ترجمة: مجدي عبد
المجىد خاطر
عن اخبار الادب
نُشِر "كفاحي"
أول مرّة عام 1925، قبل وصول هتلر للسلطة بثماني سنوات. أعدّه للنشر نائب هتلر، رودلف
هيسّ، ويُجمِل فيه أفكاره السياسيَّة وخططه المستقبليَّة لألمانيا ومجالها الحيوي،
والحاجة إلي استعمار الأراضي المجاورة من أجل السماح لألمانيا بالاستفادة من كامل إمكانياتها.
عقب الحرب العالميَّة الثانية امتلكت ولاية بافاريا حقوق نشر الكتاب، لكنها رفضت إعادة
طباعته لمنع التحريض على الكراهيَّة. عام 2015، انقضت حقوق النشر لدى ولاية بافاريا
وصدرت طبعة جديدة باعت عشرات الآلاف من النسخ.
واجهت ألمانيا، مع
اقتراب انقضاء حقوق ملكيَّة كتاب أدولف هتلر الفكريَّة العام الماضي، خيارًا موجعًا
بشأن أفضل سبل التعامل مع كتابات رجل يقبع بقلب أحلك فصول تاريخها.
كانت وزارة مالية
ولاية بافاريا على مدى السنوات السبعين الماضية قَد حازت حقوق الملكيّة الفكريّة لهتلر،
منعت خلالها إعادة نشر إطروحته السياسيَّة سيئة السمعة المعادية للسامية، (Mein
Kampf كفاحي ) داخل
البلاد. وقد واجهت ألمانيا خيار استئناف المقاربة الليبراليَّة التي تفضلها المملكة
المتحدة والولايات المتحدة وكندا وإسرائيل التي تعوِّل على الثقة بالمجتمع المدني وإعطاءه
فرصة الاشتباك مع الكتاب. أمّا الخيار الآخر، الّذي أخذت به النمسا ودول أخرى في الماضي،
فيقضي بإصدار حظر صريح لكتاب هتلر. لكن ألمانيا رفضت كلا الخيارين، مؤثرة بدلًا منهما
مقاربة أبويَّة قوية.
وقد منحت ولاية بافاريا
نصف مليون يورو لمعهد التّاريخ المعاصر( IfZ) في ميونخ، وهو معهد أبحاث شبه حكومي، لتمويل إصدار نسخة نقديَّة مشروحة
من كتاب هتلر. وفي الوقت ذاته، ذُكِرَ أنّ أي جهة تصدر نُسخًا غير مشروحة تضع نفسها
تحت طائلة القانون. وفي تطور آخر، حاولت الحكومة البافاريَّة بشكل ذكي خلق انطباع أنّها
سحبت دعمها المالي للنسخة المشروحة من كتاب كفاحي، وبالتالي ترك معهد IfZ وحده في مهبّ الريح.
استراتيجيَّة فاشلة
مع اقتراب يناير
2016، موعد نشر معهد IfZ لكتاب
كفاحي، اشتد توتر معهد ميونخ إضافة إلى المسؤولين بالحكومة الألمانيَّة انتظارًا لِما
قد يحدث. وأعرب المعهد في حينه عن مدى الخطورة التي قَد يكشف عنها تحوّل كتاب كفاحي
إلى واحد من الكتب الأكثر مبيعًا في ألمانيا.
مع ذلك، في الوقت
نفسه، طمأن المعهد الجمهور أنّ هذا الاحتمال مستحيل، وأعلن مديره أندرياس فيرغين أنّ
توفير كتاب كفاحي دون حقوق ملكيَّة فكريَّة أو تعقيب أمرٌ يفتقر للمسؤوليَّة؛ لأنّه
في تلك الحالة يستطيع أي شخص عمل ما يشاء بكتاب هتلر.
في الواقع، لقد أصدر
المعهد طبعة من غير المرجح أن تغادر الأرفف؛ إذْ تزن حوالي خمسة كيلوغرامات وأربعمائة
غرام (حوالي 12 رطلًا) وتضم ثلاثة آلاف وسبعمائة حاشية، وهو بذلك يُعدّ مرجعًا دراسيًّا
هائلًا، تمثِّل قراءته عبئًا ثقيلًا حتّى بالنسبة للمختصين.
وطوال عِدة أسابيع
كان شراء نسخ من الكتاب أقرب للمستحيل؛ بسبب نزوع معهد التّاريخ المعاصر بالنسبة لباكورة
النسخ إلى عمليات طباعة بالغة البطء، واستغراق النسخ اللاحقة وقتًا طويلًا كي تصل إلى
المكتبات.
علي أي حال، فشلت
المقاربة الأبويَّة التي آثرها معهد ميونخ والسلطات الألمانيَّة فشلًا ذريعًا في سعيها
في منع كتاب كفاحي من بلوغ قائمة الكتب الأكثر مبيعًا.
المركز الأول
إنّ كل ما فعلوه
هو إرجاء ظهور كتاب هتلر في قوائم الكتب الأكثر مبيعًا في ألمانيا، فضلًا عن الزيادة
غير الضروريَّة بالاهتمام العام بالكتاب من خلال الحفاظ علي هالة الحظر المحيطة به.
وهكذا، بحلول منتصف أبريل نجح كفاحي في الوصول إلى المركز الأول في قائمة الكتب الأكثر
مبيعًا بصحيفة دير شبيغل النافذة، حيثُ استمر هكذا طوال عِدة أسابيع. وحتّى الآن لا
يزال في المركز الرابع عشر رغم عدم توافره بالكثير من المكتبات وقيام بعض المكتبات
الأخرى بطلبه للقراء بشكل فردي.
ربما أخفقت المقاربة
الألمانيَّة لكن، يُمكن القول أنّ المخاوف بشأن العواقب الوخيمة المحتملة من تحوّل
كتاب هتلر إلي كتاب رائج لم يكن لها أساس من الصحّة؛ فما من دلائل علي وجود ما يدفع
الأغلبيَّة السّاحقة مِمَن قاموا بشراء كفاحي، عدا الفضول والاهتمام الحقيقي.
لا يوجد سبب للاعتقاد
أنّه خلال عام أو أكثر، حين تتلاشي الإثارة الأولى التي صاحبت المسألة برمتها، سيصبح
كفاحي أكثر رواجًا داخل ألمانيا من بريطانيا أو أميركا.
قَد يطرح المرء تساؤلًا،
كما فعلت في صحيفة "دي فيلت" الألمانية اليوميَّة، مفاده ألم تكن ألمانيا
لتستفيد بدرجة أكبر لو انتهجت المقاربة الليبرالية الأثيرة لدى العالم الأنغلوساكسوني،
بدلًا من المقاربة الأبويَّة التي تشكك بالمجتمع المدني.
في الواقع، ربّما
يتساءل المرء أيضًا هل يُعدّ وصول كفاحي لقائمة الكتب الأكثر مبيعًا، وبالتالي اشتباك
الألمان مع تاريخهم، شيئًا سيئًا، في حين كثيرًا ما يُقارن السياسيون حول العالم بهتلر
في زمن شعبويَّة سياسيَّة ناهضة مشابهة لما جرى في عشرينات القرن المنصرم.
بطبيعة الحال ينبع
الخوف الواضح بألمانيا ومناطق أخرى من احتمال أنّ يحرِّض كتاب هتلر على موجة جديدة
من معاداة السّامية وبعث اليمين المتطرف، وقد ازدادت تلك المخاوف حين أعلنت دار النشر
اليمينيَّة المتطرفة بشرق ألمانيا، شيلم، عن نيتها إصدار طبعة غير مشروحة من كفاحي،
ما دفع ولاية بافاريا للطلب من النيابة العامّة هُناك إخضاع الناشر للمحاكمة.
إعلان شيلم ينبغي
النظر إليه بوصفه أمرًا دعائيًّا، تمامًا كالقرار الّذي اتخذته الصحيفة الإيطاليَّة
اليوميَّة
Il Giornaleالأسبوع الماضي، بتوزيع نسخ مجانيَّة من الكتاب. لكن مثل هذه الأعمال
الدعائيَّة لم تكن ممكنة لولا قرار الحكومة البافاريَّة حظر إعادة نشر كفاحي طوال سبعين
عامًا، ومِن المستبعد أن يستمر أثرها فترة طويلة؛ ذلك أنّ النازيين الجدد والمتعاطفين
معهم حظوا طوال سنوات بالقدرة على الوصول لكتاب كفاحي بسهولة عبر شبكة الإنترنت، وهكذا
من غير المحتمل أن يتأثّر ذلك بعودة كفاحي مطبوعًا على الورق.
في الحقيقة، لا توجد
علاقة متبادلة بين المقاربات التي انتهجتها دول عديدة في الماضي بشأن إتاحة كتاب كفاحي
وقوّة الحركات المتطرفة داخل تلك الدّول. يُمكن القول أنّ الخطر يكمن في مكان آخر:
ذلك أنّ الأبويَّة السّاطعة من خلال المقاربة الألمانيَّة إزاء إعادة نشر كفاحي، أكثر
من كتاب هتلر نفسه، هي ما يرفع من شعبيَّة جناح اليمين. وكما نبّه المفكِّر الألماني
نيلز مينكمار في صحيفة دير شبيغل، فإنّ غطرسةً ثقافية وعجرفة إزاء الطبقات الأقل تعليمًا
كانا يؤديان إلى استلاب الطبقات الدّنيا بعيدًا من المجتمع الليبرالي وبالتالي إعادة
بعث شعبيَّة الجناح اليميني في البلاد التي حكمها هتلر ذات يوم.
ــــــــــــــــــــــ
* توماس فيبر أستاذ التّاريخ والعلاقات الدوليَّة
في جامعة أبردين، كتابه (كيف صار هتلر نازيًّا- بروبيالين 2016) ستنشره بالإنكليزيَّة
مطبعة جامعة أوكسفورد وبيسك بوكس.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق