الصفحات

hh

hh

تتتت

تتتت
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

بحث

الخميس، 1 سبتمبر 2016

ويليام فوكنر: أمي *


ترجمة: سعيد بوخليط
ولد ويليام فوكنر في ميسيسيبي سنة 1897، ينحدر من أسرة عريقة أرستقراطية أفلست نتيجة حرب الانفصال، تراوحت إقاماته بين باريس ونيويورك وكذا نيو أورليانز قبل أن يستقر في أوكسفورد ولم يغادرها أبدا إلا من أجل الاشتغال ككاتب للسيناريو في هوليود. يتسم عالم فوكنر بكونه عالما متشائما حيث يشكل الانحطاط والخطيئة وكذا الاعتذار عنها بالمكابدة حلقاته الدرامية. حصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1950 وتوفي سنة 1962 بعد حياة كرسها كليا لإنتاج أدبي يعتبر من بين أهم ركائز الأدب الأميركي.

الأحد
28 أبريل 1918
نيوهافن
صغيرتي أمي العزيزة
أتمنى أن تكوني قد توصلتِ بالورود.لقد بعثت أنا وفيليب برقية إلى مدينة ''ممفيس" كي يرسلوها إليك . أيضا، اليوم،أنا وفيليب حمل كل واحد منا قرنفلا أحمر احتفالا بعيد الأم . تقريبا الجميع،فعل ذات السلوك باستثناء الكارهين للمجتمع، مع أن الجو كان عبوسا بل وباردا. 
مساء البارحة في فندق أونيكو، تواجد إلى جانبنا شخص يدعى ''تومي''جريحا ورجله مصابة، يحمل وساما عسكريا يدل على تميز السلوك. من المحتمل مثلما تظهر ملامحه  أنه أميركي، لكن المؤكد، مشاركته في ''المهرجان الكبير''. الذي خلق بواعث قوية للخروج إلى الطرقات ومشاهدة أشخاص، من بولونيا وروسيا وشيوعيين إيطاليين، جميعهم ألصق على صدره علما أمريكيا صغيرا. هكذا يقال بأن الله خلق الإنسان على صورته.  
عُرض فيلم عن الحرب أنتجته الحكومة الفرنسية،لكني لم أتمكن من متابعته، لأني علمت بالخبر متأخرا.
في المقابل، تابعت البارحة ليلا ''مارتا إيدمان'' من خلال فيلم ''الكيد المرتد"، تذكرين بأننا عايننا حضور هذه الممثلة داخل قاعة السينما في أكسفورد.
البارحة ظهيرة، ذهبت بصحبة فيليب إلى المرتفع الجبلي المعروف ب ''إيست روك''.على ارتفاع سبعين ميترا تقريبا،استمتعنا بمنظر بانورامي يمتد إلى أبعد من ''نيوهافن'' حتى البحر، توجد منارات صغيرة في غاية الصلابة والبياض متينة كعصي من الطبشور، ثم اقترب بخار من الساحل: يبدو المشهد أشبه بلعبة،أو سفينة طفل صغيرة على مرآة. كان الجو صحوا بحيث أمكننا رؤية المنازل على امتداد الجزيرة، وتبدو المراكب الشراعية الصغيرة مثل لفائف من دخان، وبدا الماء أزرق زرقة لم أراها قط من قبل.  
شرعت أكتب قصائد، بعث فيليب بعضها إلى مجلة : سأرسل لك نسخة.أما فيما يتعلق بالملابس، فأنتظر منك قمصانا وقمصانا ثم قمصانا. أرجوك أمي، أفضلها بزر واحد وليس اثنين على مستوى العنق كي يتموضع عند الأسفل.لقد دأب الكواء، على عادة سيئة بحيث يقتلع الأزرار عندما يكون بصدد كي الثياب: إذن شكل القمصان المرجوة تسهل عملية الرتق.   
قولي إلى دين Dean أن يكتب إلي حتى يخبرني أين وصلت حلوياته، وقبّلي من جانبي سالي إذا تصادفتِ معها.
أحبك أكثر من أي شيء آخر في هذا العالم.
                (لاتوقيع)
***
* الرسالة الثانية :
21 أكتوبر1925
باريس  
أنا سعيد جدا بالعودة إلى باريس، فباستثناء رحلتي  المقبلة إلى ميسيسيبي، لاشيء يبعث على المتعة. منذ قليل تناولت وجبة العشاء على نحو رائع، بتكلفة اثنين وثلاثين سنتا، بمطعم : الفرسان الملكيون الثلاث.إحدى أمكنتي المألوفة. فخذ الأرنب المشوي (لقد مازحت النادلة، بيد أني لا أعتقده طبق قطة)، الملفوف بالجبن وفاكهة التين والجوز ثم قدح نبيذ. يشبه هذا المطعم ناديا صغيرا، ألتقي داخله كل ليلة نفس الأشخاص:ثنائي فرنسي شاب في وضعية هادئة جدا، سيدة تضع شالا حول عنقها وترتدي قبعة رجولية وفق أسلوب صعلوكي، كهل انكليزي يعيش في باريس منذ خمسين سنة، مصور فوتوغرافي أميركي ثم أنا. 
لقد اعتقلت مرة آخرة في مدينة "دييب"، وتحديدا للمرة السادسة منذ مجيئي إلى فرنسا. لاأعلم بالضبط ما الذي يمكنه فعلا أن يجعل مني مشبوها. ربما أظهر شَعَرا متسخا، أو شكل معطفي، لا أعرف على وجه التحديد. مع أني لم أبادر إلى ارتكاب سلوك شاذ.لقد كنت لحظتها جالسا على رصيف الشاطئ، أتناول قطعة خبز وأتابع عملية تفريغ باخرة صيد، فإذا بي أرى دركيا قادما نحوي على دراجته الهوائية.   
"أوراقك، سيدي"
"طبعا، تفضل سيدي" أقدم لك جواز سفري. ثم فتحه رأسا على عقب .
"هل أنت انكليزي؟
-لا أنا أميركي سيدي"بادرت إلى تصحيح كيفية تناوله لجواز السفر.
"آه ! آه!  "نطقها بنبرة مفعمة بالجسارة. دقّق في الكلمات الانكليزية التي يتضمنها جوازي. ثم تأملني ثانية "ماذا تفعل هنا سيدي؟
-ما يقوم به جل الأشخاص المتواجدين هنا''.أجبته وأنا أشير جهة  مايقارب عشرات الأشخاص تثير وضعياتهم الشبهات أكثر مني.  
"آه ! آه !إذن هيا معي إلى الإدارة".
مشيت بكيفية تنم عن ازدهاء إلى حد ما.يدفع دراجته، وأنا أسير بجانيه مستمرا في تناول قطعة الخبز (لقد ضجرت من هذه الاعتقالات المستمرة). تعطلت الحركة على امتداد كل مدينة دييب،وأسرع الكل إلى أبوابهم ونوافذهم كي يتابعوا ما يحدث لي، وثلاثة أطفال متسخين يلاحقون خطانا. حينما وصلت "الإدارة"، لاحظت وجود العشرات، ربما اشتبهت لهم مع شخص لينين: أخذ الرقيب جواز سفري من يدي الدركي الذي اعتقلني ثم شرع يتفحص طويلا الكلمات الانكليزية. ويتبادل بصوت هامس كلاما بينما يستعيد المفتشون نَفَسهم. خاطبني الرقيب: ''أنت انكليزي؟''، ''لا ، أجبته، أنا أميركي مثلما يدل على ذلك جوازي".
"آه ! آه! ماذا تفعل في مدينة دييب؟
-لا شيء . أزور دييب قبل الذهاب إلى باريس؟
- ستذهب الى باريس؟
-بالتأكيد.
- من أي مكان قدمت؟
-لندن.
-آه ! آه !ولما لندن؟
-كي أذهب إلى باريس.
-آه ! آه !''.
انكب ثانية الرقيب والدركي على فحص جواز سفري ثم نظرا إلي :كفى، حسابي صحيح.  
"في أي يوم حضرت إلى دييب؟".
أخبرته عن التاريخ فأجابني: ''لكنك وقتها قدمت من سويسرا.
- بوسعنا المجيء من سويسرا وانكلترا مادمنا نعيش في فضاء الحياة، أليس كذلك؟''.
انكبا ثانية على تقليب جواز السفر ثم بادر الرقيب بالقول :لقد رحل من دييب يوم 4 أكتوبر.
-لكنه رجع''استطرد الثاني.
من جديد يرمقني الرقيب بإمعان ثم أقرّ أخيرا بأني عدت.بدأت أفكر مثله أنه يلزمك التمتع ببراءة مطلقة كي تعود إلى مدينة دييب. ثم قال الرقيب :"هيا قم بتفتيشه !''وبالفعل بدأ الدركي  المسؤول عن اعتقالي يسبر أغوار جيوبي، بحثا بلا شك عن متفجرات، جردني من نقودي وسكين صغير وجميع ما بحوزتي .لقد خاب أمل المتابعين، أعرف ذلك، لكنهم لم يفقدوا بعد الأمل ولازالوا يتطلعون، بينما حمل الرقيب ممتلكاتي إلى غرفة أخرى.عاد بيديه فارغتين وخلال نصف ساعة ظل الاثنان جاثمان يراقبانني.أحس الجمهور بالتعب ثم بدأ في المغادرة الواحد وراء الثاني، وبعد لحظة أتى دركي آخر، يحمل رتبة ذهبية اللون كليا.تناول جواز سفري وتوجه إلي بالكلام: "أنت كاتب سيدي
- نعم، سيدي''
أعاد من جديد النظر في جواز السفر : "ماذا تعني سيدي، كلمة كاتب؟''متسائلا هذه المرة بنبرة لطيفة.شرحت له، فأجابني :"آه، شاعر !".التفت صوب الآخرين بإشارة ثم بسرعة استرجعت أشيائي.ثم خاطبني''أنت حر سيدي، اذهب، وسفر سعيد''.
يحتاج الواحد إلى قدر من الغباء كي ينجز بدقة عمله،تصور ينطبق خاصة على رجال الشرطة.
أكتبُ دائما.سأحمل معي إلى المنزل الصفحات تلو الصفحات.
بيلي
باريس21   أكتوبر 1925 .     
ـــــــــــــــــــــــــــــ       
المرجع :  Ma chère Maman : De Baudelaire a Saint-Exupéry ;des lettres d écrivains . Gallimard ;2002.

الموقع الالكتروني للأستاذ سعيد بوخليط : http://saidboukhlet.com/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق