وهو‮ ‬يصيح‮:‬
‮(‬و‮..‬و‮.. ‬ولاد كلب‮.. ‬رب موتوا‮)‬،‮ ‬ثم اهتز بشدة،‮ ‬وأصدر بعض الأصوات المتداخلة،‮ ‬وهرول إلى الحجر الكبير الأبيض الموضوع بجوار عشة العم‮ "‬مجاهد‮"‬،‮ ‬وخبأ رأسه بين ركبتيه وهو‮ ‬يجلس،‮ ‬خطا‮ "‬حمامة‮" ‬إلى الجانب الآخر،‮ ‬صعد فوق الحجر الكبير الأبيض وهو‮ ‬يتكئ بيده على رأس الشيخ‮ "‬شعبان‮"‬،‮ ‬أطلّ‮ ‬برأسه داخل نافذة صغيرة،‮ ‬صاح‮: "‬صابر‮"‬،‮ ‬كان مستلقيا هو وأمه وخالته وعمه وأخته فوق أرضية حجرتهم المظلمة،‮ ‬قال‮:‬
‮(‬جبتي الحاجة؟‮)‬
ورد‮ "‬حمامة‮": (‬آه‮).‬
خرج‮ "‬صابر‮"‬،‮ ‬طوّق فمه بكفيه وصاح‮:‬
‮(‬سعيد‮)‬
أطلّ‮ "‬سعيد‮" ‬من نافذة بجوار المقهى،‮ ‬قال وهو‮ ‬يلوك شيئا في فمه‮: (‬أيوه جااااااي‮).‬
‮(‬وهات معاك الخيط والإبرة‮)‬
في الجانب الآخر من‮ "‬الوسعاية‮" ‬رفع العم‮ "‬مجاهد‮" ‬كفه المعروق الخشن،‮ ‬ومسح به وجهه القديم وعينيه الكليلتين،‮ ‬وأنزل‮ ‬يده وربت على ظهر صبي صغير،‮ ‬أقرع‮ ‬يجلس بجواره‮.. ‬قال في صوت عميق مشروخ‮:‬
‮(‬إيه‮ ‬يا سيد؟‮)‬
قال‮ "‬سيد‮" ‬وهو‮ ‬يلتفت بوجهه النحيل الأسمر ناحية الأولاد‮:‬
‮(‬أصل أنا عاوز أروح ألعب مع العيال‮)‬
‮(‬يا بني ماهم بيضربوك‮)‬
‮(‬مش حالعب معاهم،‮ ‬ولا أقولك،‮ ‬هاروح أدوّر علي أمي،‮ ‬مبسوط بقي؟‮)‬
خرج‮ "‬سعيد‮" ‬من باب البيت،‮ ‬قال العم‮ "‬مجاهد‮" ‬وهو‮ ‬يبتسم ويقلّب الفول داخل القدرة بالمغرفة الطويلة‮:‬
‮(‬طيب‮ ‬ياعم روح العب،‮ ‬بس ما تخليش حد‮ ‬يضربك‮)‬
قفز‮ "‬سيد‮" ‬واقفا،‮ ‬اقترب من الأولاد الذين جلسوا علي باب المقهى‮ ‬يعملون الكرة،‮ ‬وأخذ‮ ‬يرقبهم بعينيه الواسعتين‮.‬
***

‮(‬الساعة الثانية عشرة‮)‬
اعتلت الشمس‮ "‬الوسعاية‮"‬،‮ ‬وضج المكان بصراخ الأولاد الذين تزاحموا أمام العم‮ "‬مجاهد‮"‬،‮ ‬وهم‮ ‬يرفعون الأواني ويلحّون ويتحايلون مطالبين بالمزيد من حبّات الفول‮..‬ واعتلى الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬الحجر الكبير الأبيض وراح‮ ‬يجول بنظراته الضاحكة في أرجاء المكان وهو‮ ‬يهمهم،‮ ‬كان كل شيء في اختلاطه‮ ‬يمثّل أنشودة‮ ‬يهذي بها عجوز مخمور‮.

وفجأة انطلقت طائرة من مطار‮ "‬امبابة‮" ‬مخترقة الحاجز الصوتي،‮ ‬محدثة فرقعة هائلة،‮ ‬وما أن تعلقت العيون بالسماء حتى عادت لتستقر على قامة‮ "‬مرزوق‮" ‬المنادي الأعور الذي انشقت عنه الأرض في مدخل‮ "‬الوسعاية‮" ‬بمعطفه الطويل الأسود الخالي من الأزرار،‮ ‬والذي لم‮ ‬يلبث أن طوّق فمه بكفه وشرع في الصياح‮:‬
‮(‬يا أهالي امبابه الكرام
يا زباين حارة‮ "‬حوا‮"‬
افتتح اليوم‮ ‬
على ناصية حارتكم وشارع البحر
المطعم الجديد
وهو مطعم مزود بكافة الأشياء العظيمة‮ ‬
وقد قرر أصحابه الكرماء
أن‮ ‬يملأوا طبق الفول حتى آخره
بقرش تعريفه واحد
وإن كنتم لا تصدقون‮ ‬
زورونا وأنتم الرابحون

لتروا بأعينكم الآلات الحديدية اللامعة
التي تصنع الفول والطعمية والباذنجان
والأجر والثواب علي الله‮)‬
صاح بذلك،‮ ‬وتقدم داخل‮ "‬الوسعاية‮" ‬وهو‮ ‬يتكئ على عصاه ويفحص الأرض بعينه الواحدة إلى أن‮ ‬غاب في الجانب الآخر من الحارة‮.‬

وكان الأولاد مازالوا‮ ‬يجلسون على عتبة المقهى،‮ ‬قال‮ "‬حمامة‮" ‬بينما صوت المنادي الأعور ما زال‮ ‬يسمع من بعيد‮: (‬هو إيه هو ده،‮ ‬مش عم مرزوق كان زمان بينادي على الميتين؟‮)‬،‮ ‬قال‮ "‬صابر‮": (‬آه‮)‬،‮ ‬وقال‮ "‬حمامة‮" ‬مرة أخرى‮ (‬هوه‮ ‬ينفع الواحد‮ ‬ينادي على الميتين وعلي الحاجات دي كمان؟‮)‬،‮  ‬وردّ‮ ‬صابر‮: "(‬أنا عارف‮!"‬،‮ ‬والتفت إلى‮ "‬سعيد‮ " :(‬هووووه‮ ‬ينفع‮ ‬يا سعيد؟‮)‬،‮ ‬قال‮ "‬سعيد‮": (‬الكورة خلصت،‮ ‬يا للا بينا نطلع على البحر قبل أمي ما تنادي عليّ‮).‬

انطلقوا‮ ‬يتقاذفون الكرة،‮ ‬و"سعيد‮" ‬الأقرع‮ ‬يتبعهم من بعيد‮.‬
‮***

‮(‬الساعة الواحدة‮)‬
جلس‮ "‬سيد‮" ‬علي سور المدرسة التي تقع على رأس حارة‮ "‬حوا‮"‬،‮ ‬وأخذ‮ ‬ينظر إلى الأولاد وهم ملتمون أمامه على الطوار‮ ‬يقسمون أنفسهم إلى فريقين،‮  ‬قال‮ "‬حمامة‮" ‬وهو‮ ‬يشير إلي‮ "‬سيد‮" (‬ياللا نجيب الواد سيد الأقرع‮ ‬يقف لنا جون‮ ‬يا سعيد‮)‬،‮  ‬توجه‮ "‬سعيد‮" ‬إلى‮ "‬سيد‮": (‬تعالي اقف لنا جون‮ ‬ياواد‮)‬،‮ ‬رد‮ "‬سيد‮" ‬وهو‮ ‬يضخّم من صوته‮: (‬لا‮ ‬يا عم. أنا عاوز ألعب مهاجم‮ ‬يا بلاش‮)‬،‮ ‬صاح أحد الأولاد‮: (‬أنا أقف جون‮).‬
حددوا المرمي بالقباقيب والحجارة،‮ ‬وشرعوا‮ ‬يلعبون الكرة في طريق العربات‮.‬
‮***

‮(‬الساعة الثانية‮)‬
قفز‮ "‬سيد‮" ‬من فوق سور المدرسة،‮ ‬وقطع الشارع ووقف علي الشاطئ،‮ ‬كانت المراكب الآتية من الصعيد تسبح وئيدة في صمت،‮ ‬والرجال‮ ‬يتسلقون صواريها العالية ويطوون الأشرعة التي التقطت ضوء الشمس،‮ ‬وتطلّع عبر النهر إلى حيّ‮ ‬الزمالك،‮ ‬كانت المقاعد الرخامية البيض تمتد علي طول الضفة الأخري،‮  ‬والعربات تتهادى خلال المباني الكبيرة الهادئة التي تظللها الأشجار،‮ ‬أمسك‮ "‬سيد‮" ‬بحجر وقذفه على طول ذراعه،‮ ‬وراقبه وهو‮ ‬يسقط في النهر،‮ ‬واستدار وعاد‮ ‬يقطع الشارع مرة أخرى‮.‬
اقترب من المطعم الجديد،‮ ‬وتأمل اللافتة الكبيرة المعلقة،‮ ‬والصورة المرسومة على مدخله الزجاجي الذي‮ ‬يطلّ‮ ‬على الطريق العام،‮ ‬والتي تمثّل رجلا‮ ‬يدلق الفول من فوهة داخل طبق تحمله بنت صغيرة على وجهها فرحة كبيرة،‮ ‬ولفت نظره فمها المتسع الذي طلي باللون الأحمر،‮ ‬ثم انتقل ببصره إلى الرجال الذين كانوا‮ ‬يروحون ويجيئون داخل المطعم في خطوات سريعة وهمة متناهية،‮ ‬وهم‮ ‬يحملون الأواني ويرتبون المناضد المعدنية الملونة،‮ ‬وفي ركن المطعم كان هناك عملاق عظيم‮ ‬يضم ذراعيه على صدره،‮ ‬ابتسم لسيد ابتسامة أعجبته،‮ ‬فدلف إلي الداخل،‮ ‬ورفع رأسه الأقرع وأخذ‮ ‬يتفحص الجدران العالية البيضاء والسيور الجلدية التي امتدت من الأرض إلى السقف،‮  ‬وزجاجات الزيت وبرطمانات الليمون المخلل التي رصت علي الأرفف في تشكيلات أخّاذة،‮ ‬وتقدم‮ "‬سيد‮" ‬أكثر،‮ ‬وربت بيده علي القدور النحاسية اللامعة التي كانت تستقر وهي ماثلة فوق الطاولة الرخامية الطويلة،‮ ‬وانحنى وتناول ملء كفه من نشارة الخشب الخضراء المبدورة فوق البلاط وعاد أدراجه إلى شارع البحر وهو‮ ‬يبدر النشارة بين قدميه،‮ ‬وصعد على سور المدرسة،‮ ‬ومرة أخري عاد‮ ‬يتابع الأولاد،‮ ‬بينما‮ ‬يلعبون الكرة في طريق العربات‮.‬
***

‮(‬الساعة الثالثة‮)‬
انحدرت الشمس عن سماء‮ "‬الوسعاية‮"‬،‮ ‬وكان‮ "‬مرزوق‮" ‬المنادي الأعور جالسا على الدكة‮ ‬يدخّن الجوزة،‮ ‬و"عباس‮" ‬واقفا‮ ‬يرش الماء،‮ ‬وقد شمّر عن كم جلبابه،‮ ‬ارتفعت أصوات البنات عندما تساقطت نقاط المياه على‮ "‬الأوله‮" ‬التي كن قد أعدن تخطيطها تحت شباك أم "صابر‮"‬،‮ ‬عاد‮ "‬عباس‮" ‬وجلس على الدكة وراح‮ ‬يرقبهن وهن ملتفات حول البنت الصغيرة ذات الشعر الأسود،‮ ‬التي كانت تمسك بطرف جلبابها الأخضر،‮ ‬وتحجل على ساق واحدة وهي تدفع بقدمها علبة الورنيش الممتلئة بالتراب،‮ ‬والتفت‮ "‬عباس‮" ‬إلى‮ "‬مرزوق‮": (‬أما حكاية،‮ ‬بقي المحلّ‮ ‬فتحوه مطعم؟‮)‬،‮ ‬أخرج مرزوق الدخان من فتحتي أنفه‮: (‬أي نعم‮).‬
‮(‬ودول مين بقي اللي فتحوه؟‮)‬
‮(‬فتحوا إيه؟‮)‬
‮(‬المطعم‮ ‬يا أخينا‮).‬
‮(‬آه‮.. ‬ناس‮)‬
كان هناك بعض الأولاد‮ ‬يقطعون‮ "‬الوسعاية‮" ‬ركضا وهم‮ ‬يحملون الأواني في طريقهم إلي شارع البحر‮.‬
‮***

‮(‬الساعة الرابعة‮)‬
ظهر الصبي‮ "‬سيد‮" ‬في مدخل‮ "‬الوسعاية‮" ‬وهو‮ ‬يتنفس في صعوبة،‮ ‬اتجه ناحية العم‮ "‬مجاهد‮" ‬وهو‮ ‬يمسح دموعه بظهر‮ ‬يده،‮ ‬أدار العجوز وجهه،‮ ‬تساءل‮: (‬مين؟،‮ ‬سيد؟‮)‬،‮ ‬انفجر الصبي باكيا في صوت عال،‮ ‬مد العجوز‮ ‬يده ناحيته‮: (‬طيب تعالي،‮ ‬تعالي‮)‬،‮ ‬مضت فترة ويده معلقة في الهواء،‮ ‬تقدم‮ "‬سيد‮" ‬خطوة،‮  ‬وضع كفه الصغيرة في الكف القاتم المعروق،‮ ‬أخذه العم‮ "‬مجاهد‮" ‬بين ذراعيه‮: (‬يعني كويس كده؟،‮ ‬أنا مش قلتلك أنهم بيضربوك؟‮)‬،‮ ‬تخلص الصبي من بين ذراعيه‮: (‬محدش ضربني‮)‬،‮ ‬حاول العجوز أن‮ ‬يطوقه بذراعه مرة أخري طيب ماتزعلش،‮ ‬خليك قاعد جنبي وما تلعبش معاهم تاني‮)‬،‮  ‬صاح الصبي‮: (‬يا أخي قلتلك محدش ضربني،‮ ‬أهو كمان‮)‬،‮ ‬ورفع ذراعه وأهوي بكفه علي وجه الرجل،‮ ‬واستدار بسرعة وصعد على الحجر الكبير الأبيض،‮ ‬وخبأ رأسه بين ركبتيه،‮ ‬وراح جسده الضئيل‮ ‬يهتز في صمت‮.‬
‮***

‮(‬الساعة الخامسة‮)‬
خرج‮ "‬صابر"من باب بيتهم وهو‮ ‬يحمل طبقا،‮ ‬وانسلّ‮ ‬من‮ "‬الوسعاية‮" ‬في طريقه إلى شارع البحر،‮ ‬تحرك أحد الرجلين اللذين كانا‮ ‬يجلسان على الدكة في مدخل المقهى،‮ ‬وكان‮ ‬يرتدي حلة متآكلة ويضع على رأسه طربوشا مستقيما،‮ ‬قال وهو‮ ‬يشير إلى‮ "‬سيد‮" ‬الذي لا‮ ‬يزال جالسا علي الحجر الكبير الأبيض‮:(‬الولد ده لسه أمه مابنش عنها خبر؟‮)‬،‮ ‬قال عباس وهو‮ ‬يجلس في منتصف الدكة‮: (‬أبدا والله‮ ‬يا منصور أفندي‮)‬،‮ ‬ثم أردف‮: (‬والله الواحد خايف ليكون جري لها حاجة‮)‬،‮ ‬قال الرجل الذي كان‮ ‬يجلس على الطرف الآخر من الدكة،‮ ‬وكان بدينا وقصيرا وعيناه كانتا قلقتين‮: (‬أم مين؟‮) ‬أم مين‮ ‬ياعباس؟‮)‬،‮ ‬أشار عباس إلي الصبي الأقرع ورفع الصبي وجهه من بين ركبتيه وراح‮ ‬يتطلع ناحيتهم بعينيه الكبيرتين،‮ ‬مرّ‮ ‬فوج آخر من الأولاد،‮ ‬هرولوا‮ ‬يحملون الأطباق ويعبرون‮ "‬الوسعاية‮" ‬في طريقهم إلي شارع البحر،‮ ‬أطلّ‮ ‬أبو‮ "‬سعيد‮" ‬من نافذة حجرته الموجودة بجوار مدخل المقهى‮.‬

قال‮: (‬مساء الخير‮ ‬ياجماعة،‮ ‬إزيك‮ ‬يامنصور أفندي‮)‬،‮ ‬قال منصور أفندي‮: (‬عال،‮ ‬إزي حال رجلك دلوقت؟‮)‬،‮ ‬وقال سلامة‮: (‬إزي صحتك‮ ‬ياسي عارف‮)‬،‮ ‬التفت منصور أفندي ناحيته وزوي ما بين حاجبيه الرفيعين،‮ ‬بينما قال عارف أفندي‮: (‬الحمد لله،‮ ‬أحسن‮)‬،‮ ‬مال سلامة وأطلّ‮ ‬بوجهه من وراء منصور أفندي وجذب ‬كم‮ "‬عباس‮" ‬وهو‮ ‬يقول في صوت خافت‮: (‬أمال الواد بياكل منين‮ ‬يا عباس؟ هيه،‮ ‬قاعد عند مين‮ ‬يا عباس؟‮)‬،‮  ‬صرخ‮ "‬منصور‮" ‬أفندي‮: (‬يا أخي قلنا لك قاعد مع عمك مجاهد بياع الزفت،‮ ‬دهدي‮).‬

قام سلامة واقفا،‮ ‬عبر‮ "‬الوسعاية‮"‬،‮ ‬ووقف في مدخل بيت الحاج حنفي وقال‮: (‬لا مؤاخذة‮ ‬يامنصور أفندي،‮ ‬مش قصدي‮)‬،‮ ‬وأغلق الباب وراءه‮.‬
‮***

‮(‬الساعة السادسة‮)‬
نادي‮ "‬عباس‮" ‬وهو‮ ‬يقف‮: (‬خذ‮ ‬يا واد‮ ‬يا صابر‮)‬،‮ ‬اقترب‮ "‬صابر" منبهرا وهو‮ ‬يمسك بكلتا‮ ‬يديه طبقا ممتلئا بالفول حتي حافته‮: (‬إيه‮ ‬ياواد الحكاية،‮ ‬مالك،‮ ‬العفاريت ركبتكم ولا إيه؟‮)‬،‮  ‬أشعّت عينا الولد وهو‮ ‬ينقل بصره بين الطبق ووجه‮ "‬عباس‮"‬،‮ ‬صرخ فجأة‮: (‬بتعريفه‮)‬،‮ ‬وانطلق،‮ ‬تقدّم‮ "‬عباس‮" ‬وراءه وهو‮ ‬يصيح‮: (‬بتعريفه‮..‬ بتعريفه إزاي‮ ‬ياوله؟ واد‮ ‬يا صابر‮)‬،‮ ‬كان صابر قد اختفى،‮ ‬صاح‮ "‬سلامة‮" ‬وهو‮ ‬يقف في مدخل البيت‮:(‬مش معقول،‮ ‬مش معقول‮ ‬ياعباس‮)‬،‮ ‬اقترب فوج آخر من الأولاد،‮ ‬أخذوا‮ ‬يقطعون الوسعاية في هدوء وهم‮ ‬يحملون الأطباق التي امتلأت حتي حافتها،‮ ‬اعترض عباس طريقهم‮: (‬بتعريفه ده‮ ‬ياولاد؟‮)‬،‮ ‬هز الأطفال رؤوسهم في اغتباط‮.‬

تبددت الأحاديث،‮ ‬وقف الرجال والنساء والأولاد فوق الأسطح وعلي عتبات الأبواب،‮ ‬وتدلّت العيون من النوافذ ومن كل مكان،‮ ‬كلها تتطلع إلي الأطباق الممتلئة،‮ ‬وتلتقط ما يدور من كلمات كما انطلق الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬كالقذيفة وراح‮ ‬يضع وجهه داخل كل طبق من الأطباق على حدة‮ ‬غير مبال برفسات الأولاد،‮ ‬فقط كان‮ ‬يقفز صارخا بعد كل مرة وهو‮ ‬يمسك أنفه الذي انسلق من ماء الفول المغلي،‮ ‬صفعه‮ "‬عباس‮" ‬علي قفاه،‮ ‬وتنحّي عن طريق حاملي الأطباق،‮ ‬وعاد إلى المقهى،‮ ‬وبدأ‮ ‬يضرب كفا بكف‮.‬
***

(‬الساعة السابعة‮)‬
اندفع‮ "‬صابر‮" ‬من باب البيت وهو‮ ‬يحمل ثلاثة أطباق وحلّة،‮ ‬وتاه وسط الأهالي الذين كانوا‮ ‬يشرعون الأواني ويندفعون في كل اتجاه،‮  ‬شقّ‮ "‬مرزوق‮" ‬المنادي طريقه بصعوبة،‮ ‬صرخ‮ :(‬هوه إيه اللي جري؟ الدنيا اتقلبت ولا إيه؟‮ )‬،‮  ‬قال ذلك،‮ ‬ورفع ساقه علي الدكة بينه وبين‮ "‬عباس‮"‬،‮ ‬وأخذ‮ ‬ينزع البصلة التي كان قد أدخل إصبعه الكبير فيها،‮ ‬قال‮ "‬عباس‮" ‬محدثا نفسه‮:(‬أما شغلانه مايعلم بها إلا ربنا‮)‬،‮ ‬صاح‮ "‬مرزوق‮": ‬
‮(‬شغلانة إيه‮ ‬ياجدع‮.. ‬الله‮..‬ ما تفهمونا‮ ‬ياخلايق‮).‬
‮(‬شغلانة الكلام اللي انت قلته الصبح‮ ‬يا أخ‮).‬
‮(‬كلام،‮ ‬كلام إيه‮ ‬يا جدع؟‮).‬
‮(‬يا نهار أغبر،‮ ‬انت الصبح مش كنت بتنادي وتقول إن المطعم الجديد حيملي طبق الفول لغاية آخره بتعريفه؟‮).‬
‮(‬مين؟ أنا كنت باقول كده؟‮)‬
‮(‬لا،‮ ‬دي المسألة بقت‮ ‬يحزنون خالص،‮ ‬مساء الخير‮ ‬يا أخ‮).‬
‮(‬أبدا والله‮ ‬ياعبس،‮ ‬أصل الواحد بيحفظّوه الحاجة،‮ ‬وبعدين‮.. ‬لكن وبعدين إيه بقي‮).‬
وانتهى من ربط قدمه،‮ ‬وسحب عصاته،‮ ‬وأخذ‮ ‬يتوكأ عليها مهرولا،‮ ‬أوقد عباس الكلوب،‮ ‬ووقف أمام مدخل المقهى لفترة من الوقت،‮ ‬ثم التفت،‮ ‬التقت عيناه بعيني‮ "‬عارف‮" ‬أفندي،‮ ‬نظر كلاهما إلى العم‮ "‬مجاهد‮"‬،‮ ‬كان جالسا في مدخل عشته،‮ ‬والبخار‮ ‬يتصاعد من فوهة قدرته الكبيرة،‮ ‬يمناه قابضة علي المغرفة،‮ ‬ويسراه تحتضن‮ "‬سيد‮" ‬الذي كان قد أراح رأسه الأقرع في حجره،‮ ‬وراح‮ ‬يتنفس في هدوء‮.‬
‮***

‮(‬اليوم الثاني
الساعة الخامسة‮)
بعد أذان الفجر بقليل،‮ ‬فتح العم‮ "‬مجاهد‮" ‬عينيه،‮ ‬ورفع جذعه،‮ ‬واستند إلى جدار العشة،‮ ‬وظلّ‮ ‬مسترخيا لفترة من الوقت‮.‬
أخرج علبة الكبريت من جيب الصديري،‮ ‬وأشعل اللمبة،‮ ‬كان الفراش مكونا من حشية طويلة ممزقة،‮ ‬أما باقي المكان فقد كان مزدحما بالقدرتين والوابور وعدد كبير من المغارف والأجولة الفارغة والصفائح المختلفة الأحجام،‮ ‬وكانت هناك أيضا كومة من الثياب القديمة،‮ ‬واخرى من التبن،‮ ‬جذب العم‮ "‬مجاهد‮" ‬الوابور وأشعله،‮ ‬ووضع فوق البراد،‮ ‬ثم أخرج صندوق دخانه وراح‮ ‬يلف سيجارة بأصابعه الطويلة الجافة،‮ ‬وما أن سمع صوت‮ ‬غليان الشاي حتى أنزل البراد،‮ ‬وحمل الوابور وأدخله في الحمّالة تحت القدرة النحاسية الكبيرة،‮ ‬وعاد إلى مكانه،‮ ‬وجذب نفسا من السيجارة،‮ ‬أسلمه لنوبة شديدة من السعال،‮ ‬تقلّب‮ "‬سيد‮" ‬على أثرها،‮ ‬مال العم‮ "‬مجاهد‮" ‬ورفع المعطف القديم الذي كان الصبي قد دفعه تحت قدميه،‮ ‬وغطاه به ثانية،‮ ‬واعتدل في جلسته مرة أخرى،‮ ‬وراح‮ ‬يعدل من وضع شاربه المتهدل،‮ ‬ويمشطه علي جانبي وجهه،‮ ‬وما أن خلى الطريق أمام فمه،‮ ‬حتى استكان‮ ‬يشرب الشاي‮.‬
***

‮(‬الساعة السادسة‮)‬
فتح العم مجاهد باب العشة وأخرج القاعدة الخشبية،‮ ‬وعاد إلي القدرة النحاسية،‮  ‬فحملها ووضعها فوق القاعدة وهو‮ ‬يلهث،‮  ‬ودخل إلي العشة مرة أخري وأطفأ الوابور،‮ ‬وفكر العم‮ "‬مجاهد‮" ‬في أنه كان قد اعتاد لسنوات طويلة جدا ألا‮ ‬يطفئ الوابور،‮ ‬بل‮ ‬يضعه تحت القدرة الصاج ويتركه مشتعلا،‮ ‬حتي إذا ماانتصف النهار وأوشكت القدرة النحاسية أن تفرغ،‮ ‬أمكنه أن‮ ‬يواصل البيع بقية اليوم من القدرة الصاج،‮  ‬ولكن هاهو‮ ‬يوم كامل‮ ‬يمر والقدرة النحاسية مازالت ممتلئة إلى نصفها بالفول،‮  ‬ولاحظ أن ذلك شيء لم‮ ‬يحدث أن مر به قبلا،‮ ‬ولا حتي في أيام الأعياد،‮ ‬وبينما هو جالس في مدخل العشة،‮ ‬التقطت أذنه صرير أول باب‮ ‬يفتح،‮ ‬وقال الحاج‮ "‬حنفي‮" ‬الذي كان عائدا من المصلي‮: (‬صباح الخير‮.. ‬نهارك أبيض إن شاء الله‮)‬،‮ ‬وتمتم العم‮ "‬مجاهد‮" ‬بالرد،‮ ‬واتضحت المباني في الوسعاية،‮ ‬وتوالى صرير الأبواب،‮ ‬وأخذ الأولاد‮ ‬ينفلتون من ورائها ويتسللون في هدوء إلى جانب الحارة الآخر،‮ ‬كان‮ ‬يرى جموعهم الشاحبة بعينيه المتعبتين،‮ ‬ويسمع وقع أقدامهم وهي تدرج علي الأرض المتربة،‮ ‬بينما هم‮ ‬يقطعون‮ "‬الوسعاية‮" ‬من أمامه،‮ ‬دون أن‮ ‬يتوقف أحدهم عنده،‮ ‬كانوا جميعا في طريقهم إلى هناك‮.‬
‮***

‮(‬الساعة العاشرة‮)
انتهى "‬عباس‮" ‬من رش الماء في‮ "‬الوسعاية‮" ‬واقترب من المقهى وهو‮ ‬يوجه حديثه للرجلين الجالسين في مدخلها‮: (‬هيه،‮  ‬عملت إيه‮ ‬يا أسطي عيد؟‮)‬،‮ ‬قال الأسطى وهو‮ ‬يغلق الطاولة‮:(‬غلبته طبعا،‮ ‬دي حاجة ولا مؤاخذة مهياش عاوزة كلام‮)‬،‮ ‬قال‮ "‬عارف‮" ‬أفندي وهو‮ ‬يدلي بنصف جسده من النافذة‮: (‬ياسلام لو سمعت كلامي‮ ‬ياسلامة ومسكته في الشيش بدلا لك‮ ‬،‮ ‬كنت ضمنت الدور وانت مغمض‮)‬،‮ ‬وصل الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬إلى الوسعاية،‮ قطعها قفزا وهو‮ ‬يهدر وبين‮ ‬يديه طبق من الفول،‮ ‬واختفى داخل بيت الحاج‮ "‬حنفي‮"‬،‮ ‬قال سلامة‮: (‬أصله حظه كبير‮ ‬ياسي عارف،‮ ‬أصله حظه كبير‮)‬،‮ ‬خرج الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬مسرعا من باب البيت،‮ ‬جلس علي الحجر الكبير الأبيض في بقعة الشمس وهو‮ ‬يدعك بطنه بيديه،‮ ‬ويستغرق في الضحك،‮ ‬قال الأسطي‮: (‬شوف‮ ‬ياعارف أفندي،‮ ‬زي ما اتغلبتوا في الكاس،‮ ‬لازم تتغلبوا في الطاولة،‮ ‬دي حاجة‮ ‬يعني ولا مؤاخذة مهياش عاوزة كلام‮)‬،‮ ‬علت الحمرة وجه عارف أفندي‮ :(‬لا،‮  ‬ماهو اسمع بقي لما أقولك،‮ ‬الجرايد كلها قالت إن الجون كان أوفسايد والحكم ماشفهوش‮)‬،‮ ‬وقال سلامة‮: (‬وافتكر انت‮ ‬يعني‮ ‬يا أسطى عيد،‮ ‬مش أحسن من الجرايد‮)‬،‮ ‬قال الأسطي وهو‮ ‬يزوي مابين حاجبيه‮: (‬يا جدع اختشي،‮ ‬عيب‮).‬
***‬

‮(‬الساعة الثانية عشرة‮)‬
امتلأت‮ "‬الوسعاية‮" ‬بالأولاد الذين كانوا في طريقهم إلي شارع البحر،‮ ‬تطلع‮ "‬عباس‮" ‬من فوق رؤوسهم المسرعة إلي الجانب الآخر،‮ ‬رأي العم‮ "‬مجاهد‮" ‬يتطلع أمامه ووجهه مرفوع خلف قدرة الفول الكبيرة،‮ ‬و"سيد‮" ‬الأقرع‮ ‬يجلس إلي جواره،‮ ‬قال الأسطي عيد‮: (‬العيال كلهم رايحين المطعم،‮ ‬قال‮ "‬عباس‮":(‬لغاية دلوقتي مشفتش حد اشتري من عم مجاهد خالص‮)‬،‮ ‬قال الأسطى: (‬لا،‮ ‬ماهو الراجل حيتعب،‮  ‬دي حاجة‮ ‬يعني ولا مؤاخذة مهياش عاوزة كلام،‮ ‬إذا كان المطعم‮ ‬ياعم بيبيع مقدار أبو قرشين صاغ‮ ‬بتعريفة واحد‮)‬،‮ ‬علّق‮ "‬عارف‮" ‬أفندي‮: (‬يا سيدي كلهم بيعملوا كده في الأول علشان‮ ‬يكسبوا زباين،‮ ‬وبعدين‮ ‬يرجع أخوك عند أبوك‮)‬،‮  ‬انقذف الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬داخل الوسعاية،‮ ‬بدأ‮ ‬يقفز في الهواء بجلبابه الذي لم‮ ‬يكن‮ ‬يرتدي تحته شيئا البتة،‮ ‬ويدور بجوار الجدران وقد كبس حتي أذنيه طربوشا طويلا أحمر،‮ ‬صاح‮ "‬سلامة‮" ‬وهو‮ ‬يقف أمام بيت الحاج‮ "‬حنفي‮": (‬يانهار أبيض‮ ‬ياعباس،‮  ‬شوف الشيخ شعبان‮ ‬ياعباس‮)‬،‮ ‬التف الأولاد الصغار بالشيخ‮ "‬شعبان‮"‬،‮ ‬وراحوا‮ ‬يصفقون ويتصايحون،‮ ‬قال‮ "‬عباس‮" (‬يا نهار أغبر،‮ ‬ده طربوش منصور أفندي‮)‬،‮  ‬نام الأسطي وهو‮ ‬يمد‮ ‬يده بالنقود إلي عباس‮: (‬لا حول ولا قوة إلا بالله‮)‬،‮ ‬بينما علّق‮ "‬عارف‮" ‬أفندي وقد احتقن وجهه وأغرورقت عيناه‮: (‬يا سلام،‮ ‬أول مرة في حياتي أشوف حاجة زي دي،‮ ‬ياسلام‮)‬،‮ واختفي من النافذة‮.‬
***

‮(‬الساعة الواحدة‮)‬

خرج‮ "‬صابر‮" ‬من باب البيت وهو‮ ‬يداري أطباقه الثلاثة في طرف جلبابه،‮ ‬ناداه‮ "‬عباس‮" ‬وهو واقف في مدخل المقهي‮ :‬
‮(‬رايح فين‮ ‬ياواد؟‮)‬
قال‮ "‬صابر‮" ‬في صوت خافت وهو‮ ‬يختلس نظرة ناحية العم‮ "‬مجاهد‮": (‬رايح أجيب فول‮).‬
‮(‬طيب ما تجيب من عمك مجاهد‮ ‬يا واد‮)‬
‮(‬أصل عمي مرسي هو اللي قاللي هات من المطعم‮)‬
‮(‬وهو فين عمك مرسي؟‮)‬
‮(‬قاعد جوا بيقرا في الكتب‮)‬
‮(‬طيب لما ترجع ابقي قوله إني عاوزه‮)‬
ودخل إلى المقهي،‮ ‬بعد قليل خرج وفي‮ ‬يده طبق،‮ ‬توجه إلي العم‮ "‬مجاهد‮"‬،‮ ‬انحني عليه وهو‮ ‬يناوله الطبق قائلا‮ :‬
‮(‬هيه،‮ ‬إزاي الحال‮ ‬ياعم مجاهد؟‮)‬
في صمت أعمل العم‮ "‬مجاهد‮" ‬مغرفته الطويلة بين القدرة والطبق،‮ ‬لم‮ ‬يتكلم‮ "‬عباس‮" ‬مرة أخري،‮ ‬وما أن استدار عائدا إلى المقهى حتى زعق العم‮ "‬مجاهد‮" ‬فجأة‮:‬
‮(‬وعليكم السلام ورحمة الله‮).‬
فوقع طبق الفول من بين‮ ‬يدي‮ "‬عباس‮".‬
***

‮(‬الساعة الثانية‮)‬
كان‮ "‬سيد‮" ‬جالسا داخل العشة‮ ‬يأكل،‮ ‬عندما قام العم‮ "‬مجاهد‮" ‬بقامته النحيلة،‮ ‬وانحني وحمل قدرته النحاسية،‮ ‬وأعادها إلي مكانها داخل العشة،‮ ‬وعاد مرة أخري وهو‮ ‬يلهث،‮ ‬وحمل القاعدة الخشبية والمقعد الواطئ الذي تدلت الخيوط من حشيته البالية،‮ ‬وسحب وراءه الباب الصغير ذا الألواح الخشبية المنخورة،‮ ‬وهكذا أغلقت العشة في وضح النهار،‮ ‬وللمرة الأولي لم‮ ‬يعد العم‮ "‬مجاهد‮" ‬يجلس في مدخلها منذ سنوات لا‮ ‬يذكرها أحد‮.‬
وعلي الفور امتدت خطوط‮ "‬الأولي‮" ‬من تحت شباك أم‮ "‬صابر‮"‬،‮ ‬حتي بلغت ذلك المكان الذي خلي،‮ ‬وأمكن أخيرا للأولاد والبنات أن‮ ‬يقفزوا في كل شبر من‮ "‬الوسعاية‮"‬،‮  ‬تقدم‮ "‬عباس‮" ‬بضع خطوات ووقف في مدخل المقهي وقد اتسعت عيناه،‮ ‬بينما هو‮ ‬يتطلع إلي الباب الذي أغلق،‮  ‬وفتح فمه ومال ناحية نافذة‮ "‬عارف‮" ‬أفندي،‮ ‬وهمّ‮ ‬أن‮ ‬يتكلم،‮ ‬ولما فوجئ بأن النافذة خالية،‮ ‬أغلق فمه مرة أخري،‮ ‬وتقدم حتي منتصف‮ "‬الوسعاية‮" ‬وعيناه تجولان بين الأبواب والنوافذ الصغيرة،‮ ‬ولكن أحدا‮ ‬غير الأولاد الصغار لم‮ ‬يكن هناك علي الإطلاق‮.‬
***

‮(‬الساعة الثالثة‮)‬
انحرفت الشمس عن سماء‮ "‬الوسعاية‮"‬،‮ ‬وراح الحاج‮ "‬حنفي‮" ‬يتقدم في جلبابه متوجها إلي شارع النيل،‮ ‬ما أن مرّ‮ ‬أمام المقهي حتي أشار له‮ "‬عباس‮"‬،‮ ‬كفّ‮ ‬الحاج عن التمتمة،‮ ‬وعلت وجهه بسمة خفيفة،‮ ‬قال‮:‬
‮(‬خير‮ ‬يا بني؟‮)‬
‮(‬باقول إيه‮ ‬ياعم الحاج،‮ ‬تتصور،‮ ‬الضهر فات ومحدش اشتري فول خالص من عم مجاهد،‮ ‬لدرجة إن الراجل قفل العشة‮)‬
التفت الحاج ناحية الباب المغلق،‮ ‬ثم عاد وتطلع إلي عباس‮ :‬
‮(‬ليه‮ ‬يابني؟‮)‬
‮(‬علشان المطعم‮)‬
‮(‬مطعم إيه؟‮)‬
‮(‬المطعم اللي فتحوه علي البحر‮)‬
‮(‬ماله؟‮)‬
‮(‬الناس كلها بتشتري منه‮)‬
‮(‬ليه‮ ‬يا بني؟‮)‬

‮(‬أصله بيملي طبق الفول بتعريفه‮)‬
‮(‬يا سلام؟‮)‬
‮(‬ومن ساعتها محدش بيشتري من عم مجاهد‮)‬
‮(‬طيب وبعدين؟‮)‬
‮(‬مش عارف‮)‬
‮(‬محدش بيشتري خالص؟‮)‬
‮(‬أهي ساعة الضهرية عدت من‮ ‬غير ماحد‮ ‬يجي‮ ‬،واديك عارف ساعة الضهرية مكنتش تعرف تحط رجلك في الوسعاية من الزحمة‮).‬
‮(‬صحيح‮ ‬يابني‮)‬
‮(‬طيب والعمل؟‮)‬
‮(‬العمل علي الله‮)‬
‮(‬ونعم بالله‮)‬
‮(‬ربك مابيخلقش حد وينساه‮)‬
‮(‬آمنت بالله‮)‬
‮(‬السلام عليكم‮)‬
‮(‬وعليكم السلام ورحمة الله‮).‬
***

‮(‬الساعة الرابعة‮)‬
أمام المقهى‬، استند‮ "‬عارف‮" ‬أفندي علي كتف‮ "‬منصور‮" ‬أفندي‮ ‬
الذي صاح‮:‬
‮(‬ولد‮ ‬يا صابر‮"‬
قال‮ "‬صابر‮" ‬الذي كانت رأسه بارزة من نافذة حجرتهم الأرضية‮:‬
‮(‬هو انت بتنادي عليّه ؟‮)‬
‮(‬ادخل‮ ‬ياكلب قول لعمك مرسي إذا اتأخر أكتر من كده دقيقة واحدة حانسيبه ونمشي‮)‬
قال‮ "‬عباس‮" ‬القهوجي‮ :‬
‮(‬الله‮‬،‮ ‬علي فين‮ ‬ياجماعة؟‮)‬
رد‮ "‬عارف‮" ‬أفندي‮: (‬خمسة كده لغاية البحر‮).‬
قال‮ "‬منصور‮" ‬أفندي‮:‬
‮(‬الأستاذ عارف عاوز‮ ‬يتفرج علي المطعم‮)‬
علت الحمرة وجه‮ "‬عارف‮" ‬أفندي‮ :‬
‮(‬يا أخي مش عاوز أتفرج ولا حاجة‮‬، أهو نمشي شوية كده ومفيش مانع برضه نلقي نظره‮، أنا من ساعة ماعملت العملية ماخرجتش من البيت‮).‬
تقدّم‮ "‬مرسي‮" ‬بقامته المديدة الممتلئة وجلبابه الباهت‮ ‬،قال وهو‮ ‬يعدل من وضع نظارته الطبية فوق أنفه‮:‬
‮(‬اتفضلوا‮)‬
قال‮ "‬عباس‮":‬
‮(‬يعني محدش شافك الليلة اللي فاتت‮ ‬ياسي مرسي‮)‬
قال مرسي بصوته الخافت الممتلئ‮:‬
‮(‬كنت مرهقا‮)‬
وأشار إلي الرجلين‮:‬
‮(‬اتفضلوا‮ ‬ياحضرات‮)‬
همس سلامة وهو‮ ‬يقترب منهم‮: (‬آجي معاكم‮ ‬ياسي عارف؟‮)‬
صرخ منصور أفندي وهو‮ ‬يلتفت نحوه‮:‬
‮(‬ما تيجي‮ ‬يا أخي ولا تروح‮‬، هو احنا هنشيلك فوق راسنا؟‮)‬
رفع سلامة حاجبيه إلى أعلى:‬
‮(‬طيب ماكنت تتشطر علي الشيخ شعبان اللي خطف طربوشك‮)‬
التفت‮ "‬منصور‮" ‬أفندي ناحيته‮‬، ظلّ‮ ‬يحدق فيه لفترة من الوقت ثم قال‮ :‬
‮(‬آه‮ ‬ياعرة‮ ..‬بشرفي لولا إن عارف أفندي مسنود عليّ‮ ‬لكنت عرفت أربيك صحيح‮ )‬
وتحرك الرجال بين البيوت القصيرة المتقاربة‮، في المقدمة‮ "‬مرسي‮" ‬بجبهته العالية وشعره الرمادي ونظارته الطبية‮‬،‮ ‬ومن ورائه‮ "‬عارف‮" ‬أفندي ببيجامته المقلمة‮ ‬يتكئ علي كتف‮ "‬منصور‮" ‬أفندي برأسه العاري‮ ‬يتبعهم سلامة بقامته القصيرة وعينيه المقلمتين‮.‬
***

‮(‬الساعة السادسة‮)‬
قال العم‮ "‬مجاهد‮" ‬في صوت خافت‮:‬
‮(‬سيد‮ ‬،‮ ‬تعرف تولع اللمبة؟‮)‬
هزّ‮ "‬سيد‮" ‬رأسه موافقا‮، استطرد العم‮ "‬مجاهد‮":‬
‮(‬خد علبة الكبريت من جيب الصديري وولعها‮ ‬،وبعد ماتولعها حط علبة الكبريت علي الصفيحة جنب اللمبة‮)‬
قام‮ "‬سيد‮" ‬وأشعل اللمبة‮‬، وعاد إلي مكانه تحت قدمي العم‮ "‬مجاهد‮" ‬وجلس‮‬، ومضت فترة من الصمت‮، قال العم‮ "‬مجاهد‮" :‬
‮(‬عاوز تاكل إيه‮ ‬يا سيد؟‮)‬
قال‮ "‬سيد‮":‬
‮(‬وهو انت هتنام؟‮)‬
رد العم‮ "‬مجاهد‮" ‬وهو‮ ‬يتطلع إلي سقف العشة‮: (‬لا أبدا‮).‬
‮(‬ما انت نايم أهه‮)‬
‮(‬أنا بس نايم صاحي‮ ‬،أصلي تعبان شوية‮)‬
‮(‬هو انت تعبان؟‮)‬
‮(‬شوية‮، قول بقي عاوز تاكل إيه؟‮)‬
‮(‬آكل حلاوة‮)‬
مد العم‮ "‬مجاهد‮" ‬يده‮ :‬
‮(‬بريزة أهه‮ ‬،هات لك حتة حلاوة‮ ‬،وهات معاك باكو دخان‮ )‬
قام‮ "‬سيد‮" ‬واقفا‮ ‬،قال وهو‮ ‬يتناول البريزة‮: (‬أجيب جبنه؟‮)‬
‮(‬أهو اللي‮ ‬يعجبك هاته‮)‬
قال‮ "‬سيد‮" ‬وهو‮ ‬يجذب باب العشة‮:‬
‮(‬حاجيب حلاوة أحسن‮)‬
وخرج إلى "‬الوسعاية‮"، وأغلق الباب وراءه‮، كانت خالية تماما‮‬، وانبعثت الأنوار الخافتة من بعض النوافذ المفتوحة‮‬، ووقف‮ "‬عباس‮" ‬ينظم من وضع الأشياء استعدادا لفترة السهرة وهو‮ ‬يتجول داخل المقهى والجوزة في‮ ‬يده‮ ‬يمتص دخانها بين لحظة وأخري‮، التقت عيناه بعيني‮ "‬سيد‮"‬، توقف‮ "‬سيد‮" ‬في مكانه بينما هبط‮ "‬عباس‮" ‬إلي مدخل المقهى وهو‮ ‬يقول‮:‬
‮(‬خد‮ ‬يا شاطر‮)‬
قال‮ "‬سيد‮" ‬متحفزا‮: (‬إيه؟‮)‬
تأمله عباس‮" ‬قليلا‮‬، ابتسم‮: (‬إزيك‮)‬
ظل‮ "‬سيد‮" ‬واقفا ولكنه لم‮ ‬يهتم بالرد‮‬، قال‮ "‬عباس‮" ‬وهو لا زال محتفظا بابتسامته‮:‬
‮ (‬انت رايح فين؟‮)‬
‮(‬رايح اشتري حاجة‮)‬
‮(‬منين؟‮)‬
‮(‬رايح اشتري حاجة من الدكان‮ )‬
‮(‬حاتشتري إيه ؟‮)‬
قال‮ "‬سيد‮" ‬وهو‮ ‬يرفع حاجبيه‮: (‬وانت مالك؟‮)‬
‮(‬اخص‮‬، انت خايف تقول؟‮)‬
‮(‬لا مش خايف‮)‬
‮(‬لا سيبك انت‮‬، لو مكنتش خايف كنت قلت‮)‬
‮(‬رايح اشتري جبنه‮، عاوز إيه بقي؟‮)‬
قال‮ "‬عباس‮" ‬وهو‮ ‬يجلس علي الدكة‮: (‬رايح تشتري جبنه؟‮)‬
‮(‬لا‮‬، رايح أشتري حلاوة ودخان وعيش‮)‬
‮(‬طيب مش تقول كده‮ ‬يا أخي‮)‬
‮(‬لا مش حاقول‮)‬
‮(‬هو عمك مجاهد نايم؟‮)‬
‮(‬آه‮)‬
‮(‬إمال حا تشتري دخان لمين؟‮)‬
‮(‬لعم مجاهد‮)‬
‮(‬مش بتقول نايم؟‮)‬
‮(‬ما هو نايم صاحي‮‬، عاوز إيه بقي؟‮)‬
وتحرك‮ "‬سيد‮" ‬ناحية طرف الحارة المؤدي إلي شارع البحر‮‬، قال‮ "‬عباس‮": ‬الله‮‬، يابني البقالين الناحية دي‮)‬
وأشار إلي طرف الحارة الآخر‮‬، ولكن‮ "‬سيد‮" ‬قفز مبتعدا وهو‮ ‬يقول‮:‬
‮(‬وانت مالك؟ يمكن أنا عاوز أروح من هنا‮ ‬يا بايخ‮).‬
***

‮(‬الساعة السابعة‮)‬
بهدوء شديد تقدم الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬قادما من شارع البحر وهو‮ ‬يحمل طبقا ممتلئا بالفول، تقدم وقد ارتسمت على وجهه ضحكة كبيرة صامتة،‮ ‬وبدا من الواضح أن لون طربوشه قد تغير تغيرا ظاهرا‮، ومال علي مقدمة رأسه بعض الشئ ولكنه كان ثابتا‮، وكانت البنات الصغيرات متربعات تحت شباك أم‮ "‬صابر‮" ‬وقد توسطتهن واحدة ترقص علي دقات الكفوف‮‬، تلفت الشيخ حوله وهو مازال مستغرقا في ضحكته الصامتة‮، توقف أمام بيت الحاج‮ "‬حنفي‮" ‬واهتز اهتزازة عنيفة خاطفة‮، وابتلعه البيت‮ ‬،بعد قليل عاد‮‬، توجه علي الفور وتفحص قطعة الأرض التي كان العم‮ "‬مجاهد‮" ‬قد اعتاد أن‮ ‬يحتلها‮‬، تفحصها بعناية شديدة‮ ‬،وظهر عليه ماقد‮ ‬يظهر علي الانسان عندما‮ ‬يكتشف شيئا فقفز قفزتين أو ثلاثا،‮ ‬وانحني وألصق جانب وجهه بالألواح الخشبية المنخورة‮، فانحرف طربوشه أكثر‮ ‬،ولكنه لم‮ ‬يعر ذلك أدني اهتمام‮، بل راح‮ ‬يتراجع بظهره وهو مازال منحنيا‮ ‬،وهكذا عاد الشيخ‮ "‬شعبان‮" ‬إلى الاختفاء داخل بيت الحاج‮ "‬حنفي‮".‬
وعندما ظهر في الوسعاية مرة أخرى‬، كان‮ ‬يحمل بين‮ ‬يديه صفيحة كبيرة ممتلئة بالفول‮، وضعها علي الحجر الكبير الأبيض وجلس وراءها‮، وأخرج من جيب جلبابه جريدة متسخة مزقها إلي قطع صغيرة متساوية‮، وما إن رتبها في حجره حتي راح‮ ‬يصفق ويهمهم ويضحك بصوت عال‮ ‬،هذه المرة ترك الأولاد ما بأيديهم وقامت البنات الصغيرات من تحت شباك أم‮ "‬صابر‮" ‬وكففن عن الغناء والتموا حول الحجر الكبير الأبيض‮، تبادل الجميع بضع كلمات سريعة مقتضبة‮، انفضوا على أثرها‮، وانتشروا داخل‮ "‬الوسعاية‮" ‬وراحوا‮ ‬ينقبون الأرض بأصابعهم الدقيقة في اهتمام حقيقي وجدية بالغة‮، جذب‮ "‬عباس‮" ‬نفسا أخيرا من الجوزة‮‬، وغادر الدكة واقترب من الحجر الكبير الأبيض وهو‮ ‬يتعمد النظر إلي الجهة الأخرى،‮ ‬فجأة مال وتطلع من فوق الرؤوس الصغيرة التي كانت قد انتهت من عملية التنقيب ووقفت في صمت أمام الشيخ‮ "‬شعبان‮"، ومال‮ "‬عباس‮" ‬أكثر‮،‮ ‬ورأى أن الأولاد كانوا‮ ‬يمدون أيديهم بكميات من نوي البلح‮، وأن الشيخ‮ ‬يأخذها منهم ويضعها في كيسه المعلق في رقبته‮، ويمد‮ ‬يده داخل الصفيحة الكبيرة ويتناول بضع‮ ‬حبات من الفول‮‬،‮ ‬ويلفها في قطع الورق الصغيرة ويناولها للأولاد،‮ ‬

وما إن عاد‮ "‬عباس‮" ‬إلي مكانه وراح‮ ‬يتطلع إلى باب العشة‮، ذلك الذي أغلق‮‬، حتى كان نوي البلح قد اكتسب أهمية خاصة فدارت من حوله المعارك‮، ومزقت من أجله الثياب‮، وخدشت وجوه وسالت دماء‮‬،‮ ‬تماما في نفس الوقت الذي راحت ظلال الغروب تخيّم فيه علي سماء المكان‮.‬
‮***

(‬الساعة الثامنة‮)‬
كان الليل‮ ‬يبدو وكأنه قد استثني ذلك الجزء من العالم‮ ‬،وجلس الولد‮ "‬سيد‮" ‬الأقرع علي سور المدرسة وهو‮ ‬يمسك في‮ ‬يده لفافة صغيرة ورغيفا وباكو دخان‮، وراح‮ ‬يتطلع إلي المطعم الجديد‮‬، كان الحشد عظيما‮، فالأولاد والبنات‮ ‬يتدافعون ويتصايحون وقد راحت جموعهم المتداخلة تتفجر وتتماوج في تماسك واضح تحت أسلاك التروللي باس التي كانت تلتمع‮ ‬،بينما كان الرجال والنساء‮ ‬يفترشون الحصر علي الطوار تحت الأشجار‮ ‬،يشربون الشاي ويأكلون الخس ويتبادلون الكلام‮‬، وضع‮ "‬سيد‮" ‬باكو الدخان في جيب جلبابه وفك اللفافة الصغيرة وتأمل قطعة الحلاوة الطحينية‮، ومزق الرغيف وبدأ‮ ‬يأكل وهو مازال جالسا علي سور المدرسة‮، ولم‮ ‬يمر وقت طويل حتي انطفأ التماع الأسفلت‮‬، وتوقف هو عن الأكل وتلفت في حذر‮‬، كان الجالسون على الطوار قد كفوا عن أكل الخس وشرب الشاي وتبادل الكلام‮، وخرس الضجيج عند مدخل المطعم وارتفعت الوجوه كلها إلى أعلى‬، وراحت العيون تفتش في صفحة السماء‮، وتشبثت أصابع الولد بأحجار السور‮‬،‮ ‬وقفز إلى الأرض وراح‮ ‬يجري إلي أن انضم إلي الجموع الصامتة عند المطعم‮، ورفع وجهه هو الآخر‮، وبدأ‮ ‬يري بعينيه الواسعتين‮، وطال الصمت والظلام‮‬، وهلّ‮ ‬القمر خلال سحابة متكسرة‮‬،‮ ‬وقال رجل وهو‮ ‬يغلق من فتحة جلباب‮: (‬الله‮، ده القمر مخنوق‮ ‬يا عيال‮).‬
***

‮(‬خاتمة‮)‬
في الليل‮‬، كان الأولاد والبنات قد اعتلوا الأسطح وراحوا‮ ‬يجوبون الحواري والأزقة في جماعات متتالية وهم‮ ‬يدقون بالعصي والحصي على قطع الصفيح والأواني التي كانوا‮ ‬يضمونها إلى صدورهم‮‬، وكانت متصلة ترافقها أصواتهم النحيلة الضارعة‮ :‬
‮(‬ياللا‮ ‬يا بنات الحور‮‬، سيبوا القمر‮ ‬ينور‮  ‬
ياللا‮ ‬يا بنات الجنة‮،‮ ‬سيبوا القمر‮ ‬يتهّني
يالطيف الطف بنا‮‬، ده احنا عبيدك كلنا‮).‬
كانت‮ "‬امبابة‮" ‬كلها تنشد‮‬، وعيون أبنائها تتطلع إلي ذلك القرص الفضي الناقص الذي كان معلقا في سماء الوسعاية‮ ‬،وقال الحاج‮ "‬حنفي‮":‬
‮(‬السلام عليكم‮ )‬
وردّ‮ ‬الرجال الجالسون في مقهى‮ "‬عباس‮" ‬السلام‮‬، وقال العم‮ "‬مجاهد‮":‬
‮(‬اتأخرت ليه‮ ‬يا بني؟‮)‬
وقال‮ "‬سيد‮" ‬وهو‮ ‬يغلق باب العشة ويضع باكو الدخان وبقية النقود علي الصفيحة المقلوبة‮:‬
‮(‬أصل أنا كنت باتفرج على القمر المخنوق‮).‬
وقال‮ "‬عباس‮" ‬وهو‮ ‬يناول الجوزة إلى مرسي‮:‬
‮(‬انت خايف‮ ‬يا سلامة؟‮)‬
وردّ‮ "‬سلامة‮" ‬وهو‮ ‬ينقل عينيه القلقتين بين‮ "‬منصور‮" ‬أفندي والأسطى‮ "‬عيد‮":‬
‮(‬هو انت شفت القمر وهو مخنوق ؟‮)‬
وردّ‮ ‬العم‮ "‬مجاهد‮":‬
‮(‬شفته مرة واحدة‮، زمان أيام ماكنت قدك‮).‬
‮(‬هو انت كنت قدّي؟‮)‬
‮(‬آه‮).‬
وقال عباس‮:‬
‮(‬يا أخي حكاية عم مجاهد دي حكاية صعب قوي‮ )‬
وقال‮ "‬سيد‮" ‬؛
‮(‬هو انت مولود هنا؟‮)‬
وردّ‮ ‬العم مجاهد‮:‬
‮(‬لا‮‬، أنا مولود في البحر‮)‬، وتنفس في عمق‮: (‬زمان‮‬، زمان قوي‮‬، أبويا كان بيشتغل صياد‮، وكان عنده مركب صغيرة‮‬،‮ ‬وبعدين اتجوز أمي وعاشوا هم الاتنين في المركب‮‬، والمركب كانت بتمشي بيهم من بلد لبلد‮ ‬،وكانوا بيبيعوا السمك للناس‮، وبعدين أمي ولدتني‮ ‬،وبقيت أساعد أبويا وأقدّف بالمقداف‮‬، زمان‮‬، زمان قوي‮).‬
وشد‮ "‬مرسي‮" ‬نفّسا طويلا من الجوزة‮، وقال وهو‮ ‬يناولها للأسطى عيد‮:‬
‮(‬صعبة إيه‮ ‬يا بني‮)‬،‮ ‬وعدل من وضع نظارته فوق أنفه‮ (‬إمال بقي لو قريت الحكايات التانية‮ )‬
وقال‮ "‬سيد‮: (‬هو انت كان ليك أم؟‮)‬، وقال العم مجاهد‮: (‬أيوه‮ ‬ياسيد‮‬، كان ليه أم‮).‬
‮(‬هيه أمك كان شكلها إيه؟‮)‬
‮(‬مش فاكر‮)‬
‮(‬أنا‮ ‬ياعم فاكر شكل أمي‮ )‬
واسترخي تحت قدمي الرجل العجوز‮ : (‬هي سابتك ومشيت؟‮)‬
‮(‬أبدا‮ ‬،دا أنا اللي سبتها هي وأبويا ومشيت‮ ‬،أنا اللي سبتها‮ ‬ياسيد‮)‬
وقال الأسطي عيد‮: (‬والله وحشتنا الحكايات بتاعتك‮ ‬يامرسي‮ )‬
وقام عباس وهو‮ ‬يسعل ليغيّر الجوزة‮ ‬،وارتفع صوت الأولاد مقتربا‮: (‬ياللا‮ ‬يابنات الحور سيبوا القمر‮ ‬ينور‮).‬
وقال مرسي‮: (‬مرة زمان‮‬،‮ ‬صحينا من النوم‮، لقينا الوسعاية دي مليانة ميّه‮، ومكناش بنقدر نخرج من البيوت بسببها‮ ‬،وكان فيها باعوض كبير‮ )‬
وقال عباس‮ :(‬ياعيني‮)‬
وقال سلامة‮ : (‬امتي‮ ‬يا سي مرسي؟‮) ‬
وقال مرسي وهو‮ ‬يميل إلي الوراء‮:‬
‮(‬وكان الباعوض بيحب‮ ‬يتمشي كل‮ ‬يوم علي سطح الميه‮ )‬
وضحك الأسطى عيد‮، وقال سلامة‮: (‬الباعوض؟‮)‬
‮(‬آه‮‬، وبيلبس بدل وقمصان وكرفتات‮)‬
قال سلامة وهو‮ ‬يلتفت ناحية منصور أفندي‮: (‬الحق‮ ‬يا عباس‮‬،‮ ‬الحق‮)‬
قال مرسي‮: (‬انت كنت لسه صغير ما تولدتش‮ ‬،حتي اسأل منصور أفندي كده‮)‬
زوي منصور أفندي وحدّق في سلامة بقوة‮ ‬،وهو‮ ‬يضغط علي أسنانه‮ ‬،‮ ‬وقال سيد‮: (‬هو انت عبيط؟‮)‬
وقال العم مجاهد‮ :‬
‮(‬ليه‮ ‬ياسيد؟‮)‬
‮(‬ما دام سبت أمك ومشيت تبقي عبيط‮)‬
‮(‬أصل احنا كنا عايشين في البحر‮، وكل‮ ‬يوم كان نفسي ألعب علي الأرض شوية صغيرة‮، لكن أبويا كان بيضربني بالمقداف‮‬،‮ ‬ويقوللي لازم تعيش في البحر‮، وبعدين مرة جينا امبابة رحت هربان‮،‮ ‬وقعدت ألعب على الأرض لغاية مامشيوا بالمركب‮، وكانت امبابة دي كلها‮ ‬غيطان‮، وكان فيها شوية بيوت قليلة‮‬، وماكنش فيها وسعاية‮ )‬
وقال الأسطي عيد‮: (‬وبعدين‮ ‬يامرسي عملتوا إيه في الميه والباعوض؟‮)‬
وقال سلامة‮: (‬هو انت كمان كنت لسه ماتولدتش‮ ‬يا أسطي عيد؟‮)‬
وقال مرسي‮: (‬لا‮‬، انت بس اللي لسه ماتولدتش‮ ‬،لكن الأسطي عيد كان اتولد بس كان مسافر‮ )‬
وقال الأسطي‮: (‬آه ما هو أنا لا مؤاخذة‮ ‬يعني كنت مسافر‮ )‬
وقال سلامة‮: (‬وبعدين؟‮)‬
وقال العم مجاهد‮: (‬فضلت ماشي لغاية مالقيت راجل‮ ‬يبيع فول‮، في الحته اللي احنا فيها دي‮ ‬،‮ ‬وماكنش فيه حواليه بيوت، وأنا قعدت معاه‮)‬
وقال مرسي‮: (‬لما لقينا الباعوض زودها‮،‮ ‬وبقي‮ ‬يخطف البنات والميه مهياش عاوزة تنشف‮ ‬،عملنا مؤتمر فوق الأسطح بتاعة البيوت‮ ‬،‮ ‬وجبنا عربيتين تراب‮)‬،‮ ‬والتفت إلي منصور أفندي‮ : (‬أظن كانوزتلات عربيات‮ ‬يامنصور أفندي ؟‮)‬
قال منصور أفندي وهو‮ ‬يحدق في سلامة‮: (‬تمام كده‮ ‬،كانوا تلات عربيات‮).‬
‮(‬وقررنا ان احنا نردم الوسعاية‮ ‬،وفعلا عملنا هجوم عنيف‮ ‬،ورحنا رادمين الوسعاية‮ ‬،واتلمينا كلنا وفضلنا ندك فيها برجلينا لغاية ما كتمنا الميه خالص‮ )‬
وقال العم مجاهد‮: (‬وبعدين هو مات‮ ‬،وأنا قعدت مكانه وبقيت كبير‮‬، وفضلت البيوت تقرب مني‮ ‬،وتقرب‮ ‬،وتكتر‮ ‬،لغاية مابقت حواليه من كل ناحية‮ ‬،وبقيت أنا اللي عملت الوسعاية‮ )‬
وقال سلامة‮: (‬والباعوض‮ ‬يامرسي؟‮)‬
قال مرسي‮: (‬الباعوض؟‮)‬
‮(‬آه الباعوض‮)‬
‮(‬هرب‮)‬
‮(‬هرب فين؟‮)‬
‮(‬أبدا‮ ‬،لبس جلاليب وعمم وبدل افرنجي وفساتين وبدل جيش واتلخبط في الناس‮‬، وهرب‮ )‬
وقال منصور أفندي‮: (‬بقي حتي هرب كمان‮، ومانتش عارفها‮ ‬يعني إيه؟‮)‬
وقال عباس‮: (‬اوعي تكون خفت‮ ‬ياسلامة؟‮)‬
وقال سلامة‮: (‬وأنا مالي‮ ‬ياعم‮ ‬،هو أنا اللي باقول؟‮)‬
وقال العم مجاهد‮: (‬شفت بقي‮ ‬ياعم سيد أنا هربت ليه ؟‮)‬
ولم‮ ‬يرد سيد‮‬، وقال العم مجاهد‮: (‬سيد‮‬، سيد‮ )‬
كان الصبي نائما‮‬، وحاول العم مجاهد أن‮ ‬يرفع جذعه ليلقي عليه نظرة ولكنه لم‮ ‬يتمكن‮‬، وشعر بنفسه وهو‮ ‬يهبط برفق‮،‮ ‬كان أبوه جالسا بكامله علي الأرض عندما قال مجاهد‮ : ‬
‮(‬مساء الخير‮ ‬يابا‮)‬
وردّ‮ ‬أبوه‮: (‬كنت فين‮ ‬ياواد؟
ومد ذراعه وأمسك بمجداف مركون خلفه لكي‮ ‬يضربه‮، ولكن المجداف انهار كما التراب الناعم وارتفعت أصوات الأولاد في البعيد‮: ‬
‮(‬يا بنات الحور‮،‮ ‬سيبوا القمر‮ ‬ينور‮)‬
وانتفض العم مجاهد فجأة وشعر ببرودة شديدة وبالعرق‮ ‬يسيل علي وجنتيه الغائرتين وصدره‮ ‬،واقتربت الأصوات أكثر‮:‬
‮(‬يللا‮ ‬يابنات الجنة‮‬،‮ ‬سيبوا القمر‮ ‬يتهنّي‮)‬
ورفع جذعه قليلا‮‬، وبذل جهدا كي‮ ‬يمد ذراعه ويأتي بصندوق دخانه من فوق الصفيحة المقلوبة‮‬، كان‮ ‬يشعر برغبة شديدة في التدخين‮‬، وأصبح الأولاد في مدخل الوسعاية‮:‬
‮(‬يا لطيف الطف بنا‮،‮ ‬داحنا عبيدك كلنا‮)‬
وأوشكت أصابع العم مجاهد أن تلمس صندوق دخانه‮ ‬،ولكن ذراعه انهار فجأة وسقط بجواره ساكنا‮.‬

مجلة‮ "‬المجلة‮" ‬العدد‮ ‬155‮ ‬ نوفمبر‮ ‬1969‮ .‬

   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق