عن اخبار الأدب
تمهيد
اعتاد النهار أن يهبط من فوق كوبري "امبابة"، وبعد أن يمر في طريقه بالبخار الذي يتصاعد من النهر، يتسلق الشاطئ، ولا يلبث أن ينتشر داخل الحواري التي تنحدر من بين المباني المتراصة علي طول الطريق، والتي كثيرا ما تخطئها العين.
وفي هذه اللحظات، اعتادت أيضا أن تتثاءب الأبواب، وتلوح جموع الأولاد في ضباب الصباح، وكأنها أطياف تبرز من جوف الأرض ومن بين الجدران المتهالكة، يحملون الأواني، ويدوسون بأقدامهم الحافية فوق التراب الذي بلله الندي، ويسعون جميعا إلي حارة "حوا" فيدخلونها، ويغذّون السير بين بيوتها القصيرة المتقاربة، إلى نهاية أن يصلوا إلى "الوسعاية" ويحتشدوا فيها، أمام كوخ العم "مجاهد" الذي كان شبحه يرى هناك خلف قدرة الفول الكبيرة، منذ سنوات بعيدة.. بعيدة جدا.
و"الوسعاية" هي الميدان الصغير، والمكان الذي ترش فيه المياه كي ما يتماسك التراب، وحيث تقام الأفراح، ويلعب الأولاد، ويتجول الشيخ "شعبان"، ويتجمع الرجال في المساء داخل مقهيى "عباس" الذي يحتوي علي ثلاثة مقاعد ودكة، وإلى جانب هذا، حيث يمكن لراكب الدراجة أن يستدير في دورة كاملة دون أن يضطر للهبوط من عليها.
اليوم الأول
"الساعة العاشرة"
خرج "حمامة" إلي "الوسعاية" ويده في جيب جلبابه.
تواري بعض الأولاد خلف باب بيت "منصور" أفندي المدرس وهم ينشدون:
(شيخ شعبان.. قرصه التعبان.. شيخ شعبان.. قرصه التعبان)
وقف الشيخ "شعبان" بقامته القصيرة الممتلئة، وجلبابه الدمور المتسخ، ويده مرفوعة إلي أعلي، قابضة على قشرة برتقالة وهو يصيح:
(و..و.. ولاد كلب.. رب موتوا)، ثم اهتز بشدة، وأصدر بعض الأصوات المتداخلة، وهرول إلى الحجر الكبير الأبيض الموضوع بجوار عشة العم "مجاهد"، وخبأ رأسه بين ركبتيه وهو يجلس، خطا "حمامة" إلى الجانب الآخر، صعد فوق الحجر الكبير الأبيض وهو يتكئ بيده على رأس الشيخ "شعبان"، أطلّ برأسه داخل نافذة صغيرة، صاح: "صابر"، كان مستلقيا هو وأمه وخالته وعمه وأخته فوق أرضية حجرتهم المظلمة، قال:
(جبتي الحاجة؟)
ورد "حمامة": (آه).
خرج "صابر"، طوّق فمه بكفيه وصاح:
(سعيد)
أطلّ "سعيد" من نافذة بجوار المقهى، قال وهو يلوك شيئا في فمه: (أيوه جااااااي).
(وهات معاك الخيط والإبرة)
في الجانب الآخر من "الوسعاية" رفع العم "مجاهد" كفه المعروق الخشن، ومسح به وجهه القديم وعينيه الكليلتين، وأنزل يده وربت على ظهر صبي صغير، أقرع يجلس بجواره.. قال في صوت عميق مشروخ:
(إيه يا سيد؟)
قال "سيد" وهو يلتفت بوجهه النحيل الأسمر ناحية الأولاد:
(أصل أنا عاوز أروح ألعب مع العيال)
(يا بني ماهم بيضربوك)
(مش حالعب معاهم، ولا أقولك، هاروح أدوّر علي أمي، مبسوط بقي؟)
خرج "سعيد" من باب البيت، قال العم "مجاهد" وهو يبتسم ويقلّب الفول داخل القدرة بالمغرفة الطويلة:
(طيب ياعم روح العب، بس ما تخليش حد يضربك)
قفز "سيد" واقفا، اقترب من الأولاد الذين جلسوا علي باب المقهى يعملون الكرة، وأخذ يرقبهم بعينيه الواسعتين.
***
(الساعة الثانية عشرة)
اعتلت الشمس "الوسعاية"، وضج المكان بصراخ الأولاد الذين تزاحموا أمام العم "مجاهد"، وهم يرفعون الأواني ويلحّون ويتحايلون مطالبين بالمزيد من حبّات الفول.. واعتلى الشيخ "شعبان" الحجر الكبير الأبيض وراح يجول بنظراته الضاحكة في أرجاء المكان وهو يهمهم، كان كل شيء في اختلاطه يمثّل أنشودة يهذي بها عجوز مخمور.
وفجأة انطلقت طائرة من مطار "امبابة" مخترقة الحاجز الصوتي، محدثة فرقعة هائلة، وما أن تعلقت العيون بالسماء حتى عادت لتستقر على قامة "مرزوق" المنادي الأعور الذي انشقت عنه الأرض في مدخل "الوسعاية" بمعطفه الطويل الأسود الخالي من الأزرار، والذي لم يلبث أن طوّق فمه بكفه وشرع في الصياح:
(يا أهالي امبابه الكرام
يا زباين حارة "حوا"
افتتح اليوم
على ناصية حارتكم وشارع البحر
المطعم الجديد
وهو مطعم مزود بكافة الأشياء العظيمة
وقد قرر أصحابه الكرماء
أن يملأوا طبق الفول حتى آخره
بقرش تعريفه واحد
وإن كنتم لا تصدقون
زورونا وأنتم الرابحون
لتروا بأعينكم الآلات الحديدية اللامعة
التي تصنع الفول والطعمية والباذنجان
والأجر والثواب علي الله)
صاح بذلك، وتقدم داخل "الوسعاية" وهو يتكئ على عصاه ويفحص الأرض بعينه الواحدة إلى أن غاب في الجانب الآخر من الحارة.
وكان الأولاد مازالوا يجلسون على عتبة المقهى، قال "حمامة" بينما صوت المنادي الأعور ما زال يسمع من بعيد: (هو إيه هو ده، مش عم مرزوق كان زمان بينادي على الميتين؟)، قال "صابر": (آه)، وقال "حمامة" مرة أخرى (هوه ينفع الواحد ينادي على الميتين وعلي الحاجات دي كمان؟)، وردّ صابر: "(أنا عارف!"، والتفت إلى "سعيد " :(هووووه ينفع يا سعيد؟)، قال "سعيد": (الكورة خلصت، يا للا بينا نطلع على البحر قبل أمي ما تنادي عليّ).
انطلقوا يتقاذفون الكرة، و"سعيد" الأقرع يتبعهم من بعيد.
***
(الساعة الواحدة)
جلس "سيد" علي سور المدرسة التي تقع على رأس حارة "حوا"، وأخذ ينظر إلى الأولاد وهم ملتمون أمامه على الطوار يقسمون أنفسهم إلى فريقين، قال "حمامة" وهو يشير إلي "سيد" (ياللا نجيب الواد سيد الأقرع يقف لنا جون يا سعيد)، توجه "سعيد" إلى "سيد": (تعالي اقف لنا جون ياواد)، رد "سيد" وهو يضخّم من صوته: (لا يا عم. أنا عاوز ألعب مهاجم يا بلاش)، صاح أحد الأولاد: (أنا أقف جون).
حددوا المرمي بالقباقيب والحجارة، وشرعوا يلعبون الكرة في طريق العربات.
***
(الساعة الثانية)
قفز "سيد" من فوق سور المدرسة، وقطع الشارع ووقف علي الشاطئ، كانت المراكب الآتية من الصعيد تسبح وئيدة في صمت، والرجال يتسلقون صواريها العالية ويطوون الأشرعة التي التقطت ضوء الشمس، وتطلّع عبر النهر إلى حيّ الزمالك، كانت المقاعد الرخامية البيض تمتد علي طول الضفة الأخري، والعربات تتهادى خلال المباني الكبيرة الهادئة التي تظللها الأشجار، أمسك "سيد" بحجر وقذفه على طول ذراعه، وراقبه وهو يسقط في النهر، واستدار وعاد يقطع الشارع مرة أخرى.
اقترب من المطعم الجديد، وتأمل اللافتة الكبيرة المعلقة، والصورة المرسومة على مدخله الزجاجي الذي يطلّ على الطريق العام، والتي تمثّل رجلا يدلق الفول من فوهة داخل طبق تحمله بنت صغيرة على وجهها فرحة كبيرة، ولفت نظره فمها المتسع الذي طلي باللون الأحمر، ثم انتقل ببصره إلى الرجال الذين كانوا يروحون ويجيئون داخل المطعم في خطوات سريعة وهمة متناهية، وهم يحملون الأواني ويرتبون المناضد المعدنية الملونة، وفي ركن المطعم كان هناك عملاق عظيم يضم ذراعيه على صدره، ابتسم لسيد ابتسامة أعجبته، فدلف إلي الداخل، ورفع رأسه الأقرع وأخذ يتفحص الجدران العالية البيضاء والسيور الجلدية التي امتدت من الأرض إلى السقف، وزجاجات الزيت وبرطمانات الليمون المخلل التي رصت علي الأرفف في تشكيلات أخّاذة، وتقدم "سيد" أكثر، وربت بيده علي القدور النحاسية اللامعة التي كانت تستقر وهي ماثلة فوق الطاولة الرخامية الطويلة، وانحنى وتناول ملء كفه من نشارة الخشب الخضراء المبدورة فوق البلاط وعاد أدراجه إلى شارع البحر وهو يبدر النشارة بين قدميه، وصعد على سور المدرسة، ومرة أخري عاد يتابع الأولاد، بينما يلعبون الكرة في طريق العربات.
***
(الساعة الثالثة)
انحدرت الشمس عن سماء "الوسعاية"، وكان "مرزوق" المنادي الأعور جالسا على الدكة يدخّن الجوزة، و"عباس" واقفا يرش الماء، وقد شمّر عن كم جلبابه، ارتفعت أصوات البنات عندما تساقطت نقاط المياه على "الأوله" التي كن قد أعدن تخطيطها تحت شباك أم "صابر"، عاد "عباس" وجلس على الدكة وراح يرقبهن وهن ملتفات حول البنت الصغيرة ذات الشعر الأسود، التي كانت تمسك بطرف جلبابها الأخضر، وتحجل على ساق واحدة وهي تدفع بقدمها علبة الورنيش الممتلئة بالتراب، والتفت "عباس" إلى "مرزوق": (أما حكاية، بقي المحلّ فتحوه مطعم؟)، أخرج مرزوق الدخان من فتحتي أنفه: (أي نعم).
(ودول مين بقي اللي فتحوه؟)
(فتحوا إيه؟)
(المطعم يا أخينا).
(آه.. ناس)
كان هناك بعض الأولاد يقطعون "الوسعاية" ركضا وهم يحملون الأواني في طريقهم إلي شارع البحر.
***
(الساعة الرابعة)
ظهر الصبي "سيد" في مدخل "الوسعاية" وهو يتنفس في صعوبة، اتجه ناحية العم "مجاهد" وهو يمسح دموعه بظهر يده، أدار العجوز وجهه، تساءل: (مين؟، سيد؟)، انفجر الصبي باكيا في صوت عال، مد العجوز يده ناحيته: (طيب تعالي، تعالي)، مضت فترة ويده معلقة في الهواء، تقدم "سيد" خطوة، وضع كفه الصغيرة في الكف القاتم المعروق، أخذه العم "مجاهد" بين ذراعيه: (يعني كويس كده؟، أنا مش قلتلك أنهم بيضربوك؟)، تخلص الصبي من بين ذراعيه: (محدش ضربني)، حاول العجوز أن يطوقه بذراعه مرة أخري طيب ماتزعلش، خليك قاعد جنبي وما تلعبش معاهم تاني)، صاح الصبي: (يا أخي قلتلك محدش ضربني، أهو كمان)، ورفع ذراعه وأهوي بكفه علي وجه الرجل، واستدار بسرعة وصعد على الحجر الكبير الأبيض، وخبأ رأسه بين ركبتيه، وراح جسده الضئيل يهتز في صمت.
***
(الساعة الخامسة)
خرج "صابر"من باب بيتهم وهو يحمل طبقا، وانسلّ من "الوسعاية" في طريقه إلى شارع البحر، تحرك أحد الرجلين اللذين كانا يجلسان على الدكة في مدخل المقهى، وكان يرتدي حلة متآكلة ويضع على رأسه طربوشا مستقيما، قال وهو يشير إلى "سيد" الذي لا يزال جالسا علي الحجر الكبير الأبيض:(الولد ده لسه أمه مابنش عنها خبر؟)، قال عباس وهو يجلس في منتصف الدكة: (أبدا والله يا منصور أفندي)، ثم أردف: (والله الواحد خايف ليكون جري لها حاجة)، قال الرجل الذي كان يجلس على الطرف الآخر من الدكة، وكان بدينا وقصيرا وعيناه كانتا قلقتين: (أم مين؟) أم مين ياعباس؟)، أشار عباس إلي الصبي الأقرع ورفع الصبي وجهه من بين ركبتيه وراح يتطلع ناحيتهم بعينيه الكبيرتين، مرّ فوج آخر من الأولاد، هرولوا يحملون الأطباق ويعبرون "الوسعاية" في طريقهم إلي شارع البحر، أطلّ أبو "سعيد" من نافذة حجرته الموجودة بجوار مدخل المقهى.
قال: (مساء الخير ياجماعة، إزيك يامنصور أفندي)، قال منصور أفندي: (عال، إزي حال رجلك دلوقت؟)، وقال سلامة: (إزي صحتك ياسي عارف)، التفت منصور أفندي ناحيته وزوي ما بين حاجبيه الرفيعين، بينما قال عارف أفندي: (الحمد لله، أحسن)، مال سلامة وأطلّ بوجهه من وراء منصور أفندي وجذب كم "عباس" وهو يقول في صوت خافت: (أمال الواد بياكل منين يا عباس؟ هيه، قاعد عند مين يا عباس؟)، صرخ "منصور" أفندي: (يا أخي قلنا لك قاعد مع عمك مجاهد بياع الزفت، دهدي).
قام سلامة واقفا، عبر "الوسعاية"، ووقف في مدخل بيت الحاج حنفي وقال: (لا مؤاخذة يامنصور أفندي، مش قصدي)، وأغلق الباب وراءه.
***
(الساعة السادسة)
نادي "عباس" وهو يقف: (خذ يا واد يا صابر)، اقترب "صابر" منبهرا وهو يمسك بكلتا يديه طبقا ممتلئا بالفول حتي حافته: (إيه ياواد الحكاية، مالك، العفاريت ركبتكم ولا إيه؟)، أشعّت عينا الولد وهو ينقل بصره بين الطبق ووجه "عباس"، صرخ فجأة: (بتعريفه)، وانطلق، تقدّم "عباس" وراءه وهو يصيح: (بتعريفه.. بتعريفه إزاي ياوله؟ واد يا صابر)، كان صابر قد اختفى، صاح "سلامة" وهو يقف في مدخل البيت:(مش معقول، مش معقول ياعباس)، اقترب فوج آخر من الأولاد، أخذوا يقطعون الوسعاية في هدوء وهم يحملون الأطباق التي امتلأت حتي حافتها، اعترض عباس طريقهم: (بتعريفه ده ياولاد؟)، هز الأطفال رؤوسهم في اغتباط.
تبددت الأحاديث، وقف الرجال والنساء والأولاد فوق الأسطح وعلي عتبات الأبواب، وتدلّت العيون من النوافذ ومن كل مكان، كلها تتطلع إلي الأطباق الممتلئة، وتلتقط ما يدور من كلمات كما انطلق الشيخ "شعبان" كالقذيفة وراح يضع وجهه داخل كل طبق من الأطباق على حدة غير مبال برفسات الأولاد، فقط كان يقفز صارخا بعد كل مرة وهو يمسك أنفه الذي انسلق من ماء الفول المغلي، صفعه "عباس" علي قفاه، وتنحّي عن طريق حاملي الأطباق، وعاد إلى المقهى، وبدأ يضرب كفا بكف.
***
(الساعة السابعة)
اندفع "صابر" من باب البيت وهو يحمل ثلاثة أطباق وحلّة، وتاه وسط الأهالي الذين كانوا يشرعون الأواني ويندفعون في كل اتجاه، شقّ "مرزوق" المنادي طريقه بصعوبة، صرخ :(هوه إيه اللي جري؟ الدنيا اتقلبت ولا إيه؟ )، قال ذلك، ورفع ساقه علي الدكة بينه وبين "عباس"، وأخذ ينزع البصلة التي كان قد أدخل إصبعه الكبير فيها، قال "عباس" محدثا نفسه:(أما شغلانه مايعلم بها إلا ربنا)، صاح "مرزوق":
(شغلانة إيه ياجدع.. الله.. ما تفهمونا ياخلايق).
(شغلانة الكلام اللي انت قلته الصبح يا أخ).
(كلام، كلام إيه يا جدع؟).
(يا نهار أغبر، انت الصبح مش كنت بتنادي وتقول إن المطعم الجديد حيملي طبق الفول لغاية آخره بتعريفه؟).
(مين؟ أنا كنت باقول كده؟)
(لا، دي المسألة بقت يحزنون خالص، مساء الخير يا أخ).
(أبدا والله ياعبس، أصل الواحد بيحفظّوه الحاجة، وبعدين.. لكن وبعدين إيه بقي).
وانتهى من ربط قدمه، وسحب عصاته، وأخذ يتوكأ عليها مهرولا، أوقد عباس الكلوب، ووقف أمام مدخل المقهى لفترة من الوقت، ثم التفت، التقت عيناه بعيني "عارف" أفندي، نظر كلاهما إلى العم "مجاهد"، كان جالسا في مدخل عشته، والبخار يتصاعد من فوهة قدرته الكبيرة، يمناه قابضة علي المغرفة، ويسراه تحتضن "سيد" الذي كان قد أراح رأسه الأقرع في حجره، وراح يتنفس في هدوء.
***
(اليوم الثاني
الساعة الخامسة)
بعد أذان الفجر بقليل، فتح العم "مجاهد" عينيه، ورفع جذعه، واستند إلى جدار العشة، وظلّ مسترخيا لفترة من الوقت.
أخرج علبة الكبريت من جيب الصديري، وأشعل اللمبة، كان الفراش مكونا من حشية طويلة ممزقة، أما باقي المكان فقد كان مزدحما بالقدرتين والوابور وعدد كبير من المغارف والأجولة الفارغة والصفائح المختلفة الأحجام، وكانت هناك أيضا كومة من الثياب القديمة، واخرى من التبن، جذب العم "مجاهد" الوابور وأشعله، ووضع فوق البراد، ثم أخرج صندوق دخانه وراح يلف سيجارة بأصابعه الطويلة الجافة، وما أن سمع صوت غليان الشاي حتى أنزل البراد، وحمل الوابور وأدخله في الحمّالة تحت القدرة النحاسية الكبيرة، وعاد إلى مكانه، وجذب نفسا من السيجارة، أسلمه لنوبة شديدة من السعال، تقلّب "سيد" على أثرها، مال العم "مجاهد" ورفع المعطف القديم الذي كان الصبي قد دفعه تحت قدميه، وغطاه به ثانية، واعتدل في جلسته مرة أخرى، وراح يعدل من وضع شاربه المتهدل، ويمشطه علي جانبي وجهه، وما أن خلى الطريق أمام فمه، حتى استكان يشرب الشاي.
***
(الساعة السادسة)
فتح العم مجاهد باب العشة وأخرج القاعدة الخشبية، وعاد إلي القدرة النحاسية، فحملها ووضعها فوق القاعدة وهو يلهث، ودخل إلي العشة مرة أخري وأطفأ الوابور، وفكر العم "مجاهد" في أنه كان قد اعتاد لسنوات طويلة جدا ألا يطفئ الوابور، بل يضعه تحت القدرة الصاج ويتركه مشتعلا، حتي إذا ماانتصف النهار وأوشكت القدرة النحاسية أن تفرغ، أمكنه أن يواصل البيع بقية اليوم من القدرة الصاج، ولكن هاهو يوم كامل يمر والقدرة النحاسية مازالت ممتلئة إلى نصفها بالفول، ولاحظ أن ذلك شيء لم يحدث أن مر به قبلا، ولا حتي في أيام الأعياد، وبينما هو جالس في مدخل العشة، التقطت أذنه صرير أول باب يفتح، وقال الحاج "حنفي" الذي كان عائدا من المصلي: (صباح الخير.. نهارك أبيض إن شاء الله)، وتمتم العم "مجاهد" بالرد، واتضحت المباني في الوسعاية، وتوالى صرير الأبواب، وأخذ الأولاد ينفلتون من ورائها ويتسللون في هدوء إلى جانب الحارة الآخر، كان يرى جموعهم الشاحبة بعينيه المتعبتين، ويسمع وقع أقدامهم وهي تدرج علي الأرض المتربة، بينما هم يقطعون "الوسعاية" من أمامه، دون أن يتوقف أحدهم عنده، كانوا جميعا في طريقهم إلى هناك.
***
(الساعة العاشرة)
انتهى "عباس" من رش الماء في "الوسعاية" واقترب من المقهى وهو يوجه حديثه للرجلين الجالسين في مدخلها: (هيه، عملت إيه يا أسطي عيد؟)، قال الأسطى وهو يغلق الطاولة:(غلبته طبعا، دي حاجة ولا مؤاخذة مهياش عاوزة كلام)، قال "عارف" أفندي وهو يدلي بنصف جسده من النافذة: (ياسلام لو سمعت كلامي ياسلامة ومسكته في الشيش بدلا لك ، كنت ضمنت الدور وانت مغمض)، وصل الشيخ "شعبان" إلى الوسعاية، قطعها قفزا وهو يهدر وبين يديه طبق من الفول، واختفى داخل بيت الحاج "حنفي"، قال سلامة: (أصله حظه كبير ياسي عارف، أصله حظه كبير)، خرج الشيخ "شعبان" مسرعا من باب البيت، جلس علي الحجر الكبير الأبيض في بقعة الشمس وهو يدعك بطنه بيديه، ويستغرق في الضحك، قال الأسطي: (شوف ياعارف أفندي، زي ما اتغلبتوا في الكاس، لازم تتغلبوا في الطاولة، دي حاجة يعني ولا مؤاخذة مهياش عاوزة كلام)، علت الحمرة وجه عارف أفندي :(لا، ماهو اسمع بقي لما أقولك، الجرايد كلها قالت إن الجون كان أوفسايد والحكم ماشفهوش)، وقال سلامة: (وافتكر انت يعني يا أسطى عيد، مش أحسن من الجرايد)، قال الأسطي وهو يزوي مابين حاجبيه: (يا جدع اختشي، عيب).
***
(الساعة الثانية عشرة)
امتلأت "الوسعاية" بالأولاد الذين كانوا في طريقهم إلي شارع البحر، تطلع "عباس" من فوق رؤوسهم المسرعة إلي الجانب الآخر، رأي العم "مجاهد" يتطلع أمامه ووجهه مرفوع خلف قدرة الفول الكبيرة، و"سيد" الأقرع يجلس إلي جواره، قال الأسطي عيد: (العيال كلهم رايحين المطعم، قال "عباس":(لغاية دلوقتي مشفتش حد اشتري من عم مجاهد خالص)، قال الأسطى: (لا، ماهو الراجل حيتعب، دي حاجة يعني ولا مؤاخذة مهياش عاوزة كلام، إذا كان المطعم ياعم بيبيع مقدار أبو قرشين صاغ بتعريفة واحد)، علّق "عارف" أفندي: (يا سيدي كلهم بيعملوا كده في الأول علشان يكسبوا زباين، وبعدين يرجع أخوك عند أبوك)، انقذف الشيخ "شعبان" داخل الوسعاية، بدأ يقفز في الهواء بجلبابه الذي لم يكن يرتدي تحته شيئا البتة، ويدور بجوار الجدران وقد كبس حتي أذنيه طربوشا طويلا أحمر، صاح "سلامة" وهو يقف أمام بيت الحاج "حنفي": (يانهار أبيض ياعباس، شوف الشيخ شعبان ياعباس)، التف الأولاد الصغار بالشيخ "شعبان"، وراحوا يصفقون ويتصايحون، قال "عباس" (يا نهار أغبر، ده طربوش منصور أفندي)، نام الأسطي وهو يمد يده بالنقود إلي عباس: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، بينما علّق "عارف" أفندي وقد احتقن وجهه وأغرورقت عيناه: (يا سلام، أول مرة في حياتي أشوف حاجة زي دي، ياسلام)، واختفي من النافذة.
***
(الساعة الواحدة)
خرج "صابر" من باب البيت وهو يداري أطباقه الثلاثة في طرف جلبابه، ناداه "عباس" وهو واقف في مدخل المقهي :
(رايح فين ياواد؟)
قال "صابر" في صوت خافت وهو يختلس نظرة ناحية العم "مجاهد": (رايح أجيب فول).
(طيب ما تجيب من عمك مجاهد يا واد)
(أصل عمي مرسي هو اللي قاللي هات من المطعم)
(وهو فين عمك مرسي؟)
(قاعد جوا بيقرا في الكتب)
(طيب لما ترجع ابقي قوله إني عاوزه)
ودخل إلى المقهي، بعد قليل خرج وفي يده طبق، توجه إلي العم "مجاهد"، انحني عليه وهو يناوله الطبق قائلا :
(هيه، إزاي الحال ياعم مجاهد؟)
في صمت أعمل العم "مجاهد" مغرفته الطويلة بين القدرة والطبق، لم يتكلم "عباس" مرة أخري، وما أن استدار عائدا إلى المقهى حتى زعق العم "مجاهد" فجأة:
(وعليكم السلام ورحمة الله).
فوقع طبق الفول من بين يدي "عباس".
***
(الساعة الثانية)
كان "سيد" جالسا داخل العشة يأكل، عندما قام العم "مجاهد" بقامته النحيلة، وانحني وحمل قدرته النحاسية، وأعادها إلي مكانها داخل العشة، وعاد مرة أخري وهو يلهث، وحمل القاعدة الخشبية والمقعد الواطئ الذي تدلت الخيوط من حشيته البالية، وسحب وراءه الباب الصغير ذا الألواح الخشبية المنخورة، وهكذا أغلقت العشة في وضح النهار، وللمرة الأولي لم يعد العم "مجاهد" يجلس في مدخلها منذ سنوات لا يذكرها أحد.
وعلي الفور امتدت خطوط "الأولي" من تحت شباك أم "صابر"، حتي بلغت ذلك المكان الذي خلي، وأمكن أخيرا للأولاد والبنات أن يقفزوا في كل شبر من "الوسعاية"، تقدم "عباس" بضع خطوات ووقف في مدخل المقهي وقد اتسعت عيناه، بينما هو يتطلع إلي الباب الذي أغلق، وفتح فمه ومال ناحية نافذة "عارف" أفندي، وهمّ أن يتكلم، ولما فوجئ بأن النافذة خالية، أغلق فمه مرة أخري، وتقدم حتي منتصف "الوسعاية" وعيناه تجولان بين الأبواب والنوافذ الصغيرة، ولكن أحدا غير الأولاد الصغار لم يكن هناك علي الإطلاق.
***
(الساعة الثالثة)
انحرفت الشمس عن سماء "الوسعاية"، وراح الحاج "حنفي" يتقدم في جلبابه متوجها إلي شارع النيل، ما أن مرّ أمام المقهي حتي أشار له "عباس"، كفّ الحاج عن التمتمة، وعلت وجهه بسمة خفيفة، قال:
(خير يا بني؟)
(باقول إيه ياعم الحاج، تتصور، الضهر فات ومحدش اشتري فول خالص من عم مجاهد، لدرجة إن الراجل قفل العشة)
التفت الحاج ناحية الباب المغلق، ثم عاد وتطلع إلي عباس :
(ليه يابني؟)
(علشان المطعم)
(مطعم إيه؟)
(المطعم اللي فتحوه علي البحر)
(ماله؟)
(الناس كلها بتشتري منه)
(ليه يا بني؟)
(أصله بيملي طبق الفول بتعريفه)
(يا سلام؟)
(ومن ساعتها محدش بيشتري من عم مجاهد)
(طيب وبعدين؟)
(مش عارف)
(محدش بيشتري خالص؟)
(أهي ساعة الضهرية عدت من غير ماحد يجي ،واديك عارف ساعة الضهرية مكنتش تعرف تحط رجلك في الوسعاية من الزحمة).
(صحيح يابني)
(طيب والعمل؟)
(العمل علي الله)
(ونعم بالله)
(ربك مابيخلقش حد وينساه)
(آمنت بالله)
(السلام عليكم)
(وعليكم السلام ورحمة الله).
***
(الساعة الرابعة)
أمام المقهى، استند "عارف" أفندي علي كتف "منصور" أفندي
الذي صاح:
(ولد يا صابر"
قال "صابر" الذي كانت رأسه بارزة من نافذة حجرتهم الأرضية:
(هو انت بتنادي عليّه ؟)
(ادخل ياكلب قول لعمك مرسي إذا اتأخر أكتر من كده دقيقة واحدة حانسيبه ونمشي)
قال "عباس" القهوجي :
(الله، علي فين ياجماعة؟)
رد "عارف" أفندي: (خمسة كده لغاية البحر).
قال "منصور" أفندي:
(الأستاذ عارف عاوز يتفرج علي المطعم)
علت الحمرة وجه "عارف" أفندي :
(يا أخي مش عاوز أتفرج ولا حاجة، أهو نمشي شوية كده ومفيش مانع برضه نلقي نظره، أنا من ساعة ماعملت العملية ماخرجتش من البيت).
تقدّم "مرسي" بقامته المديدة الممتلئة وجلبابه الباهت ،قال وهو يعدل من وضع نظارته الطبية فوق أنفه:
(اتفضلوا)
قال "عباس":
(يعني محدش شافك الليلة اللي فاتت ياسي مرسي)
قال مرسي بصوته الخافت الممتلئ:
(كنت مرهقا)
وأشار إلي الرجلين:
(اتفضلوا ياحضرات)
همس سلامة وهو يقترب منهم: (آجي معاكم ياسي عارف؟)
صرخ منصور أفندي وهو يلتفت نحوه:
(ما تيجي يا أخي ولا تروح، هو احنا هنشيلك فوق راسنا؟)
رفع سلامة حاجبيه إلى أعلى:
(طيب ماكنت تتشطر علي الشيخ شعبان اللي خطف طربوشك)
التفت "منصور" أفندي ناحيته، ظلّ يحدق فيه لفترة من الوقت ثم قال :
(آه ياعرة ..بشرفي لولا إن عارف أفندي مسنود عليّ لكنت عرفت أربيك صحيح )
وتحرك الرجال بين البيوت القصيرة المتقاربة، في المقدمة "مرسي" بجبهته العالية وشعره الرمادي ونظارته الطبية، ومن ورائه "عارف" أفندي ببيجامته المقلمة يتكئ علي كتف "منصور" أفندي برأسه العاري يتبعهم سلامة بقامته القصيرة وعينيه المقلمتين.
***
(الساعة السادسة)
قال العم "مجاهد" في صوت خافت:
(سيد ، تعرف تولع اللمبة؟)
هزّ "سيد" رأسه موافقا، استطرد العم "مجاهد":
(خد علبة الكبريت من جيب الصديري وولعها ،وبعد ماتولعها حط علبة الكبريت علي الصفيحة جنب اللمبة)
قام "سيد" وأشعل اللمبة، وعاد إلي مكانه تحت قدمي العم "مجاهد" وجلس، ومضت فترة من الصمت، قال العم "مجاهد" :
(عاوز تاكل إيه يا سيد؟)
قال "سيد":
(وهو انت هتنام؟)
رد العم "مجاهد" وهو يتطلع إلي سقف العشة: (لا أبدا).
(ما انت نايم أهه)
(أنا بس نايم صاحي ،أصلي تعبان شوية)
(هو انت تعبان؟)
(شوية، قول بقي عاوز تاكل إيه؟)
(آكل حلاوة)
مد العم "مجاهد" يده :
(بريزة أهه ،هات لك حتة حلاوة ،وهات معاك باكو دخان )
قام "سيد" واقفا ،قال وهو يتناول البريزة: (أجيب جبنه؟)
(أهو اللي يعجبك هاته)
قال "سيد" وهو يجذب باب العشة:
(حاجيب حلاوة أحسن)
وخرج إلى "الوسعاية"، وأغلق الباب وراءه، كانت خالية تماما، وانبعثت الأنوار الخافتة من بعض النوافذ المفتوحة، ووقف "عباس" ينظم من وضع الأشياء استعدادا لفترة السهرة وهو يتجول داخل المقهى والجوزة في يده يمتص دخانها بين لحظة وأخري، التقت عيناه بعيني "سيد"، توقف "سيد" في مكانه بينما هبط "عباس" إلي مدخل المقهى وهو يقول:
(خد يا شاطر)
قال "سيد" متحفزا: (إيه؟)
تأمله عباس" قليلا، ابتسم: (إزيك)
ظل "سيد" واقفا ولكنه لم يهتم بالرد، قال "عباس" وهو لا زال محتفظا بابتسامته:
(انت رايح فين؟)
(رايح اشتري حاجة)
(منين؟)
(رايح اشتري حاجة من الدكان )
(حاتشتري إيه ؟)
قال "سيد" وهو يرفع حاجبيه: (وانت مالك؟)
(اخص، انت خايف تقول؟)
(لا مش خايف)
(لا سيبك انت، لو مكنتش خايف كنت قلت)
(رايح اشتري جبنه، عاوز إيه بقي؟)
قال "عباس" وهو يجلس علي الدكة: (رايح تشتري جبنه؟)
(لا، رايح أشتري حلاوة ودخان وعيش)
(طيب مش تقول كده يا أخي)
(لا مش حاقول)
(هو عمك مجاهد نايم؟)
(آه)
(إمال حا تشتري دخان لمين؟)
(لعم مجاهد)
(مش بتقول نايم؟)
(ما هو نايم صاحي، عاوز إيه بقي؟)
وتحرك "سيد" ناحية طرف الحارة المؤدي إلي شارع البحر، قال "عباس": الله، يابني البقالين الناحية دي)
وأشار إلي طرف الحارة الآخر، ولكن "سيد" قفز مبتعدا وهو يقول:
(وانت مالك؟ يمكن أنا عاوز أروح من هنا يا بايخ).
***
(الساعة السابعة)
بهدوء شديد تقدم الشيخ "شعبان" قادما من شارع البحر وهو يحمل طبقا ممتلئا بالفول، تقدم وقد ارتسمت على وجهه ضحكة كبيرة صامتة، وبدا من الواضح أن لون طربوشه قد تغير تغيرا ظاهرا، ومال علي مقدمة رأسه بعض الشئ ولكنه كان ثابتا، وكانت البنات الصغيرات متربعات تحت شباك أم "صابر" وقد توسطتهن واحدة ترقص علي دقات الكفوف، تلفت الشيخ حوله وهو مازال مستغرقا في ضحكته الصامتة، توقف أمام بيت الحاج "حنفي" واهتز اهتزازة عنيفة خاطفة، وابتلعه البيت ،بعد قليل عاد، توجه علي الفور وتفحص قطعة الأرض التي كان العم "مجاهد" قد اعتاد أن يحتلها، تفحصها بعناية شديدة ،وظهر عليه ماقد يظهر علي الانسان عندما يكتشف شيئا فقفز قفزتين أو ثلاثا، وانحني وألصق جانب وجهه بالألواح الخشبية المنخورة، فانحرف طربوشه أكثر ،ولكنه لم يعر ذلك أدني اهتمام، بل راح يتراجع بظهره وهو مازال منحنيا ،وهكذا عاد الشيخ "شعبان" إلى الاختفاء داخل بيت الحاج "حنفي".
وعندما ظهر في الوسعاية مرة أخرى، كان يحمل بين يديه صفيحة كبيرة ممتلئة بالفول، وضعها علي الحجر الكبير الأبيض وجلس وراءها، وأخرج من جيب جلبابه جريدة متسخة مزقها إلي قطع صغيرة متساوية، وما إن رتبها في حجره حتي راح يصفق ويهمهم ويضحك بصوت عال ،هذه المرة ترك الأولاد ما بأيديهم وقامت البنات الصغيرات من تحت شباك أم "صابر" وكففن عن الغناء والتموا حول الحجر الكبير الأبيض، تبادل الجميع بضع كلمات سريعة مقتضبة، انفضوا على أثرها، وانتشروا داخل "الوسعاية" وراحوا ينقبون الأرض بأصابعهم الدقيقة في اهتمام حقيقي وجدية بالغة، جذب "عباس" نفسا أخيرا من الجوزة، وغادر الدكة واقترب من الحجر الكبير الأبيض وهو يتعمد النظر إلي الجهة الأخرى، فجأة مال وتطلع من فوق الرؤوس الصغيرة التي كانت قد انتهت من عملية التنقيب ووقفت في صمت أمام الشيخ "شعبان"، ومال "عباس" أكثر، ورأى أن الأولاد كانوا يمدون أيديهم بكميات من نوي البلح، وأن الشيخ يأخذها منهم ويضعها في كيسه المعلق في رقبته، ويمد يده داخل الصفيحة الكبيرة ويتناول بضع حبات من الفول، ويلفها في قطع الورق الصغيرة ويناولها للأولاد،
وما إن عاد "عباس" إلي مكانه وراح يتطلع إلى باب العشة، ذلك الذي أغلق، حتى كان نوي البلح قد اكتسب أهمية خاصة فدارت من حوله المعارك، ومزقت من أجله الثياب، وخدشت وجوه وسالت دماء، تماما في نفس الوقت الذي راحت ظلال الغروب تخيّم فيه علي سماء المكان.
***
(الساعة الثامنة)
كان الليل يبدو وكأنه قد استثني ذلك الجزء من العالم ،وجلس الولد "سيد" الأقرع علي سور المدرسة وهو يمسك في يده لفافة صغيرة ورغيفا وباكو دخان، وراح يتطلع إلي المطعم الجديد، كان الحشد عظيما، فالأولاد والبنات يتدافعون ويتصايحون وقد راحت جموعهم المتداخلة تتفجر وتتماوج في تماسك واضح تحت أسلاك التروللي باس التي كانت تلتمع ،بينما كان الرجال والنساء يفترشون الحصر علي الطوار تحت الأشجار ،يشربون الشاي ويأكلون الخس ويتبادلون الكلام، وضع "سيد" باكو الدخان في جيب جلبابه وفك اللفافة الصغيرة وتأمل قطعة الحلاوة الطحينية، ومزق الرغيف وبدأ يأكل وهو مازال جالسا علي سور المدرسة، ولم يمر وقت طويل حتي انطفأ التماع الأسفلت، وتوقف هو عن الأكل وتلفت في حذر، كان الجالسون على الطوار قد كفوا عن أكل الخس وشرب الشاي وتبادل الكلام، وخرس الضجيج عند مدخل المطعم وارتفعت الوجوه كلها إلى أعلى، وراحت العيون تفتش في صفحة السماء، وتشبثت أصابع الولد بأحجار السور، وقفز إلى الأرض وراح يجري إلي أن انضم إلي الجموع الصامتة عند المطعم، ورفع وجهه هو الآخر، وبدأ يري بعينيه الواسعتين، وطال الصمت والظلام، وهلّ القمر خلال سحابة متكسرة، وقال رجل وهو يغلق من فتحة جلباب: (الله، ده القمر مخنوق يا عيال).
***
(خاتمة)
في الليل، كان الأولاد والبنات قد اعتلوا الأسطح وراحوا يجوبون الحواري والأزقة في جماعات متتالية وهم يدقون بالعصي والحصي على قطع الصفيح والأواني التي كانوا يضمونها إلى صدورهم، وكانت متصلة ترافقها أصواتهم النحيلة الضارعة :
(ياللا يا بنات الحور، سيبوا القمر ينور
ياللا يا بنات الجنة، سيبوا القمر يتهّني
يالطيف الطف بنا، ده احنا عبيدك كلنا).
كانت "امبابة" كلها تنشد، وعيون أبنائها تتطلع إلي ذلك القرص الفضي الناقص الذي كان معلقا في سماء الوسعاية ،وقال الحاج "حنفي":
(السلام عليكم )
وردّ الرجال الجالسون في مقهى "عباس" السلام، وقال العم "مجاهد":
(اتأخرت ليه يا بني؟)
وقال "سيد" وهو يغلق باب العشة ويضع باكو الدخان وبقية النقود علي الصفيحة المقلوبة:
(أصل أنا كنت باتفرج على القمر المخنوق).
وقال "عباس" وهو يناول الجوزة إلى مرسي:
(انت خايف يا سلامة؟)
وردّ "سلامة" وهو ينقل عينيه القلقتين بين "منصور" أفندي والأسطى "عيد":
(هو انت شفت القمر وهو مخنوق ؟)
وردّ العم "مجاهد":
(شفته مرة واحدة، زمان أيام ماكنت قدك).
(هو انت كنت قدّي؟)
(آه).
وقال عباس:
(يا أخي حكاية عم مجاهد دي حكاية صعب قوي )
وقال "سيد" ؛
(هو انت مولود هنا؟)
وردّ العم مجاهد:
(لا، أنا مولود في البحر)، وتنفس في عمق: (زمان، زمان قوي، أبويا كان بيشتغل صياد، وكان عنده مركب صغيرة، وبعدين اتجوز أمي وعاشوا هم الاتنين في المركب، والمركب كانت بتمشي بيهم من بلد لبلد ،وكانوا بيبيعوا السمك للناس، وبعدين أمي ولدتني ،وبقيت أساعد أبويا وأقدّف بالمقداف، زمان، زمان قوي).
وشد "مرسي" نفّسا طويلا من الجوزة، وقال وهو يناولها للأسطى عيد:
(صعبة إيه يا بني)، وعدل من وضع نظارته فوق أنفه (إمال بقي لو قريت الحكايات التانية )
وقال "سيد: (هو انت كان ليك أم؟)، وقال العم مجاهد: (أيوه ياسيد، كان ليه أم).
(هيه أمك كان شكلها إيه؟)
(مش فاكر)
(أنا ياعم فاكر شكل أمي )
واسترخي تحت قدمي الرجل العجوز : (هي سابتك ومشيت؟)
(أبدا ،دا أنا اللي سبتها هي وأبويا ومشيت ،أنا اللي سبتها ياسيد)
وقال الأسطي عيد: (والله وحشتنا الحكايات بتاعتك يامرسي )
وقام عباس وهو يسعل ليغيّر الجوزة ،وارتفع صوت الأولاد مقتربا: (ياللا يابنات الحور سيبوا القمر ينور).
وقال مرسي: (مرة زمان، صحينا من النوم، لقينا الوسعاية دي مليانة ميّه، ومكناش بنقدر نخرج من البيوت بسببها ،وكان فيها باعوض كبير )
وقال عباس :(ياعيني)
وقال سلامة : (امتي يا سي مرسي؟)
وقال مرسي وهو يميل إلي الوراء:
(وكان الباعوض بيحب يتمشي كل يوم علي سطح الميه )
وضحك الأسطى عيد، وقال سلامة: (الباعوض؟)
(آه، وبيلبس بدل وقمصان وكرفتات)
قال سلامة وهو يلتفت ناحية منصور أفندي: (الحق يا عباس، الحق)
قال مرسي: (انت كنت لسه صغير ما تولدتش ،حتي اسأل منصور أفندي كده)
زوي منصور أفندي وحدّق في سلامة بقوة ،وهو يضغط علي أسنانه ، وقال سيد: (هو انت عبيط؟)
وقال العم مجاهد :
(ليه ياسيد؟)
(ما دام سبت أمك ومشيت تبقي عبيط)
(أصل احنا كنا عايشين في البحر، وكل يوم كان نفسي ألعب علي الأرض شوية صغيرة، لكن أبويا كان بيضربني بالمقداف، ويقوللي لازم تعيش في البحر، وبعدين مرة جينا امبابة رحت هربان، وقعدت ألعب على الأرض لغاية مامشيوا بالمركب، وكانت امبابة دي كلها غيطان، وكان فيها شوية بيوت قليلة، وماكنش فيها وسعاية )
وقال الأسطي عيد: (وبعدين يامرسي عملتوا إيه في الميه والباعوض؟)
وقال سلامة: (هو انت كمان كنت لسه ماتولدتش يا أسطي عيد؟)
وقال مرسي: (لا، انت بس اللي لسه ماتولدتش ،لكن الأسطي عيد كان اتولد بس كان مسافر )
وقال الأسطي: (آه ما هو أنا لا مؤاخذة يعني كنت مسافر )
وقال سلامة: (وبعدين؟)
وقال العم مجاهد: (فضلت ماشي لغاية مالقيت راجل يبيع فول، في الحته اللي احنا فيها دي ، وماكنش فيه حواليه بيوت، وأنا قعدت معاه)
وقال مرسي: (لما لقينا الباعوض زودها، وبقي يخطف البنات والميه مهياش عاوزة تنشف ،عملنا مؤتمر فوق الأسطح بتاعة البيوت ، وجبنا عربيتين تراب)، والتفت إلي منصور أفندي : (أظن كانوزتلات عربيات يامنصور أفندي ؟)
قال منصور أفندي وهو يحدق في سلامة: (تمام كده ،كانوا تلات عربيات).
(وقررنا ان احنا نردم الوسعاية ،وفعلا عملنا هجوم عنيف ،ورحنا رادمين الوسعاية ،واتلمينا كلنا وفضلنا ندك فيها برجلينا لغاية ما كتمنا الميه خالص )
وقال العم مجاهد: (وبعدين هو مات ،وأنا قعدت مكانه وبقيت كبير، وفضلت البيوت تقرب مني ،وتقرب ،وتكتر ،لغاية مابقت حواليه من كل ناحية ،وبقيت أنا اللي عملت الوسعاية )
وقال سلامة: (والباعوض يامرسي؟)
قال مرسي: (الباعوض؟)
(آه الباعوض)
(هرب)
(هرب فين؟)
(أبدا ،لبس جلاليب وعمم وبدل افرنجي وفساتين وبدل جيش واتلخبط في الناس، وهرب )
وقال منصور أفندي: (بقي حتي هرب كمان، ومانتش عارفها يعني إيه؟)
وقال عباس: (اوعي تكون خفت ياسلامة؟)
وقال سلامة: (وأنا مالي ياعم ،هو أنا اللي باقول؟)
وقال العم مجاهد: (شفت بقي ياعم سيد أنا هربت ليه ؟)
ولم يرد سيد، وقال العم مجاهد: (سيد، سيد )
كان الصبي نائما، وحاول العم مجاهد أن يرفع جذعه ليلقي عليه نظرة ولكنه لم يتمكن، وشعر بنفسه وهو يهبط برفق، كان أبوه جالسا بكامله علي الأرض عندما قال مجاهد :
(مساء الخير يابا)
وردّ أبوه: (كنت فين ياواد؟
ومد ذراعه وأمسك بمجداف مركون خلفه لكي يضربه، ولكن المجداف انهار كما التراب الناعم وارتفعت أصوات الأولاد في البعيد:
(يا بنات الحور، سيبوا القمر ينور)
وانتفض العم مجاهد فجأة وشعر ببرودة شديدة وبالعرق يسيل علي وجنتيه الغائرتين وصدره ،واقتربت الأصوات أكثر:
(يللا يابنات الجنة، سيبوا القمر يتهنّي)
ورفع جذعه قليلا، وبذل جهدا كي يمد ذراعه ويأتي بصندوق دخانه من فوق الصفيحة المقلوبة، كان يشعر برغبة شديدة في التدخين، وأصبح الأولاد في مدخل الوسعاية:
(يا لطيف الطف بنا، داحنا عبيدك كلنا)
وأوشكت أصابع العم مجاهد أن تلمس صندوق دخانه ،ولكن ذراعه انهار فجأة وسقط بجواره ساكنا.
مجلة "المجلة" العدد 155 نوفمبر 1969 .


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق