ترجمة: حسين الموزاني
لا بدّ من الاعتراف بأنني لا أشبه أدونيس من حيث جمال الشكل، فأذناي شاخصتان إلى الأعلى وجبهتي مقعّرة وساقاي معوجتان. بيدّ أنّ الأمر لم ينته عند هذا الحدّ، إنما تراني أتلجلج أثناء الكلام كلّما أحرجني المتكلّم، وكان هذا الأمر كثيراً ما يحدث. ويبدو أن والدي قد استقبح صنيعه هذا، فكنت أذكره أيضاً، وبشكل قدريّ ووخيم العاقبة، بوسامته وطلعته البهية التي كانت كافية لأنّ توقع فتاةً غرّةً ومتذمرةً في حبائله، فتصبح زوجةً له ثمّ أمّا لي فيما بعد. ومهما كان الأمر، فإن والدي كان يحبّ الارتقاء إلى مستو رفيع، فبدا غير راض بقسمته، بل لم يكن راضياً بي بشكل خاص. فأخذ يشتري طيلة أسابيع ألواناً زيتية ثمّ يخزّنها في دكّانه الصغير المظلم، لأنّ زبوناً ما كان مولعاً بالرسم قد أخطأ الطريق ذات مرّة فعرج على دكّان الوالد. وفي أيّام الآحاد كان يعتني بهندامه لدرجة أنّني أكتم أنفاسي خشيةً منه وتطيّراً: فكان الوالد يرتدي في البدء الصديري المصنوع من قماش القطيفة، ويدسّ فيه ساعة جيب ضخمة تتباهى هي بنفسها بمظهرها، ومن ثمّ يخلع عليها سترته السوداء البرّاقة ويثبت في صدرها المنديل المعطّر، وبعد ذلك يأتي دور الحذاء الذي صنعه إسكافي ماهر من جلد العجل. فكانت أمي تلطم خديها وتصرخ كلّ مرّة: "أنظروا إلى هذا الرجل! فنحن ليس في بيتنا فلس واحد، ومع ذلك فهو يتبختر بثيابه كالطاووس!"
فماذا كان يستقبل هذا الرجل بتلك الأناقة الفخمة؟
إذاً دعوني أقصّ عليكم هنا الحكاية منذ البدء: كان والدي يتحسس أذيال بذلته برفق ثم يتنحنح ويهرع إلى قنينة الكونياك التي كان يحتفظ بها في دولاب زجاجيّ بعد أن يحكم عليها سدّادة الفلّين التي أحيطت بها أصداف قزحية الألوان وسمندرات محنطّة وسفن شراعية محشورة في الزجاج. فكان الأمر لا يستغرق إلا وقتاً قصيراً حتّى تستبد به حالة من القلق العجيب، فيشعر بالظمأ والاشتياق إلى ما هو قصيّ ناء. وحينئذ يذرع غرفة الجلوس بخطوات ملؤها الخيلاء وحبّ التملّك، تلك الغرفة التي انتصبت فيها طاولة وخمسة كراس إلى جانب الدولاب وقد علّقت على حائطها سجادة دوّنت عليها عبارة بخطّ مائل ومتعرّج: "في فم ساعة الصباح ذهب"، هذا إذا ما أجهد المرء نفسه بغية فكّ طلاسم الخطّ.
وتحت وقع خطاه تبدأ الأصداف تتراقص داخل الدولاب وتتأرجح السفن ذات الأشرعة الكابية الألوان، بينما تهزّ السمندرات المحنطّة رؤوسها، بل ترتج الغرفة برمّتها. وإذا ما سقط بصره عليّ، أنا الذي كنت أقف على ساق واحدة من فرط الاضطراب، فإنه يزعق بي على الفور: "اغرب عن وجهي يا فتى! فكيف لي أن أراك تقف هكذا أمامي؟"
وكانت أمّي تهبّ لحمايتي فتقول بنبرة لا تخلو من التهكّم: "إنّ التفاحة لا تسقط بعيداً عن جذع الشجرة!"
ولم أكن آنذاك عارفاً بالأمثال مثلما أصبحت عليه اليوم، فكنت أرمقها بنظرات مذهولة، لأنني سمعت تتحدّث بلغة سرّية مبهمة، لم أفقه منها شيئاً، فلم أعد أعرف كيف عليّ أن أتصرف. وكان والدي على أيّة حال لم يلق بالاً بأجوبة أمّي، فيواصل احتساء الكونياك، ويلقي بشتائمه على كلّ من يقف في طريقه. وشيئاً فشيئاً تستحيل أناقته إلى فوضى عارمة، فتنـزلق الساعة من جيب الصديري وتتدلى مترنحةً أمام بطنه على نحو ينذر بالشؤم، بينما يرفرف المنديل المعطر فوق الأرضية ويقف شعره الممشط بعناية والمفروق إلى الجانبين ثمّ ينـزلق السروال إلى ما تحت السرّة. فكنت كثيراً ما أتخيل رسل العهد القديم على هذه الصورة حينما تنتابهم سورة الغضب. وكنت معجباً في الواقع بوالدي، غير أنني كنت أقف بعيداً عن متناول ذراعيه الفعّالتين. وكانت الأرضية الخشبية ترتج والقنينة تتجول من الفمّ إلى اليد ومن اليد إلى الطاولة ومن ثمّ إلى الفمّ، فيحتسي الوالد محتوى الزجاجة بعينين مغمضتين، دون أن يرتكب خطأً واحداً. وكان كلّما قذفني بنظرة من طرف عينيه يعلو جبينه تقطيب لا يحمل في طيّاته سوى الاحتقار. فهل يجب أن اعترف بأنني كنت أتحسس آلامه وأشاركه فيها، ولو بركبتين مرتجفتين من الهلع، شاعراً بوطأة الذنب، لأنني لم آت مطابقاً لأمانيه المفرطة في جرأتها؟ وإلا فماذا عليّ أن أكون سوى ذلك؟ أطفلاً أعجوبة زمانة؟ أم عبقرياً يرتدي سروالاً قصيراً؟
إلا أنّ حزن والدي لا يدوم إلا وقتاً قصيراً، إذ تنفد زجاجة الكونياك، فتتراخى حركاته، ويغطس في مقعده، فيرتطم حنكه بصدره، ثم يستسلم للنوم، مستقبلاً حالته الجديدة بشخير له صليل حاد، حينئذ أتجرّأ على مغادرة الغرفة بعد تلك التحولات الكبرى كلّها.
وذات يوم أحد، وقد حدث ذلك في فصل الشتاء بالتحديد، حين كانت السطوح تسطع متألقةً ويغطيها الجليد وأمّي تشكو من شحّ المال، وأكون أنا نفسي قابعاً في غرفة الجلوس، حيث أدرّب يدي على تحسين الخطّ، في يوم الأحد هذا بالذات هرع أبي إلى زجاجة الكونياك دون أن يرمقني بنظرة واحدة من الحنان الأبويّ، وبدأ يشرب، فتراقص القلم في يدي من شدّة الرعب. ثمّ أخذت سلسة ساعة الجيب ترتطم بكرشه وبدأت يده تصفع فخذه قهراً وتبرّماً، ثمّ قفزت شفتاه من بين شاربه الكثّ وصار يهتف: "وجدتها، وجدتها!"
وفي تلك اللحظة اخترق القلم الورقة فاتسعت بقعة الحبر وأصبح حجمها بحجم الدرهم المعدني. وفجأة رفس الوالد الكرسيَّ وانطلق خارجاً من الغرفة مسرعاً، وأذيال سترته تتطاير محلقة من خلفه، مارقاً من أمام لوحة "بيسمارك" الذي كان يحدّق في باب المطبخ بعينيه الجاحظتين. فهجم الأبّ على الدكّان الذي انبعثت منه رائحة المحاليل القلوية والأصباغ الزيتية.وصارت الأدراج تقرقع مرتطمةً فوق الأرض، ومن بينها ارتفعت الشتائم التي استهدفتني شخصياً. وكنت أجلس منحنياً على دفتري وأصيخ السمع له، فسمعت الشتائم تعلو من جديد، ثم أعقبتها صرخة انتصار مدويّة، وتبعتها خطوات. فكانت خطواته هو نفسه. ثم وثب في الباب، ممسكاً بفرشاة ضخمة في يده اليمنى وكانت صفيحة اللون الزيتي تتأرجح في شماله. وثبّت بصره فيّ، أنا أبنه الذي ابتلى به، فلم يجلب له سوى البؤس والشقاء. وبدأ الزيت الأحمر القرمزي يقطر إلى الأسفل. فكانت دهشتي شديدة، لدرجة أنني لم أفقه تصرفه ولم أدرك مغزاه، فاعتقدت بأن أبي سينجز عملاً فنيّاً عظيماً، فكيف لي أن أعرف بأنه استهدفني؟
وتراجع الأبّ خطوةً إلى الوراء وتفحصّ وجهي بملامحه الداعية إلى الشفقة، فغطّس الفرشاة في الصفيحة وقلّص عينيه ثم وثب، فصفعتني الفرشاة على جبهتي، ولطخت عينيّ بحيث أنني لم أعد أرى سوى السيول الحمراء وصورة الأبّ الذي طار صوابه. وحاولت التخلّص منه، فأدرت وجهي إلى الجانب كاشفاً له عن أذني. وأردت أن أصرخ، ودفعت يديّ إلى الأمام وأخذت أترنح على الكرسي، بيد أن الفرشاة واصلت عملها بلا كلل. وصار الأبّ يطاردني في أنحاء البيت: حيث أظهر إبداعه في كلّ غرفة وفي كلّ زاوية، وحتّى تحت صورة العذراء ذات الستة عشر عاماً. فهربت في الأخير إلى الشارع، لكنني لم أستطع حماية نفسي من هجمات فرشاته، بل ظننت أنّ والدي أراد أن يضحي بي مثلما ضحّى إبراهيم الخليل بإسحاق. أمّا اللون الذي ساح منّي فقد ظننته دماً، فاستجمعت آخر قواي وصرخت مستغيثاً: "الحقوا لي يا أيّها الناس؛ إن أبي يريد أن يقتلني!"
وتمنيت أن يوقفه الله عند حدّه، لكنّه لم يتوقف، ولم يهب أحد لنجدتي من قبضات أبيّ الفنيّة البارعة، فكان يركض خلفي ضاحكاً، ملطخاً بالأصباغ، ولا يختلف مظهرة عن مظهر ديك الصباح، مبهوراً بعمله الفنّي، عمله هذا الملتبس أن شئت التعبير بدقّة، والذي وقف في الثلج مرتعد الأوصال من شدّة الهلع وهو يجفف وجهه.
أخيراً سارعت أمّي لتحميني من ضربات فرشاته الخالية من الرحمة، وطفقت تشكو بصوت عال: "يا إلهي، هل أراك وأنت تجني على لحمك ودمك؟" ثمّ مسحت الصبغ عن وجهي بمئزرها، وأعادتني ببطولة إلى البيت مرّة أخرى.
وهكذا بقيت نسخة فنيّة غير مكتملة. ولكن لابدّ من الإشارة إلى أنني حملت بكبرياء تبعية ولادتي الثانية التي لم يمح صبغها أجود أنواع الصابون طرّاً. وصار التلاميذ في المدرسة يلقبونني باسم "الموهيغاني الأحمر"** وصرت أسمع هذا اللقب باعتزاز. وكنت فخوراً بشكلي الجديد؛ فالتمسكم عذراً وأقول من ذا الذي يريد أن يحرمني من هذا الإحساس؟
--
* هربرت هكمان (١٩٣٠-١٩٩٩) قاص وروائي وأستاذ جامعي ألماني، درس الفلسفة والأدب وعمل مدرّساً في الجامعات الألمانية والأمريكية، وعيّن رئيساً للأكاديمية الألمانية للغة والشعر. وعرف بلغته البسيطة الساخرة و الخالية من البهرجة، وبأجوائه السريالية الغريبة التي تدور حول قدر الإنسان وأوهامه مثلما تؤكد هذه القصّة المترجمة هنا. كتب هكمان إلى جانب القصّة والرواية العديد من البرامج الإذاعية وقصص الأطفال، إضافة إلى أبحاثة العديدة عن التاريخ الثقافي للأطعمة.
** الموهيغان: قبيلة من الهنود الحمر تقطن في الجزء الجنوبي الشرقي من ولاية كونكتيكوت الأمريكية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق